يتزامن «اليوم العالمي للقنابل العنقودية»، الذي يحييه العالم في الرابع من نيسان من كل عام عبر تفعيل السعي لحظر استعمالها، مع تاريخين بارزين على في حياة الجنوبيين.
يتمثل الأول بانقضاء أربعة أعوام على الموعد الأول الذي كان قد حدد للانتهاء من تنظيف أراضيهم من «العنقودي»، وهو نهاية العام 2007، فيما يتمثّل الثاني بالإعلان عن التــمديد مجــددا لموعد انتهاء علميات القضاء على القنابل العنقودية والألغام، حتى نهاية العام 2015، أي بفارق سبع سنوات بين الموعدين.
وحتى الموعد الجديد لن «يصدق» إلا في حال «استمرار توفر التمويل»، وفق ما يؤكده رئيس المركز اللبناني للإعمال المتعلقة بالألغام، والتابع للجيش اللبناني، العميد محمد فهمي الذي يضيف «وإلا فلا يمكن الإلتزام حتى بهذا التاريخ، لأن التنظيف ونزع الألغام يحتاجان إلى المال».
كما يترافق إحياء الذكرى اليوم مع استئناف موسم زراعة الدخان في الجنوب المنكوب بالملايين من القنابل العنقودية والذخائر غير المنفجرة، منذ عدوان تموز وحتى اليوم.
وإذا كان عدد القرى التي تلوثت بالعنقودي قد لامس المئة وستين قرية مع نهاية العام 2006، فإن بؤراً جديدة قد اكتشفت بعد الإحصاء. كما أن تنظيف 67 في المئة من المناطق الملوثة لا يعني الإعلان النهائي أن هذه القرية أو تلك قد باتت خالية تماما من العنقودي، لكون الأهالي ما زالوا يعثرون على قنابل عنقودية في أماكن أعلنت نظيفة وتم تسليمها على هذا الأساس. بالإضافة إلى ذلك، فإن التنظيف يجري في أكثر من مكان في الوقت نفسه.
وربما لا توجد في الجنوب عائلة واحدة لا تستشهد، وهي تدعم مخاوفها، بما حدث مع المواطن احمد حجازي من عيترون (وغيره في بلدات أخرى)، الذي وما إن غرز «المنطاع» في حقل تبغه لزراعة دخانه، في هذا الوقت من العام الماضي، حتى لامست الآلة التي تحفر لشتلة الدخان، قنبلة عنقودية.
عندها، تجمد أفراد العائلة، الذين كانوا بمعظمهم في الحقل، كل في مكانه. وعندما حضر عناصر الجيش اللبناني وقاموا بمسح الحقل تفاجأوا بالعثور على 12 قنبلة مبعثرة من حول أفرد الأسرة «والله نجاهم من مجزرة»، كما يقولون.
ورغم أن أعمال التنظيف تتركز اليوم في منطقة النبطية ومحيطها، حيث المشكلة ما زالت أكثر حدة عما هي عليه في قضاءي صور وبنت جبيل ومجمل مناطق القطاع الغربي، إلاّ أن صرخة أهالي كفرشوبا وحلتا في العرقوب، ومعهم أهالي الجزء المحرر من بلدة العباسية في القطاع الشرقي، تعلو للمطالبة بإدراج أراضيهم على لائحة «الطوارئ» لتخليصهم من القنابل العنقودية والألغام التي تحصد الشهداء والجرحى والإصابات المستديمة من بينهم، وتحول بينهم وبين أرزاقهم في حقولهم ومراعيهم واستئناف حياتهم العادية.
ويقول رئيس بلدية كفرشوبا قاسم القادري «ان فريقاً من الجيش اللبناني زار المنطقة في شباط الماضي، وسأل عن البؤر الملوثة فيها، ومن ثم غادر ولم يرجع أي منهم»، وبالتالي فإن قنابل كفرشوبا ومحيطها وحلتا وأحراجها ومراعيها وألغام العباسية، ليست مشمولة بـ»وعد» التنظيف مع حلول نهاية 2015 حتى هذه اللحظة.
وتشير الإحصاءات إلى أن عدد ضحايا العنقودي والألغام يتدنى عاماً عن عام بصورة تدريجية بدءاً من 2006، تاريخ العدوان، حيث سقطت في النصف الثاني من ذلك العام وحده، مئتان وتسع ضحايا ،من بينهم 26 شهيداً، من مجمل عدد ضحايا القنابل العنقودية والألغام البالغ أربعمئة وثلاث ضحايا لغاية اليوم، من بينهم 49 شهيداً. في المقابل، تقتصر إصابات العام الحالي على جرح شخص واحد من عربصاليم.
ولا يمكن حصر أضرار ومآسي القنابل العنقودية والألغام بمن يسقط
من الشهداء، إذ تحوِّل الإصابات غالبية الجرحى إلى معوقين، بما يعنيه ذلك من تعطّل لحياتهم في ظل تقصير برامج الدعم الاجتماعي الرسمية. وبرغم جهود العديد من الجمعيات ألأهلية والمؤسسات الدولية في تنفيذ برامج لدعم معوقي العنقودي والألغام، إلا أن شكاوى كثيرة تنطلق مشيرة إلى بعض المحسوبيات في كثير من الأحيان. كما تقتصر الجهود في بعض المرات على تأمين أطراف اصطناعية (بنوعيات سيئة أحيانا).
وفي ظل الحديث عن وصول خسائر القطاع الزراعي في الجنوب إلى أربعمئة مليون دولار أميركي، لم يجد الأهالي من يعوض عليهم «فلساً واحداً»، أو من يؤمن بدائل عن تلوث حقولهم التي ما زال ثلثها تقريباً ممنوعاً عنهم.
أما الضربة التي أصابت قطاع الماشية نتيجة منع الرعاة عن مساحات واسعة من الأحراج وخراجات القرى، فلم تكلف أي جهة نفسها عناء تقديرها، فما بالك التعويض عليها.
ويبدو ان حوالى 370 ألف لغم منتشرة على طول الخط الأزرق ما زالت خارج البحث، بقرار سياسي، بما تضمه من حقول وأراض زراعية يعجز الأهالي عن استثمارها في الزراعة والرعي. في ما يلي محاولة لنقل بعض التفاصيل من حياة أهالي الجنوب المحاصرين بالقنابل العنقودية والألغام من جهة، وبإهمال دولتهم من جهة ثانية.
تفاصيل صغيرة من معاناة كبيرة
تفصل مئات الأمتار فقط أطراف خلة التسخيا في خراج بلدة حلتا الجنوبية عن تلال كفرشوبا، وعن موقعي السماقة ورويسة العلم فيها، وهما متصلين بمزارع شبعا المحتلة. هناك فقد علي حسين شبلي ساقه اليمنى بعد انفجار لغم إسرائيلي على الطريق التي اعتاد سلوكها يومياً خلال خروجه بقطيعه من الماشية إلى الأحراج القريبة.
لأهالي الجنوب اللبناني، كل الجنوب، قصص لا تحصى مع القنابل العنقودية والألغام، ولحلتا، المتروكة في أقصى القطاع الشرقي من الجنوب، قصتها الخاصة التي تتشاركها مع كفرشوبا والمحيط.
صحيح ان الجنوب كله، من غربه إلى شرقه، قد نال حصته من القنابل العنقودية إثر عدوان تموز 2006 ، التي جاءت لتضاف إلى حقول الألغام التي تمنع المزارعين عن أراضيهم وعن خراجات القرى وأحراجها، لكن وحدهما حلتا وكفرشوبا لا تملكان تاريخا زمنيا يحدد موعداً واضحاً لتنظيف أراضيهما الملوثة.
لا بل ان المنطقة، التي تتوزع أراضيها على ثلث محتل عبر تلال كفرشوبا، وثلث ملوث بالقنابل العنقودية، وثلث فقط متاح للأهالي، وفق رئيس بلدية كفرشوبا قاسم القادري، لم تعرف أي فرق عاملة على نزع الألغام وتنظيف القنابل العنقودية حتى اليوم.
والطريق الضيقة المزروعة حفرا التي تؤدي إلى حلتا تؤكد أن أياً من المسؤولين لم يصلها ليعطي أهلها دروساً عن أهمية « الصمود والتصدي» في القرى الحدودية، ولا عن ضرورة التشبث بالأرض في مقابل الإنتهاكات الإسرائيلية المتتابعة منذ نكبة فلسطين وحتى اليوم.
فقد تعاون لبنان الرسمي من جهة، والإسرائيليون من جهة، على إفراغ المنطقة من أبنائها، وعلى القضاء على المصدر الرئيسي لمعيشتهم بعدما انخفض عدد قطعان الماشية من عشرين ألف رأس غنم وبقر وماعز إلى حوالى خمسة آلاف «والحبل على الجرار» كما يقول القادري.
ابن الشهيد الأول ووالد شهيد
اليوم، في اليوم العالمي للألغام والقنابل العنقودية، سيمشي علي شبلي وراء قطيعه في حلتا مستنداً إلى عكازين. يقع الرجل الخمسيني تارة، ويتعثّر تارة أخرى بين الصخور والحجارة، إذا خذله الطرف الاصطناعي المكسور الذي يسند إليه ساقه المبتورة.
وفي عثرته، سيتذكّر أن يتساءل عن كل ذلك «الفيض» من الجمعيات الأهلية والمنظمات الدولية والمؤسسات الرسمية اللبنانية التي تدّعي الوقوف إلى جانب ضحايا الألغام والقنابل العنقودية، وعن مصير التمويل والهبات التي تلقاها.
روي علي شبلي عن يوم الثاني والعشرين من تشرين الأول من العام 2006، وهو يوم مشؤوم آخر عاشه مع أفراد أسرته، حين وقعت قنبلة عنقودية من شجرة صنوبر في حرج حلتا وانفجرت في رأس رأفت (12 عاماً) صغير العائلة فأردته على الفور، وأصابت شقيقه خضر (14 عاماً) بشظايا في أنحاء مختلفة من جسده.
كان علي شبلي قد ساق قطيعه إلى قيلولة الظهيرة عندما طلب من ابنته تحضير الطعام ليتناوله مع خضر ورأفت. سمع الرجل دوياً قوياً ناحية حرج الصنوبر في حلتا فصرخ بأعلى صوته ينادي على خضر. جاء صوت خضر مرتجفاً ليقول «رأفت مات».
يعرف علي شبلي انه وقع أرضا ولا يذكر سوى «منظر» شقيقه وهو يحمل رأفت بين ذراعيه ليقول له «العواضه بسلامتك يا خيي». وضع الرجل «صغير البيت ومدلله» في سيارة، وأسرع به نحو مستشفى مرجعيون. لم يرد ان يصدق انه مات، أراد للمستشفى ان يؤكد ذلك، لطبيب أن يقول له انه لا يمكنه ان يفعل شيئاً.
يقول علي شبلي انه في اللحظة التي خرج مكسور الخاطر من طوارئ مستشفى مرجعيون التقى بجيرانه يحملون ابنه خضر إلى المكان عينه. نسيت العائلة خضر المصاب ببطنه وبأنحاء عديدة من جسده بعدما فجعت باستشهاد رأفت.
من يومها، تحول خضر إلى إنسان آخر. بقي فترة طويلة عاجزاً عن الذهاب إلى المدرسة التي كان يقصدها مع رأفت. سنتان لم يدخل خلالهما خضر صالون البيت، حيث ثبتت العائلة صورة للشهيد الصغير.
اليوم، بعد أربع سنوات ونصف على استشهاد رأفت، ما زال خضر يرفض مقابلة الصحافيين. يخرج من المنزل بمجرد أن يسمع أحد والديه متحدثا عن شقيقه الصغير. أمّا حرج حلتا، فقد ألغاه خضر عن خارطة البلدة.
لم يكن ينقص خضر سوى انفجار لغم بوالده ليلح مطالباً بمغادرة البلدة.
ففي الخامس عشر من شباط 2008، أي بعد سنة ونصف السنة على انفجار العنقودية بكل من رأفت وخضر، وفيما كان الأخير يساعد والده في سوق القطيع إلى خراج حلتا، انفجر اللغم بعلي شبلي.
تحرك خضر لنجدة والده المصاب، إلا أن الوالد صاح بابنه طالباً منه عدم الاقتراب «بيكفيني ولد واحد، وإذا بدي موت خليني موت وحدي».
خاف علي شبلي ان يكون محاطاً بحقل من الألغام وان ينفجر احدها بولده. حمل إصابته وزحف على يديه وساقه السليمة مسافة 25 متراً إلى أن وصل إلى خضر.
يقول شبلي ان إصابته كانت أسهل عليه مما حصل بعدها، عندما وقعت مشادة كلامية بين ممثلي قوتين سياسيتين متنافستين في المنطقة، وكل منهما يريد»الاستئثار» بتوّلي مسؤولية نقل شبلي إلى المستشفى ومعالجته.
وهو جريح ينزف من قدمه، صرخ علي شبلي بالمحيطين به «يا خيي ما تتركوني موت وانتو عم تتخانقوا». يؤكد شبلي ان قدمه لم تكن تحتاج إلى بتر «لكن المستشفيات الرسمية في المنطقة تستسهل الحلول، وبذلك بتروا ساقي مباشرة».
تقاضى علي شبلي «تعويضاً» من مجلس الجنوب عن الإعاقة التي أصابته «ومن يومها وهيدا حدها مع الدولة».
اليوم، يمشي شبلي على عكازين بالرغم من امتلاكه طرفا اصطناعيا، لكنه بمشط مكسور. يقول انه لا يعرف ممن يمكنه طلب طرف اصطناعي يمكنه من السير بشكل سليم والسعي وراء قطيعه الذي يعتاش منه وعائلته.
يروي شبلي معاناته، ويطالب بأن ندله على تلفزيون ليشفي غليله، ويقول عبر شاشته انه لا يعرف دولته التي تجهل بوجود بلدته على خريطتها ربما. ثم يعود ليقول «لأ، بيعرفوا موقع الضيعة لأنهم منعوني من استكمال بناء بيتي بحجة عدم شمول الرخصة خمسة وعشرين متراً إضافياً، وقاموا بهدمها».
يومها، قال الرجل لبلدية المنطقة انه ابن الشهيد الأول الذي سقط في العرقوب في مواجهة إسرائيل، وإنه والد شهيد، وإنه شخصيا معوق نتيجة إصابته بلغم ارضي. إلا أن هدم البيت ترافق مع الإجابة القاسية التي وردته من المسؤول «أنت قبضت تعويض ابنك، وتعويض إصابتك، وما فيك تبني خلافاً للقانون».
في الثالث من أيلول العام 1969، دخلت فرقة «كوماندوس» إسرائيلية حلتا. استل حسين علي شبلي بندقيته وربض على سطح منزله وقرر مواجهة القوة الغازية.
تمكن الرجل من قتل ثمانية إسرائيليين قبل أن يستشهد. ذلك الرجل المعروف في كل العرقوب بـ»بطل حلتا» هو والد علي شبلي وهو الشهيد الأول للعرقوب، وربما للبنان، «ومتل ما بيي كان أول شهيد، بتمنى انه ابني رأفت يكون آخر شهيد»، يقول علي شبلي وهو يستأذن للخروج بقطيعه بعدما مالت شمس الظهيرة.
ألغام العباسية
من حلتا إلى العباسية على حدود الغجر المحتلة تعبر السيارة بمحاذاة نهر الحاصباني وهو يلتقي بنهر سريد جنوبي سهل الميري قبل أن يلتقيا بنهر الوزاني بعد حوالى سبعمئة متر، ليصب الثلاثة في بحيرة طبريا المحتلة.
في الربيع، يولّد مشهد الأنهر الثلاثة غصة في القلب، إذ يتحد الحاصباني وسريد والوزاني في مجرى واحد غزير قبل مغادرة الأراضي اللبنانية لستفيد الإسرائيليون من مياهها. وعلى ضفتي المجرى، يتحدّث مزارعو سهل الميري عن معاناتهم ويباس حقولهم بعدما تخف مياه المجرى، متسائلين عن السبب الذي يمنع دولتهم من إقامة سد واحد يجمع مياه الأنهر خلال الشتاء ليستفيدوا منها خلال الصيف، قبل أن يضيفوا «أم أن ذلك ليس من مقومات ومتطلبات الصمود».
للوصول إلى الجزء المحرر من العباسية، يسأل جندي لبناني مرابض عند مدخل الطريق المؤدية إلى بلدة الفجر المحتلة، بالقرب من موقع للقوات الإسبانية العاملة في إطار «اليونيفل»، عن سبب زيارة القرية، فيما يستنفر الاسبان لمراقبة المكان.
في تلك الظروف الأمنية الدقيقة، يقصد أهالي العباسية ما حرر من أراضيهم المحاصرة بحقول الألغام. يمسك يوسف شهاب آل شهاب، المعروف بـ»أبو شهاب»، خريطة مفصلة للمنطقة والعباسية في قلبها ليشير إلى نقطة وجوده المسماة «خربة الدوير».
يحتج أبو شهاب على ضم العباسية إلى سهل الميري «نحن ضيعتنا موجودة في الدوائر العقارية تحت اسم «خربة الدوير» وما منقبل إلا تبقى مستقلة».
لكن استقلال البلدة عن «الميري» أو عدمه لا «يقدم أو يؤخر» في مشكلة الألغام الكامنة على طول الخط الفاصل بين الجزء المحرر من العباسية وبين الجزء المحتل منها.
قبل أسبوع من اليوم، وبالتحديد يوم الأحد الماضي، خرج أولاد أبي شهاب ومعهم بعض رفاقهم ليلعبوا بالقرب من مسجد البلدة. لم يقرأ الصغار اللافتة الحمراء التي تحذر من وجود الألغام، فجعلوا يقفزون من ناحية إلى أخرى «والله ستر». يرد أحد مسني البلدة عدم انفجار الألغام إلى «خفة» وزن الصغار، و»يمكن ان الألغام هي ضد الآليات»، يقول.
يقول أبو شهاب ان هناك حوالى خمسمئة دونم ممنوعة على أهالي خربة الدوير ـ العباسية ومزارعيها بسبب الألغام، بالإضافة إلى ألف وخمسئة دونم في المجيدية. حتى أن ألألغام، ومعها ظروف البلدة التي ما زال جزء كبير منها محتلاً، تتسبب بنزوح الأهالي عنها «يعني نحن منعيش ملوك بأرضنا لو دولتنا بتطلع فينا وبتأمن لنا صمودنا»، يقول أبو شهاب، مطالبا بـ»تحرير البلدة من الألغام ومن الاحتلال الإسرائيلي معاً».
النبطية وقراها
في قرى منطقة النبطية، يتقاسم المواطنون الحقول وخراجات القرى مع فرق نزع الألغام والقنابل العنقودية. يعرف الكثيرون منهم أنهم يخاطرون بخروجهم إلى الطبيعة حتى في المناطق التي أعلنت نظيفة. يعزز المخاوف اكتشاف قنابل عنقودية في أمكنة سبق وسلمت إلى أصحابها، و»قنبلة عباس»، كما يسميها أهالي جبشيت، تعد نموذجاً.
عندما غادر عناصر إحدى الفرق المعروفة بنزع الألغام في منطقة النبطية مركزهم في الطابق السفلي من منزل المواطن محمد فحص، فرحت العائلة بإعلان حقلها ومحيط منزلها منطقة نظيفة. صار بالإمكان السماح للأولاد باللعب في المكان، بعدما سجنهم عدوان تموز وما تبعه من عدوان بالعنقودي على ارض الدار وفسحاتها.
تقع «حقلة» الزيتون الصغيرة على زاوية منزل فحص، وإليها كان عباس (مواليد 1998) ينقل التراب. أصرّ عباس على ان يستعير «كراجة»، أي «عربة» الجارة لنقل التراب الذي حمله والده إلى الحقلة لتغطية كعوب شتول الزيتون. ملأ الصغير العربة بالأتربة وحاول صعود المنحدر الذي يؤدي إلى الزيتونات. ومع ثقل الحملة وزنديه الضعيفتين، جاء والده ليساعده في تسهيل الطريق. مدّ والد عباس يده ليسحب الحجر العالق تحت عجلة العربة فسحب قنبلة عنقودية من دون أن ينتبه. رمى محمد فحص القنبلة بعيداً عنه وعن أبنائه، لتنجو العائلة من مجزرة محتمة، في المكان الذي تمركزت فيه إحدى فرق التنظيف.
من يومها، عادت العائلة تمنع أولادها عن الطبيعة الجميلة المحيطة بالمنزل.
«الأعجوبة» التي حصلت في جبشيت لم تنتقل إلى عدشيت.
في حقلة تعتاش منها مع أختيها، كانت الصبية عليا حايك تقطف أوراق الدخان. جمعت ابنة الثلاثين «غمراً» من الأوراق وضمتها في كيس من «النايلون» ووضعتها في صندوق السيارة. ما إن لامس الكيس حديد السيارة حتى دوى انفجار أدى إلى وقوع عليا ارضاً.
في المستشفى حيث أدخلت إلى العناية الفائقة، انتبهت عليا إلى أنها فقدت إصبعاً من يدها فيما تمكّن الفريق الطبي من إنقاذ الاصبع الأخرى بأعجوبة مع إعاقة في حركتها.
كان فقدان الاصبع بعضاً مما أصابها. زرعت القنبلة العنقودية جسدها بالشظايا الخطيرة، وخضعت عليا لسلسلة عمليات جراحية لم تنجح جميعها في سحب كل ما اخترق جسمها، لتعيش اليوم مع شظية بالقرب من القلب وبالتحديد تحت إبطها لناحية القلب.
بعد الانفجار، لم تر عليا حقلها مرة ثانية. قامت الشقيقات الثلاث بتضمين الأرض إلى أجل غير مسمى خوفاً من القنابل العنقودية، مضحيات بما ينتجه لهن من مردود مادي يساعدهن في حياتهن.
يتمثل الأول بانقضاء أربعة أعوام على الموعد الأول الذي كان قد حدد للانتهاء من تنظيف أراضيهم من «العنقودي»، وهو نهاية العام 2007، فيما يتمثّل الثاني بالإعلان عن التــمديد مجــددا لموعد انتهاء علميات القضاء على القنابل العنقودية والألغام، حتى نهاية العام 2015، أي بفارق سبع سنوات بين الموعدين.
وحتى الموعد الجديد لن «يصدق» إلا في حال «استمرار توفر التمويل»، وفق ما يؤكده رئيس المركز اللبناني للإعمال المتعلقة بالألغام، والتابع للجيش اللبناني، العميد محمد فهمي الذي يضيف «وإلا فلا يمكن الإلتزام حتى بهذا التاريخ، لأن التنظيف ونزع الألغام يحتاجان إلى المال».
كما يترافق إحياء الذكرى اليوم مع استئناف موسم زراعة الدخان في الجنوب المنكوب بالملايين من القنابل العنقودية والذخائر غير المنفجرة، منذ عدوان تموز وحتى اليوم.
وإذا كان عدد القرى التي تلوثت بالعنقودي قد لامس المئة وستين قرية مع نهاية العام 2006، فإن بؤراً جديدة قد اكتشفت بعد الإحصاء. كما أن تنظيف 67 في المئة من المناطق الملوثة لا يعني الإعلان النهائي أن هذه القرية أو تلك قد باتت خالية تماما من العنقودي، لكون الأهالي ما زالوا يعثرون على قنابل عنقودية في أماكن أعلنت نظيفة وتم تسليمها على هذا الأساس. بالإضافة إلى ذلك، فإن التنظيف يجري في أكثر من مكان في الوقت نفسه.
وربما لا توجد في الجنوب عائلة واحدة لا تستشهد، وهي تدعم مخاوفها، بما حدث مع المواطن احمد حجازي من عيترون (وغيره في بلدات أخرى)، الذي وما إن غرز «المنطاع» في حقل تبغه لزراعة دخانه، في هذا الوقت من العام الماضي، حتى لامست الآلة التي تحفر لشتلة الدخان، قنبلة عنقودية.
عندها، تجمد أفراد العائلة، الذين كانوا بمعظمهم في الحقل، كل في مكانه. وعندما حضر عناصر الجيش اللبناني وقاموا بمسح الحقل تفاجأوا بالعثور على 12 قنبلة مبعثرة من حول أفرد الأسرة «والله نجاهم من مجزرة»، كما يقولون.
ورغم أن أعمال التنظيف تتركز اليوم في منطقة النبطية ومحيطها، حيث المشكلة ما زالت أكثر حدة عما هي عليه في قضاءي صور وبنت جبيل ومجمل مناطق القطاع الغربي، إلاّ أن صرخة أهالي كفرشوبا وحلتا في العرقوب، ومعهم أهالي الجزء المحرر من بلدة العباسية في القطاع الشرقي، تعلو للمطالبة بإدراج أراضيهم على لائحة «الطوارئ» لتخليصهم من القنابل العنقودية والألغام التي تحصد الشهداء والجرحى والإصابات المستديمة من بينهم، وتحول بينهم وبين أرزاقهم في حقولهم ومراعيهم واستئناف حياتهم العادية.
ويقول رئيس بلدية كفرشوبا قاسم القادري «ان فريقاً من الجيش اللبناني زار المنطقة في شباط الماضي، وسأل عن البؤر الملوثة فيها، ومن ثم غادر ولم يرجع أي منهم»، وبالتالي فإن قنابل كفرشوبا ومحيطها وحلتا وأحراجها ومراعيها وألغام العباسية، ليست مشمولة بـ»وعد» التنظيف مع حلول نهاية 2015 حتى هذه اللحظة.
وتشير الإحصاءات إلى أن عدد ضحايا العنقودي والألغام يتدنى عاماً عن عام بصورة تدريجية بدءاً من 2006، تاريخ العدوان، حيث سقطت في النصف الثاني من ذلك العام وحده، مئتان وتسع ضحايا ،من بينهم 26 شهيداً، من مجمل عدد ضحايا القنابل العنقودية والألغام البالغ أربعمئة وثلاث ضحايا لغاية اليوم، من بينهم 49 شهيداً. في المقابل، تقتصر إصابات العام الحالي على جرح شخص واحد من عربصاليم.
ولا يمكن حصر أضرار ومآسي القنابل العنقودية والألغام بمن يسقط
من الشهداء، إذ تحوِّل الإصابات غالبية الجرحى إلى معوقين، بما يعنيه ذلك من تعطّل لحياتهم في ظل تقصير برامج الدعم الاجتماعي الرسمية. وبرغم جهود العديد من الجمعيات ألأهلية والمؤسسات الدولية في تنفيذ برامج لدعم معوقي العنقودي والألغام، إلا أن شكاوى كثيرة تنطلق مشيرة إلى بعض المحسوبيات في كثير من الأحيان. كما تقتصر الجهود في بعض المرات على تأمين أطراف اصطناعية (بنوعيات سيئة أحيانا).
وفي ظل الحديث عن وصول خسائر القطاع الزراعي في الجنوب إلى أربعمئة مليون دولار أميركي، لم يجد الأهالي من يعوض عليهم «فلساً واحداً»، أو من يؤمن بدائل عن تلوث حقولهم التي ما زال ثلثها تقريباً ممنوعاً عنهم.
أما الضربة التي أصابت قطاع الماشية نتيجة منع الرعاة عن مساحات واسعة من الأحراج وخراجات القرى، فلم تكلف أي جهة نفسها عناء تقديرها، فما بالك التعويض عليها.
ويبدو ان حوالى 370 ألف لغم منتشرة على طول الخط الأزرق ما زالت خارج البحث، بقرار سياسي، بما تضمه من حقول وأراض زراعية يعجز الأهالي عن استثمارها في الزراعة والرعي. في ما يلي محاولة لنقل بعض التفاصيل من حياة أهالي الجنوب المحاصرين بالقنابل العنقودية والألغام من جهة، وبإهمال دولتهم من جهة ثانية.
تفاصيل صغيرة من معاناة كبيرة
تفصل مئات الأمتار فقط أطراف خلة التسخيا في خراج بلدة حلتا الجنوبية عن تلال كفرشوبا، وعن موقعي السماقة ورويسة العلم فيها، وهما متصلين بمزارع شبعا المحتلة. هناك فقد علي حسين شبلي ساقه اليمنى بعد انفجار لغم إسرائيلي على الطريق التي اعتاد سلوكها يومياً خلال خروجه بقطيعه من الماشية إلى الأحراج القريبة.
لأهالي الجنوب اللبناني، كل الجنوب، قصص لا تحصى مع القنابل العنقودية والألغام، ولحلتا، المتروكة في أقصى القطاع الشرقي من الجنوب، قصتها الخاصة التي تتشاركها مع كفرشوبا والمحيط.
صحيح ان الجنوب كله، من غربه إلى شرقه، قد نال حصته من القنابل العنقودية إثر عدوان تموز 2006 ، التي جاءت لتضاف إلى حقول الألغام التي تمنع المزارعين عن أراضيهم وعن خراجات القرى وأحراجها، لكن وحدهما حلتا وكفرشوبا لا تملكان تاريخا زمنيا يحدد موعداً واضحاً لتنظيف أراضيهما الملوثة.
لا بل ان المنطقة، التي تتوزع أراضيها على ثلث محتل عبر تلال كفرشوبا، وثلث ملوث بالقنابل العنقودية، وثلث فقط متاح للأهالي، وفق رئيس بلدية كفرشوبا قاسم القادري، لم تعرف أي فرق عاملة على نزع الألغام وتنظيف القنابل العنقودية حتى اليوم.
والطريق الضيقة المزروعة حفرا التي تؤدي إلى حلتا تؤكد أن أياً من المسؤولين لم يصلها ليعطي أهلها دروساً عن أهمية « الصمود والتصدي» في القرى الحدودية، ولا عن ضرورة التشبث بالأرض في مقابل الإنتهاكات الإسرائيلية المتتابعة منذ نكبة فلسطين وحتى اليوم.
فقد تعاون لبنان الرسمي من جهة، والإسرائيليون من جهة، على إفراغ المنطقة من أبنائها، وعلى القضاء على المصدر الرئيسي لمعيشتهم بعدما انخفض عدد قطعان الماشية من عشرين ألف رأس غنم وبقر وماعز إلى حوالى خمسة آلاف «والحبل على الجرار» كما يقول القادري.
ابن الشهيد الأول ووالد شهيد
اليوم، في اليوم العالمي للألغام والقنابل العنقودية، سيمشي علي شبلي وراء قطيعه في حلتا مستنداً إلى عكازين. يقع الرجل الخمسيني تارة، ويتعثّر تارة أخرى بين الصخور والحجارة، إذا خذله الطرف الاصطناعي المكسور الذي يسند إليه ساقه المبتورة.
وفي عثرته، سيتذكّر أن يتساءل عن كل ذلك «الفيض» من الجمعيات الأهلية والمنظمات الدولية والمؤسسات الرسمية اللبنانية التي تدّعي الوقوف إلى جانب ضحايا الألغام والقنابل العنقودية، وعن مصير التمويل والهبات التي تلقاها.
روي علي شبلي عن يوم الثاني والعشرين من تشرين الأول من العام 2006، وهو يوم مشؤوم آخر عاشه مع أفراد أسرته، حين وقعت قنبلة عنقودية من شجرة صنوبر في حرج حلتا وانفجرت في رأس رأفت (12 عاماً) صغير العائلة فأردته على الفور، وأصابت شقيقه خضر (14 عاماً) بشظايا في أنحاء مختلفة من جسده.
كان علي شبلي قد ساق قطيعه إلى قيلولة الظهيرة عندما طلب من ابنته تحضير الطعام ليتناوله مع خضر ورأفت. سمع الرجل دوياً قوياً ناحية حرج الصنوبر في حلتا فصرخ بأعلى صوته ينادي على خضر. جاء صوت خضر مرتجفاً ليقول «رأفت مات».
يعرف علي شبلي انه وقع أرضا ولا يذكر سوى «منظر» شقيقه وهو يحمل رأفت بين ذراعيه ليقول له «العواضه بسلامتك يا خيي». وضع الرجل «صغير البيت ومدلله» في سيارة، وأسرع به نحو مستشفى مرجعيون. لم يرد ان يصدق انه مات، أراد للمستشفى ان يؤكد ذلك، لطبيب أن يقول له انه لا يمكنه ان يفعل شيئاً.
يقول علي شبلي انه في اللحظة التي خرج مكسور الخاطر من طوارئ مستشفى مرجعيون التقى بجيرانه يحملون ابنه خضر إلى المكان عينه. نسيت العائلة خضر المصاب ببطنه وبأنحاء عديدة من جسده بعدما فجعت باستشهاد رأفت.
من يومها، تحول خضر إلى إنسان آخر. بقي فترة طويلة عاجزاً عن الذهاب إلى المدرسة التي كان يقصدها مع رأفت. سنتان لم يدخل خلالهما خضر صالون البيت، حيث ثبتت العائلة صورة للشهيد الصغير.
اليوم، بعد أربع سنوات ونصف على استشهاد رأفت، ما زال خضر يرفض مقابلة الصحافيين. يخرج من المنزل بمجرد أن يسمع أحد والديه متحدثا عن شقيقه الصغير. أمّا حرج حلتا، فقد ألغاه خضر عن خارطة البلدة.
لم يكن ينقص خضر سوى انفجار لغم بوالده ليلح مطالباً بمغادرة البلدة.
ففي الخامس عشر من شباط 2008، أي بعد سنة ونصف السنة على انفجار العنقودية بكل من رأفت وخضر، وفيما كان الأخير يساعد والده في سوق القطيع إلى خراج حلتا، انفجر اللغم بعلي شبلي.
تحرك خضر لنجدة والده المصاب، إلا أن الوالد صاح بابنه طالباً منه عدم الاقتراب «بيكفيني ولد واحد، وإذا بدي موت خليني موت وحدي».
خاف علي شبلي ان يكون محاطاً بحقل من الألغام وان ينفجر احدها بولده. حمل إصابته وزحف على يديه وساقه السليمة مسافة 25 متراً إلى أن وصل إلى خضر.
يقول شبلي ان إصابته كانت أسهل عليه مما حصل بعدها، عندما وقعت مشادة كلامية بين ممثلي قوتين سياسيتين متنافستين في المنطقة، وكل منهما يريد»الاستئثار» بتوّلي مسؤولية نقل شبلي إلى المستشفى ومعالجته.
وهو جريح ينزف من قدمه، صرخ علي شبلي بالمحيطين به «يا خيي ما تتركوني موت وانتو عم تتخانقوا». يؤكد شبلي ان قدمه لم تكن تحتاج إلى بتر «لكن المستشفيات الرسمية في المنطقة تستسهل الحلول، وبذلك بتروا ساقي مباشرة».
تقاضى علي شبلي «تعويضاً» من مجلس الجنوب عن الإعاقة التي أصابته «ومن يومها وهيدا حدها مع الدولة».
اليوم، يمشي شبلي على عكازين بالرغم من امتلاكه طرفا اصطناعيا، لكنه بمشط مكسور. يقول انه لا يعرف ممن يمكنه طلب طرف اصطناعي يمكنه من السير بشكل سليم والسعي وراء قطيعه الذي يعتاش منه وعائلته.
يروي شبلي معاناته، ويطالب بأن ندله على تلفزيون ليشفي غليله، ويقول عبر شاشته انه لا يعرف دولته التي تجهل بوجود بلدته على خريطتها ربما. ثم يعود ليقول «لأ، بيعرفوا موقع الضيعة لأنهم منعوني من استكمال بناء بيتي بحجة عدم شمول الرخصة خمسة وعشرين متراً إضافياً، وقاموا بهدمها».
يومها، قال الرجل لبلدية المنطقة انه ابن الشهيد الأول الذي سقط في العرقوب في مواجهة إسرائيل، وإنه والد شهيد، وإنه شخصيا معوق نتيجة إصابته بلغم ارضي. إلا أن هدم البيت ترافق مع الإجابة القاسية التي وردته من المسؤول «أنت قبضت تعويض ابنك، وتعويض إصابتك، وما فيك تبني خلافاً للقانون».
في الثالث من أيلول العام 1969، دخلت فرقة «كوماندوس» إسرائيلية حلتا. استل حسين علي شبلي بندقيته وربض على سطح منزله وقرر مواجهة القوة الغازية.
تمكن الرجل من قتل ثمانية إسرائيليين قبل أن يستشهد. ذلك الرجل المعروف في كل العرقوب بـ»بطل حلتا» هو والد علي شبلي وهو الشهيد الأول للعرقوب، وربما للبنان، «ومتل ما بيي كان أول شهيد، بتمنى انه ابني رأفت يكون آخر شهيد»، يقول علي شبلي وهو يستأذن للخروج بقطيعه بعدما مالت شمس الظهيرة.
ألغام العباسية
من حلتا إلى العباسية على حدود الغجر المحتلة تعبر السيارة بمحاذاة نهر الحاصباني وهو يلتقي بنهر سريد جنوبي سهل الميري قبل أن يلتقيا بنهر الوزاني بعد حوالى سبعمئة متر، ليصب الثلاثة في بحيرة طبريا المحتلة.
في الربيع، يولّد مشهد الأنهر الثلاثة غصة في القلب، إذ يتحد الحاصباني وسريد والوزاني في مجرى واحد غزير قبل مغادرة الأراضي اللبنانية لستفيد الإسرائيليون من مياهها. وعلى ضفتي المجرى، يتحدّث مزارعو سهل الميري عن معاناتهم ويباس حقولهم بعدما تخف مياه المجرى، متسائلين عن السبب الذي يمنع دولتهم من إقامة سد واحد يجمع مياه الأنهر خلال الشتاء ليستفيدوا منها خلال الصيف، قبل أن يضيفوا «أم أن ذلك ليس من مقومات ومتطلبات الصمود».
للوصول إلى الجزء المحرر من العباسية، يسأل جندي لبناني مرابض عند مدخل الطريق المؤدية إلى بلدة الفجر المحتلة، بالقرب من موقع للقوات الإسبانية العاملة في إطار «اليونيفل»، عن سبب زيارة القرية، فيما يستنفر الاسبان لمراقبة المكان.
في تلك الظروف الأمنية الدقيقة، يقصد أهالي العباسية ما حرر من أراضيهم المحاصرة بحقول الألغام. يمسك يوسف شهاب آل شهاب، المعروف بـ»أبو شهاب»، خريطة مفصلة للمنطقة والعباسية في قلبها ليشير إلى نقطة وجوده المسماة «خربة الدوير».
يحتج أبو شهاب على ضم العباسية إلى سهل الميري «نحن ضيعتنا موجودة في الدوائر العقارية تحت اسم «خربة الدوير» وما منقبل إلا تبقى مستقلة».
لكن استقلال البلدة عن «الميري» أو عدمه لا «يقدم أو يؤخر» في مشكلة الألغام الكامنة على طول الخط الفاصل بين الجزء المحرر من العباسية وبين الجزء المحتل منها.
قبل أسبوع من اليوم، وبالتحديد يوم الأحد الماضي، خرج أولاد أبي شهاب ومعهم بعض رفاقهم ليلعبوا بالقرب من مسجد البلدة. لم يقرأ الصغار اللافتة الحمراء التي تحذر من وجود الألغام، فجعلوا يقفزون من ناحية إلى أخرى «والله ستر». يرد أحد مسني البلدة عدم انفجار الألغام إلى «خفة» وزن الصغار، و»يمكن ان الألغام هي ضد الآليات»، يقول.
يقول أبو شهاب ان هناك حوالى خمسمئة دونم ممنوعة على أهالي خربة الدوير ـ العباسية ومزارعيها بسبب الألغام، بالإضافة إلى ألف وخمسئة دونم في المجيدية. حتى أن ألألغام، ومعها ظروف البلدة التي ما زال جزء كبير منها محتلاً، تتسبب بنزوح الأهالي عنها «يعني نحن منعيش ملوك بأرضنا لو دولتنا بتطلع فينا وبتأمن لنا صمودنا»، يقول أبو شهاب، مطالبا بـ»تحرير البلدة من الألغام ومن الاحتلال الإسرائيلي معاً».
النبطية وقراها
في قرى منطقة النبطية، يتقاسم المواطنون الحقول وخراجات القرى مع فرق نزع الألغام والقنابل العنقودية. يعرف الكثيرون منهم أنهم يخاطرون بخروجهم إلى الطبيعة حتى في المناطق التي أعلنت نظيفة. يعزز المخاوف اكتشاف قنابل عنقودية في أمكنة سبق وسلمت إلى أصحابها، و»قنبلة عباس»، كما يسميها أهالي جبشيت، تعد نموذجاً.
عندما غادر عناصر إحدى الفرق المعروفة بنزع الألغام في منطقة النبطية مركزهم في الطابق السفلي من منزل المواطن محمد فحص، فرحت العائلة بإعلان حقلها ومحيط منزلها منطقة نظيفة. صار بالإمكان السماح للأولاد باللعب في المكان، بعدما سجنهم عدوان تموز وما تبعه من عدوان بالعنقودي على ارض الدار وفسحاتها.
تقع «حقلة» الزيتون الصغيرة على زاوية منزل فحص، وإليها كان عباس (مواليد 1998) ينقل التراب. أصرّ عباس على ان يستعير «كراجة»، أي «عربة» الجارة لنقل التراب الذي حمله والده إلى الحقلة لتغطية كعوب شتول الزيتون. ملأ الصغير العربة بالأتربة وحاول صعود المنحدر الذي يؤدي إلى الزيتونات. ومع ثقل الحملة وزنديه الضعيفتين، جاء والده ليساعده في تسهيل الطريق. مدّ والد عباس يده ليسحب الحجر العالق تحت عجلة العربة فسحب قنبلة عنقودية من دون أن ينتبه. رمى محمد فحص القنبلة بعيداً عنه وعن أبنائه، لتنجو العائلة من مجزرة محتمة، في المكان الذي تمركزت فيه إحدى فرق التنظيف.
من يومها، عادت العائلة تمنع أولادها عن الطبيعة الجميلة المحيطة بالمنزل.
«الأعجوبة» التي حصلت في جبشيت لم تنتقل إلى عدشيت.
في حقلة تعتاش منها مع أختيها، كانت الصبية عليا حايك تقطف أوراق الدخان. جمعت ابنة الثلاثين «غمراً» من الأوراق وضمتها في كيس من «النايلون» ووضعتها في صندوق السيارة. ما إن لامس الكيس حديد السيارة حتى دوى انفجار أدى إلى وقوع عليا ارضاً.
في المستشفى حيث أدخلت إلى العناية الفائقة، انتبهت عليا إلى أنها فقدت إصبعاً من يدها فيما تمكّن الفريق الطبي من إنقاذ الاصبع الأخرى بأعجوبة مع إعاقة في حركتها.
كان فقدان الاصبع بعضاً مما أصابها. زرعت القنبلة العنقودية جسدها بالشظايا الخطيرة، وخضعت عليا لسلسلة عمليات جراحية لم تنجح جميعها في سحب كل ما اخترق جسمها، لتعيش اليوم مع شظية بالقرب من القلب وبالتحديد تحت إبطها لناحية القلب.
بعد الانفجار، لم تر عليا حقلها مرة ثانية. قامت الشقيقات الثلاث بتضمين الأرض إلى أجل غير مسمى خوفاً من القنابل العنقودية، مضحيات بما ينتجه لهن من مردود مادي يساعدهن في حياتهن.