أوحى تحرّك اليومين المنصرمين باستعجال تأليف حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، من غير أن تتضح عناصر جدّية الجهود، ولا التأكد من أن التوقيت بات ملائماً لإعلان الحكومة الجديدة. لا موعد بعد لاجتماع الرئيس المكلف والرئيس ميشال عون كي ينتهيا إلى الاتفاق على التأليف
أكثر من علامة استفهام لا تزال تُطرح عن أسباب عدم التواصل المباشر بين الرئيس المكلف نجيب ميقاتي والرئيس ميشال عون. لم يلتق الرجلان مذ كلف ميقاتي تأليف الحكومة في 25 كانون الثاني ـــــ وهو يعبر هذا النهار اليوم الـ60 ـــــ سوى ثلاث مرات في أزمة حكومية، بات من الواضح أنها أصبحت تنحصر في عقدة توصّل الرجلين إلى اتفاق بينهما أو إبقاء التأليف معلقاً: التقيا لأول مرة غداة التكليف في الزيارة التقليدية للرئيس المكلف لرئيس الحكومة السابق، ثم التقيا في الاستشارات النيابية للتأليف في ساحة النجمة في 27 كانون الثاني، ثم عندما لبّى عون دعوته إلى غداء في فردان في 3 شباط.
مذذاك انقطع الاتصال المباشر بينهما، ما خلا ثلاث قنوات: زيارات الوزير جبران باسيل لميقاتي، وزيارات باسيل مع المعاون السياسي لرئيس المجلس النائب علي حسن خليل والمعاون السياسي للأمين العام لحزب الله حسين الخليل لميقاتي، وزيارات ابن شقيق الرئيس المكلف عزمي ميقاتي لوزير الطاقة في حكومة تصريف الأعمال.
وكلما سئل عن تواصله مع الجنرال، أجاب الرئيس المكلف أنه قائم عبر هذه القنوات، مكتفياً بها لتبادل الرسائل والمواقف.
إلا أن أزمة التأليف لا تزال تراوح مكانها في ظلّ انقطاع الحوار بين الرجلين: لعون مشكلة مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان، هي إصراره على الحصول على حقيبة الداخلية، وله مشكلة مع ميقاتي، هي إصراره على الحصول على 12 وزيراً من 15 وزيراً مسيحياً في حكومة ثلاثينية تمكّن رئيس تكتل التغيير والإصلاح وحلفاءه من الحصول على سابقة وضع الثلث +1 في طائفة.
رفض سليمان وميقاتي الشرطين: الأول يتمسّك بالوزير زياد بارود في حقيبة الداخلية، والثاني يوافق على حصة لعون وحلفائه من 10 وزراء في حكومة ثلاثينية و8 وزراء في حكومة من 24 وزيراً من دون وضع الثلث +1 بين يدي تكتّله.
أسباب الخلاف بين الرجلين تكمن إذاً في هذه التفاصيل. إلا أن لها وجهاً آخر في حسابات الرئيس المكلف تتركز على معطيات يتصلّب في التشبّث بها:
1ـــــ لا يريد ميقاتي إلزام نفسه بشريك في تأليف الحكومة سوى رئيس الجمهورية ما دام الدستور ينيط بهما هذا الاختصاص وتوقيع مرسومها. تبعاً لذلك لا يودّ استعادة تجربة سلفه الرئيس سعد الحريري الذي لم يتمكّن من تأليف حكومته إلا بعد آخر اجتماع له بعون في الرابية، على أثره أعلن من منزل الجنرال تأليف الحكومة، قبل أن يصدر مرسوم التأليف في الساعات التالية من قصر بعبدا. كان الحريري وعون قد عقدا قبل ذلك، على مرّ الأيام الـ135 من تكليف الأول، اجتماعات عدّة توزّعت على الرابية وبيت الوسط.
2ـــــ لا يجد ميقاتي نفسه مضطراً إلى إجراء جولة جديدة من المشاورات مع الكتل النيابية، بعدما كان قد اطلع على نحو كافٍ على اتجاهات الكتل والنواب المستقلين في جولة الاستشارات النيابية الأولى التي أجراها بعد تكليفه عملاً بالدستور، وكوّن أفكاراً كافية عن الخيارات المقترحة عليه. ثم أجرى جولة أخرى من المشاورات مع أقطاب طاولة الحوار الوطني في 3 شباط للغاية نفسها، فضلاً عن اجتماعات عقدها مع بعض أركان قوى 14 آذار قبل أن يعلن الحريري والنواب الـ60 في الأقلية النيابية، من البريستول في 27 شباط، عدم مشاركتهم في حكومة ميقاتي. وكان الحريري قد مهّد لموقف المقاطعة بآخر في احتفال البيال في 14 شباط.
لا حاجة، تالياً، لميقاتي إلى استطلاع الأراء مجدّداً، وبات المطلوب بالنسبة إليه وضع التأليف موضع التنفيذ. وهو معني بذلك بالتفاهم مع رئيس الجمهورية عملاً بالدستور، وباستمزاج رأي الرئيس نبيه برّي والتشاور معه بصفته رئيساً للسلطة الاشتراعية. وكانت زيارتاه الأخيرتان لهما في نطاق هذا الدور.
3ـــــ يسعى الرئيس المكلف إلى إبراز صورته زعيماً سنّياً قوياً ورئيس حكومة لا يفرّط بصلاحياته الدستورية في تأليف الحكومة، ولا يسعى من ثمّ ـــــ لإبصار حكومته النور ـــــ إلى استرضاء أي فريق سياسي كآخر، على نحو تجربة الحريري مع عون، فأعطى رئيس حكومة تصريف الأعمال رئيس تكتّل التغيير والإصلاح وحلفاءه في 9 تشرين الثاني 2009 الحقائب وعدد الوزراء الذين اشترطهم.
بل يقول الرئيس المكلف في أوساطه إنه هو مَن يضع مسودة الحكومة الجديدة ويؤلفها بالاتفاق مع رئيس الجمهورية، لا الأفرقاء السياسيون الآخرون.
4ــ لا يضع ميقاتي لنفسه مهلة محدّدة للتأليف، ولم يضع له الدستور ولا رئيس الجمهورية مهلة مماثلة. لذا يتصرّف بعامل الوقت على أنه احتمال مفتوح بلا شروط وقيود. إلا أنه يريد، في نهاية المطاف، تأليف حكومة لا تستفزّ عون ولا تقلّل الحجم المعقول والمقبول لتمثّله في الحكومة، من دون أن يجتمع به بالضرورة بغية تفادي أي انطباع يوحي بأن الجنرال شريكه الآخر في التأليف، الأمر الذي يستفزّ ميقاتي بدوره. وهو أعطى التأليف كل هذا الوقت، وسمع انتقادات مختلفة ومتباينة في ما وُصف بإبطاء جهوده، من أجل أن ينتهي إلى الحكومة التي تحوز اقتناعه، وتمكّنه من ترؤسها والعمل على مواجهة تحدّيات المرحلة المقبلة، متفاهماً مع رئيس الجمهورية على هذا المسار برمته.
هكذا، وفق ما أفصح عنه ميقاتي وعون، كل على طريقته، لا الأول قدّم للثاني لائحة حقائب، ولا الثاني أرسل إلى الأول أسماء وزرائه. كان الرئيس المكلف يقول أيضاً إن على الكتل اقتراح أسماء مرشحيها للتوزير، ويتولى هو ورئيس الجمهورية تعيين الوزراء من بينها، بما يلائم تأليف حكومة منسجمة ومتضامنة ومتماسكة.
5ـــــ رغم أن لا موعد مقرّراً لاجتماع الرئيس المكلف مع رئيس تكتّل التغيير والإصلاح، وإن ردّدت أوساط الغالبية النيابية معلومات عن دعوة إلى عشاء خاص وعائلي في فردان، إلا أن الانطباعات التي تشيعها تشير إلى حتمية اجتماع الرجلين. مع ذلك، يصرّ ميقاتي على أن لا يكون لعون ختمه على حكومته، على غرار ختم الجنرال على حكومة الحريري.
والواقع أن هذا الختم لم يكتفِ بالمساهمة في تأليف حكومة الحريري فحسب، بل أدى بعد 14 شهراً ـــــ عندما نُزع ـــــ إلى إسقاطها. وكما أبصرت النور في الرابية، أطيح الحريري وحكومته من المكان نفسه عندما استقال وزراء المعارضة السابقة من هناك في 12 كانون الثاني.