أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

سيظل الحريري هو الحريري وبيروت هي بيروت

السبت 02 نيسان , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,531 زائر

سيظل الحريري هو الحريري وبيروت هي بيروت

... ومن جهة ثانية، يأتيك سعد الحريري، في مناسبة غير مسبوقة، وبكلام غير مسبوق. لحظة رفع تمثال لوالده الراحل، رئيس الحكومة الأسبق، عند مدخل المقر الرسمي لمجلس وزراء لبنان في قلب العاصمة، قال الابن متأثراً، ومحاولاً التأثير، إن بيروت قبل رفيق الحريري كانت عاصمة أشباح، ومعه عادت عاصمة للأحلام. كلام، يقتضي منطق «الصحيح سياسياً» في هذا البلد الكذبة، أن يقابل بما يراوح بين التصفيق والصمت. غير أن الأمانة حيال الذات والمنطق والتاريخ، تقتضي مناقشته من زاويتين: المناسبة في حد ذاتها أولاً، وغرضيتها واستخدامها ثانياً.
في المناسبة ورفع التمثال ومكانه، فليسمح لنا الحريري الابن بتخطي الاعتبارات العاطفية والشخصية والإنسانية. فوالده نفسه هو القائل إنه ما من أحد أكبر من بلده أو وطنه. فلماذا هذا الإصرار على كسر تلك القاعدة، ومحاولة اختزال الوطن بشخص؟ تكفي جردة سريعة لعملية إسقاط صورة رفيق الحريري على صورة عاصمة لبنان: مطار بيروت، صار باسمه (علماً بأن المسألة لم تتضح بعد قانونياً: هل اتخذت حكومة نجيب ميقاتي سنة 2005 قراراً بتسمية المطار الوحيد للبنان، باسم الحريري؟ أم إطلاق اسمه على قاعة من قاعاته فقط؟ وخصوصاً أن بعض وزراء تلك الحكومة، لا يزالون يؤكدون الأمر الثاني، وهو ما لا يزال هذا البعض يستدلون عليه بمحاضر لجلسة مجلس الوزراء تلك، كما بغياب أي ذكر لدى المنظمة الدولية للطيران، لمطار رفيق الحريري، واستمرار اعتمادها على موقعها الرسمي، اسم مطار بيروت الدولي). نقفل الهلالين اللازمين لنكمل الجردة: مستشفى بيروت الحكومي صار باسمه. المدينة الجامعية الوحيدة للجامعة اللبنانية صارت باسمه، فضلاً عن هوامش أخرى في المنشآت والمباني والشوارع. بعدها تمثال للحريري عند خليج مار جرجس، أحد رموز بيروت التاريخية. (وعلى أرض يقول المطلعون إنها تثير إشكالات قانونية لم تنته). وضريح عند ساحة البرج. والآن تمثال عند باب القصر الحكومي. أفلا تستحق هذه الطفرة السؤال؟ فإذا كان المقصود مجرد الذكرى والتخليد، فموقع واحد يكفي. لكن لماذا هذا الحصار؟ لماذا هذا الطغيان؟ ما الداعي إلى هذه الظاهرة الصدَّامية؟ ومن قال إن بيروت الأحلام تلك، تريد أو تقبل أو تقدر أن تحتمل كابوس تحوّلها على طريقة تيرانا أنور خوجه أو بيونغ يانغ في ظل سلالة آل كيم؟ فكيف إذا سمعت ما أسرَّ به بعض المعنيين بإدارة العاصمة، عن مشروع طرأ على رأس أحدهم قبل أعوام قليلة، يقضي بإضافة ذكر الحريري إلى اسم العاصمة بيروت نفسها.
ثمّ ألا يحق لنا أن نسأل، وأن نلفت النظر، إلى أن الزمن الراهن ليس الأكثر خصوبة لرفع التماثيل والنصب، لا بل هو زمن تحطيم الأصنام، وخصوصاً في المحيط الذي خضع لها وخنع طوال عقود، وخصوصاً أن الحريري الابن وفريقه، يعلنان أنهما من المشجعين والمراهنين على سقوط الصنميات. فكيف في بيروت التي لم تعرف الصنمية، ولم تحتملها، منذ مدرسة حقوقها، قبل زمن «الحق الحريري» بأكثر من ألفي عام؟
وليُسمح لنا بالمصارحة أكثر، ودائماً في مناقشة المناسبة في حد ذاتها ومكانها الجغرافي: هل يعقل أن «يكرّس» باب القصر الحكومي ومقر مجلس وزراء لبنان، لشخص؟ ماذا لو فعل عمر كرامي الأمر نفسه، لشقيقه الذي اغتيل رئيساً فعلياً ـــــ لا سابقاً ـــــ للحكومة؟ ماذا لو طلب نديم الجميّل أو ميشال معوّض رفع نصبين لوالديهما الرئيسين المغدورين، على باب قصر بعبدا؟ ثم، ثم، نحن في لبنان، في هذا البلد حيث لا إجماعات وطنية إطلاقاً. حتى الوطن نفسه ودولته، لا إجماع عليهما، فمن قال إن ثمة إجماعاً على شخص، مهما كانت ظروف حياته ومماته؟
من هذا اللاإجماع يمكن الدخول إلى النقاش ثانياً، في غرضية المناسبة، وبالتالي في كلام سعد الحريري خلالها. من قال إن بيروت قد قطعت تاريخها بشخص، فصارت بيروت ما قبله وما بعده؟ من يقبل أن يقال لبيروت، ما قيل للتاريخ مع يسوع، أو للإسلام مع محمد؟ هذه بيروت أم الشرائع، بيروت الإمام الأوزاعي والمطران مبارك، بيروت مار جرجس الخضر، بيروت ساحة الشهداء ومؤتمر الساحل والاستقلال الأول والثاني والثالث والأخير، بيروت الجامعة الأميركية منذ 135 عاماً، والجامعة اليسوعية منذ 131 عاماً. هذه بيروت كل العواصم وكل الأقلام وكل القصائد... كيف يقطع شخص تاريخها بين أشباح ما قبله وأحلام ما بعده؟
ثم، ثم، وليعذرنا الحريري الابن، وليعذرنا كل من تجرح الحقائق حياءه في أي مقلب كان، ماذا لو روى التاريخ المعاصر فعلاً، قصص بيروت الأشباح والدمار ووقائع تغذيتها بما قيل قديماً إنه «عصب الحروب»؟ ماذا لو شهد حلفاء الحريري الحاليون وحدهم على تلك الحقبة؟
باختصار، ما من لبناني عاقل يفكر أو يقدر على محو رفيق الحريري من ذاكرة لبنان أو واقعه. لكن سيظل الحريري هو الحريري، وتظل بيروت بيروت، ولبنان لبنان.

Script executed in 0.031002044677734