أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

مَن يُؤلف: ميقاتي، عون، الطائف أم الدوحة؟

السبت 02 نيسان , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,132 زائر

مَن يُؤلف: ميقاتي، عون، الطائف أم الدوحة؟

يكمن التناقض الحادّ بين الرئيس المكلف نجيب ميقاتي والرئيس ميشال عون، في مقاربة كل منهما تأليف الحكومة، في أن الأول يُدرجها في نطاق الصلاحيات الدستورية لرئيس مجلس الوزراء التي لا تقيم شريكاً له في التأليف سوى رئيس الجمهورية، صاحب التوقيع الآخر في مرسوم إعلان الحكومة الجديدة. بينما يضع الثاني التأليف في إطار مراعاة توازن القوى السياسي القائم، يأخذ في الاعتبار الصلاحيات الدستورية، لكنه لا يجعلها المعيار الوحيد للتأليف.
على نحو هذا التباعد، بات من المتعذّر على أي من ميقاتي وعون ـــــ ما داما واجهة مأزق تعثّر تأليف الحكومة في الظاهر على الأقل ـــــ التوصّل إلى اتفاق ما لم يتراجع أحدهما قبالة الآخر عن شروطه، أو تفرض عليهما معاً تسوية مصدرها الخارج. لكل منهما سلاحه في تبرير حججه والدفاع عنها، ولكل منهما أيضاً المقدرة على الحؤول دون إبصار الحكومة الضوء عبر استخدامه سلاحه المشروع:
ـ ميقاتي عندما لا يعتذر عن عدم تأليف الحكومة بسبب إخفاقه في التأليف، ما دام الدستور لا يقيّد مدة تكليفه.
ـ وعون عندما يهدّد بحجب الثقة عن الحكومة الجديدة عند مثولها في مجلس النواب، من جراء ترؤسه الكتلة النيابية الأكبر عدداً في الغالبية الجديدة التي تضع بين يديه، كما بين يدي الرئيس نبيه برّي وحزب الله كزعيمي كتلتين كبيرتين، مفتاح نصاب الثقة.
يحتمي ميقاتي بالدستور الذي يبقيه رئيساً مكلفاً إلى ما شاء الله، من غير أن يسع رئيس الجمهورية ولا مجلس النواب الذي سمّاه لرئاسة الحكومة اتخاذ إجراء معاكس. ويحتمي رئيس تكتّل التغيير والإصلاح بالدستور كذلك، إذ يحدّد الأخير نصاب منح الحكومة الثقة، وبتضامن حلفائه معه في الغالبية البرلمانية.
عند هذا الحدّ يترجّح الرئيس المكلف بين خيارين، كلاهما يضعه على حافة فراغ دستوري وسياسي محتمل: عندما يتأخر في التأليف، فتستمر الحكومة المستقيلة أو المعتبرة مستقيلة في تصريف الأعمال إلى أمد غير محدّد. وعندما يُصدر بالاتفاق مع رئيس الجمهورية مرسوم حكومة جديدة ترفضها الغالبية، أو إحدى قواها الممسكة بنصاب منح الحكومة الثقة، فلا يلتئم المجلس وتضطر الحكومة الوليدة لتصريف الأعمال من غير أن تمثل أمام البرلمان، ولا أن تمارس صلاحياتها الدستورية. في الحالين تظلّ السلطة الإجرائية معطلة تماماً، وكذلك صلاحيات رئيس الجمهورية واضطلاع مجلس النواب بدوره.
والواقع أن الحال الثانية هي ما كان ينتظر إقدام الرئيس المكلف، على ما أشيع، على تأليف حكومة أمر واقع لا تحظى ـــــ قبل إصدار مرسومها ـــــ بموافقة الغالبية عليها.
قد يكون رئيس تكتّل التغيير والإصلاح صاحب السابقة في فرض قاعدة جديدة عند تأليف الحكومة، هي الأخذ في الاعتبار توازن القوى القائم الذي يصبح عندئذ الشريك غير الدستوري في التأليف، ولا يتم الأخير بلا إجازة من هذا الشريك. إلا أن الرئيس المكلف ليس بالتأكيد أول مَن يُراد أن تفرض عليه هذه القاعدة، غير المألوفة في الحياة الدستورية وفي تقاليد تأليف الحكومات اللبنانية منذ ما بعد اتفاق الطائف والتعديل الجوهري للمادة 53 من الدستور، وأن يُسلّم بوجود شركاء آخرين في التأليف، يتجاوزون مَن ينيط بهم الدستور اختصاص تأليف الحكومة.
سبقه إلى تجرّع كأس قاعدة غير دستورية، بيد أنها أصبحت بعد اتفاق الدوحة شرطاً محورياً لتأليف حكومة أو الحؤول دونه، الرئيس فؤاد السنيورة عندما دُعي في 28 أيار 2008 إلى تأليف الحكومة بأن نال 68 صوتاً أيدّ تكليفه، وهي النسبة نفسها التي حازها تكليف ميقاتي بعد سنتين و8 أشهر. لم يُتح للسنيورة تأليف حكومته الثانية إلا بعد انقضاء 44 يوماً من جراء تصلب عون في شروطه، في عدد وزرائه أو في الحقائب التي يريدها في مقابل مشاركته في هذه الحكومة، رغم أن قوى 8 و14 آذار كانتا عائدتين لتوّهما من اتفاق الدوحة الذي وزّع حصص الفريقين في حكومة ما بعد التسوية. مع ذلك أدخل الجنرال الرئيس المكلف في تفاصيل تلك التسوية وزواريبها، وأطال أمد التأليف، من أجل أن يحوز الموقع الأفضل له ولتكتّله، وزراء وحقائب، في الحصة المخصصة لفريقه في الأقلية النيابية وقتذاك. وحصل على ما أراد، فلم تؤلف حكومة السنيورة إلا بعدما رضي.
تكرّر الأمر مع الرئيس سعد الحريري عند تكليفه لأول مرة في 27 حزيران 2009 بـ86 صوتاً معظمها من الغالبية النيابية الخارجة من انتخابات انتصرت فيها قوى 14 آذار. وشأن السنيورة الذي كان بالممارسة يتزعّم الأكثرية النيابية المنبثقة من انتخابات 2005 عندما كُلّف تأليف حكومته الثانية ـــــ لم يتسنّ للحريري تأليف حكومته الأولى، فاعتذر في اليوم الـ75، ثم أعيد تكليفه في 16 أيلول بـ73 صوتاً كانت أصوات حلفائه في الغالبية، ولم يؤتَ تأليف الحكومة بسبب العقبة نفسها التي جبهها في التكليف الأول، وجبهها من قبله سلفه، وهي شروط عون للمشاركة في الحكومة وزراء وحقائب.
لم يشفع لتزعّم الحريري الغالبية النيابية المنبثقة من انتخابات 2009 تأليف حكومة جديدة، ولا كان في وسعه في ظلّ المصالحة السعودية ـــــ السورية تأليف حكومة من لون واحد. فظلّ معلقاً في الهواء 135 يوماً، عاجزاً عن التأليف إلى أن فرض تفاهم سعودي ـــــ سوري عليه وعلى عون هذا التأليف. فأعلن اتفاق الرجلين من منزل الجنرال في الرابية، وثبّت الأخير أنه كان الشريك الفعلي للحريري في تأليف حكومته، مستفيداً من دعم حلفائه في قوى 8 آذار.
لم يكن الحريري أكثر تمسّكاً بالصلاحيات الدستورية لرئيس مجلس الوزراء من السنيورة، ولا يبدو ميقاتي اليوم أكثر تمسّكاً بها من سلفيه معاً. إلا أن توازن القوى بات، في الواقع، هو الذي يفرض الاتفاق على التأليف، آخذاً في الاعتبار حدّة الانقسام السياسي والمذهبي القائم بين قوى 8 و14 آذار، وامتلاك كل من الطرفين حق النقض الذي يمنع ـــــ ولا يعرقل فحسب ـــــ تأليف الحكومة. مع السنيورة والحريري لم يكن في الإمكان تأليف حكومة تضع نصاب الثلثين بين يدي الأكثرية النيابية، أو تستبعد عنها الأقلية النيابية.
المشكلة نفسها يعانيها ميقاتي اليوم، من غير أن يكون جزءاً من الأكثرية النيابية الحالية ولا حليفاً سياسياً أو انتخابياً تقليدياً لها، ومن غير أن يكون كذلك كالسنيورة والحريري زعيم غالبية نيابية تملك مفتاح التكليف ومنح الثقة، ومن غير أن ينجح في اللعب على حبال التناقض بين قوى 8 و14 آذار: الأولون سمّوه ويختلفون معه الآن بحدّة على مقاربته التأليف، ويحولون دون تأليف حكومة لا ترضيهم. والآخرون نبذوه وعدّوه أنكرهم وغَدَرَ بهم عندما قَبِلَ التكليف بعد إطاحة الحريري واستبعاده عن ترؤس الحكومة الجديدة. كذلك طرح الرئيس المكلف لنفسه موقعاً لم توافق عليه قوى 8 آذار، وهو أن يكون مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان وارثاً طبيعياً لقوى 14 آذار في تقاسم مقاعد الحكومة الجديدة. لم تتحمّس قوى 8 آذار بداية لخطته تأليف حكومة تجمعها مع قوى 14 آذار، ولم تتوقع ـــــ كما لم يتوقع هو بالذات ـــــ مشاركتها في حكومة كهذه، وأصرّت على تأليف حكومة اللون الواحد وأخذت في الحسبان مراعاة إظهاره قوياً في الشارع السنّي لا يفرّط بصلاحيات رئيس مجلس الوزراء.
وشأن سلفيه، لا يكفي ميقاتي التمسّك بصلاحيات رئيس مجلس الوزراء كي يتمكّن فعلاً من تأليف حكومته الثانية، ما لم يسلّم باستمرار سريان مفعول اتفاق الدوحة الذي أرغم السنيورة، ومن بعده الحريري، على المضي في أعرافه الجديدة عند تأليفهما حكومتيهما. كانتا حكومتين ائتلافيتين على نحو مناقض لما ستكون عليه حكومة ميقاتي التي ستنبثق بدورها من بعض أعراف اتفاق الدوحة، وتتجاهل أعرافاً أخرى سرت على الرئيسين السابقين للحكومة:
ـ ليست حكومة ميقاتي ائتلافية بين طرفين متنازعين، بل هي حكومة اللون الواحد. تبعاً لذلك، لا تنظر قوى 8 آذار إلى سليمان وميقاتي على أنهما فريق آخر واحد يؤلف معها حكومة ائتلافية، على نحو ما يوحي الرئيس المكلف.
ـ ليس لميقاتي إلا الإقرار بتوازن قوى مختلف عن ذاك الذي حُمِلَ سلفاه على الإقرار به، وهو أنه ـــــ الرئيس المكلف بأصوات الغالبية النيابية الجديدة ـــــ يقتضي أن يؤلف حكومة الغالبية، مع الأخذ في الاعتبار حماية موقعه وحصته في الحكومة الجديدة، لكن من دون الموافقة بالضرورة على الصيغة التي طرحها ميقاتي لحصته المشتركة مع رئيس الجمهورية، وهي الحصول على 10 وزراء، 5 مسيحيين و5 مسلمين: أربعة وزراء مسيحيين لسليمان، وستة وزراء لميقاتي (5 سنّة لأن السنّي السادس يذهب إلى رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط + وزير أرثوذكسي هو نقولا نحّاس). يضيف الرئيس المكلف إلى هذه الحصة 3 وزراء لجنبلاط كي تصبح حصته مع سليمان وجنبلاط 13 وزيراً، أي ما يتجاوز الثلث +1. رفضت قوى 8 آذار الاقتراح، وعاد الجميع إلى حيث انطلقوا. من الصفر تقريباً.
وقد يكون مغزى ما تلحّ عليه الغالبية، أنها تريد لنفسها نصاب ثلثي الحكومة، ممّا يحتّم الحؤول دون وضع النصاب المعطّل بين يدي رئيسي الجمهورية والحكومة.

Script executed in 0.19487404823303