أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

المطلوب حكومة كيفما كان: أم واحدة تحقق أهـدافاً محددة؟

الجمعة 25 آذار , 2011 12:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,446 زائر

المطلوب حكومة كيفما كان: أم واحدة تحقق أهـدافاً محددة؟

تناقضت إشارات الساعات الأخيرة عن التحرّكات والجهود المبذولة لتأليف الحكومة، والموزّعة بين بيروت ودمشق. كمنت المفارقة أيضاً في تناقض المعلومات المتداولة لدى أكثر من مرجع رسمي وجهة سياسية معنيّة بمساعي التأليف، بين قائل بتأليف وشيك للحكومة لا يتجاوز بضعة أيام، وآخر استبعده في مدى قريب ما دامت مبرّرات تعثّر التأليف داخلياً وخارجياً لا تزال إياها، زيد إليها انفجار الخلاف علناً وتبادل السجال لأول مرة بين رئيس الجمهورية ميشال سليمان والرئيس ميشال عون.

اقترنت هذه وتلك بمناخ أوحى بأن الرئيس المكلف نجيب ميقاتي على قاب قوس أو أدنى من إنجاز تشكيلة حكومية بمعزل عن استرضاء كل أفرقاء الغالبية النيابية الجديدة، وأخصّهم عون، إلا أنها تستجيب لما يتوخاه ميقاتي من ترؤسه الحكومة الجديدة، متفقاً مع رئيس الجمهورية ـــــ وهما طرفاها الموقعان على مرسومها ـــــ على مواصفاتها وتوازناتها وأحجام التمثيل.
ورغم أن ميقاتي لم يعكس، منذ تكليفه، أيّ استعجال لتأليف الحكومة، يفصح الإيحاء باحتمال تجاوزه كل التحفظات المدلى بها عن طريقة مقاربته التأليف من أي جهة أتت، عن سعيه إلى فرض أمر واقع من خلال حكومة أمر واقع يتمثّل فيها أفرقاء 8 آذار من غير أن يرجّحوا كفتها. بذلك يكون قد ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد:
ــ تخطّى الخلاف الحاد، الآخذ بالتفاقم، بين رئيس الجمهورية ورئيس تكتّل التغيير والإصلاح على حجم تمثيل كل منهما في الحكومة، فيُخرجها ميقاتي من صراعهما، وينأى بنفسه عن الدخول طرفاً فيه. وهو إلى الآن لا يزال في قلب هذا الصراع، تارة بتأييده حصة وازنة لرئيس الجمهورية بما فيها حقيبة الداخلية، وطوراً بإبقاء تواصله المباشر مع عون مقطوعاً من غير أن يرى دافعاً أو جدوى من حصوله.
ــ تمسّكه بصلاحياته الدستورية رئيساً لمجلس الوزراء يضع مسودة تشكيلة حكومية، ويتوافق مع رئيس الجمهورية على توقيعها ويُصدران مرسومها، ويترك للغالبية النيابية بعد ذاك أن تقرّر موقفها من الحكومة الجديدة بمنحها الثقة أو حجبها عنها. مع معرفة الرئيس المكلف بأن عون وحلفاءه في تكتل التغيير والإصلاح يمثلون الكتلة النيابية الأكبر في الغالبية الجديدة المؤلفة من 68 نائباً. وهو يمثّل أكثر من ثلث الغالبية، ويتوقف على موافقته منح الحكومة الجديدة الثقة أو حجبها عنها.
مع ذلك لا يبدو الأمر بمثل هذه السهولة والبساطة لإنهاء أزمة تأليف مستعصية منذ شهرين، نظراً إلى وطأة الأعباء والضغوط التي تلقي بثقلها على لبنان، وباتت كذلك على سوريا بعد أحداث الأسبوع الجاري في درعا، في مرحلة تتضاعف أخطارها وتحدّياتها يوماً بعد. هكذا بسهولة وبساطة مماثلة، لم يعد قرار تأليف الحكومة الجديدة ملك الرئيس المكلف وحده وهو أول المعنيين بها، ولا ملك رئيس الجمهورية وحده وهو المعني بها بدوره شريكاً موقّعاً وضامناً لعناصر الاستقرار والتوازنات الداخلية، ولا ملك قوى 8 آذار ورأس حربتها حزب الله بصفتها الغالبية النيابية الجديدة، ولا ملك الجنرال الذي يتصرّف على أنه مفتاح التأليف ومفتاح تعذّره.
بات قرار التأليف في أيديهم جميعاً في آن معاً، لكنه في يد سوريا أولاً وأخيراً رغم وفرة ما تسمعه من زوّارها اللبنانيين، وكذلك وفرة إشارات الغموض التي ترسلها إليهم عندما تستعجل من جهة تأليف الحكومة، وتتجاهل من جهة أخرى العقبات التي تحوط بالتأليف رغبة منها في إبراز عدم تدخّلها في هذا الاستحقاق. لا تريد التدخّل في التأليف، ولم يدعّها أيّ من أفرقاء الداخل إليه.
يُلاقي ذلك انطباعات أوساط الغالبية النيابية عن حصيلة اللقاءات الأخيرة في العاصمة السورية لمست وجهة نظر مختلفة، تحضّ على الأخذ في الحسبان مواقف كل الأفرقاء المعنيين بالتأليف، انسجاماً مع ما تريد دمشق أن توصله إلى هؤلاء:
1ــ آن أوان التفاهم على تأليف الحكومة الجديدة، وعلى الأفرقاء اللبنانيين معاودة الحوار في ما بينهم للاتفاق. كانت فحوى هذه النصيحة الردّ على بعض زوّار دمشق ممّن حملوا إليها طلباً ملحّاً بمساعدتهم على تليين شروط رئيس تكتّل التغيير والإصلاح.
2ــ لن تضطلع دمشق بدور الوسيط ولا المتدخّل لتذليل العراقيل والعقبات، ولا توافق على ممارسة أي ضغط على أيّ من شركاء التأليف. وهي تريد أن تكتفي بإسداء النصح بالتحاور والتفهّم المتبادل لوجهات النظر.
3ــ الإصغاء هو أداة التواصل الوحيدة، حتى الآن على الأقل، بين القيادة السورية والقنوات والزوّار اللبنانيين.
4ــ لن تكون الحكومة الجديدة حكومة شغف، بل حكومة مواجهة. تبعاً لذلك لا تتوقع العاصمة السورية تأليف حكومة أمر واقع، بل حكومة القوى السياسية الممثلة للغالبية النيابية التي تنتظرها تحدّيات جوهرية.
في الزيارة الأخيرة لطه ميقاتي، شقيق الرئيس المكلف، لدمشق قبل ثلاثة أيام، شرح للرئيس السوري بشّار الأسد العراقيل التي يجبهها شقيقه في التأليف، بيد أنه لم يطلب مؤازرة سوريا لتسهيله، مكتفياً بإطلاع الأسد على الجهود المبذولة. بدوره الرئيس السوري لم يقترح المساعدة، مكتفياً هو الآخر بالإصغاء إلى ما يعرفه عمّا يجري في لبنان من قنوات حليفة عدة.
عند هذا الحدّ تستقرّ جهود التأليف والاتصالات المعلنة والبعيدة عن الأضواء، من غير أن تتقدّم إلى الأمام خطوة واحدة حتى.
هكذا تعود المشكلة إلى أولها: هل آن فعلاً أوان تأليف الحكومة؟
أطيحت حكومة الحريري في عزّ أحداث تونس، وكلف ميقاتي في بداية أحداث مصر، واستنزفت جهود التأليف على مرّ أحداث ليبيا واليمن، ويعبر مأزق التأليف اليوم بين سليمان وعون وميقاتي وعون، وثمّة أحداث تتفاعل في سوريا. يتغيّر العالم العربي من حول لبنان، من غير أن يتزحزح أحد من أفرقاء التأليف عن عناده وإصراره على فرض وجهة نظره.
في ضوء تطورات المنطقة والفوضى التي تضرب أنظمة بعض دولها، لم يعد المطروح أي حكومة يؤلف الرئيس المكلف، بل ما المطلوب منها. لم يعد الغموض يحوط بهويتها بعد مقاطعة قوى 14 آذار المشاركة فيها، وإعلان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله أنها حكومة الأكثرية النيابية الجديدة برئاسة ميقاتي، وإعلان النائب محمد رعد أنها ستكون حكومة مقاومة. اتضحت هوية الحكومة الجديدة، حكومة اللون الواحد التي ترجح فيها كفة قوى 8 آذار، وبات السؤال المطروح: ما المطلوب من الحكومة الجديدة ما دامت ستكون حكومة مواجهة لتحديات تتصل بخيارات الغالبية النيابية الجديدة وسوريا.

Script executed in 0.041893005371094