في 16 نيسان من العام الماضي، كان سمير جعجع يجلس أمام الكاميرات، محاطاً بكوادره الحزبية، مثبتاً بالفعل أن قوله لن يبقى أسير الفضاء، وأنه قادر على نقل الميليشيا إلى الحاضنة السلمية، ليعلن وضع مسودة النظام الداخلي للحزب، القابلة للتعديل ولو نظرياً، بفعل تأثير القاعدة التي يفترض أنها شريكة في صناعة «الحزب الجنين».
أكثر من 1800 ملاحظة سجّلتها الوحدات التنظيمية على الورق، عادت أدراجها إلى طاولة اللجنة لتعيد صياغة المقترحات وتعريبها، قبل رفعها إلى الهيئة التنفيذية. حزمة كبيرة منها تناولت البنود المتصلة باللجان المحلية، صلاحياتها، آلية تسميتها انتخاباً أو تعييناً، كما وردت ملاحظات لغوية لكن الاقتراحات «لم تمسّ جوهر الوثيقة، بل تركزت حول بعض المفاصل، والشكليات» حسب أحد أعضاء اللجنة.
بعد دمج الملاحظات وترتيبها، درست الهيئة التنفيذية المقترحات التي ستوزع على أعضاء الهيئة العامة البالغ عددها نحو 120 شخصاً، الذين يفترض أن يلتقوا مع الهيئة الأولى خلال الخلوة التنظيمية المزمع عقدها في 15 و16 نيسان الجاري، لمناقشة المسودة النهائية للنظام الداخلي، بعد أن يتقدم كل شخص مدعو، بطلب يحدد فيه المواد التي يريد مناقشتها أو الاعتراض عليها، وذلك من باب تبويب النقاش وترشيده خلال الخلوة، ومنعاً لتفلّته، لا سيما أنّ النظام الداخلي يقوم على أساس 309 بنود مكتوبة.
مع ولادة الصيغة النهائية للنظام الداخلي، ستتقدّم كلّ الهيئات التنظيمية باستقالاتها، من جعجع وصولاً إلى أصغر وحدة حزبية، تمهيداً لمرحلة الانتخابات التي يفترض أنها ستحصل في نهاية العام الحالي، أو أوائل العام المقبل على أبعد تقدير.
يفاخر «القواتيون» بأنهم سيخوضون التجربة الأولى من نوعها بين أقرانهم اللبنانيين، في اختيار الشريحة الأكبر من هيئاتهم الحزبية، من أعلى الرأس حتى أخمص القدمين، بواسطة «الورقة الاقتراعية».
يعترف هؤلاء بأن حزبهم العتيد سيكون «رئاسياً»، «يمزج بين «قبضة» الصلاحيات الممنوحة للرئيس (القائد سابقا)، وبين «قيود» الانتخاب المباشر من القاعدة القادرة على محاصرته، مدعمّة بسلطة المؤتمر العام الذي يضع عملياً سياسة الحزب ورؤيته المستقبلية التي لا يمكن للرئيس أن يحيد عنها مهما بلغت قوة هيبته أو سطوته، كما القوانين الضابطة للوضع».
وخلافاً لنظرية القائلين إن التفلّت من قيود التنظيم يحرر التيار الحزبي من أثقال الالتزام، فإن «القواتيين» يعبّرون عن تعلّقهم بالتنظيم في أي وحدة اجتماعية، ذلك لأنّ «التفلّت لا يؤمّن الفاعلية، ما يستدعي الحاجة الضرورية لنواة صلبة قادرة على الاستقطاب». ويستعرضون نموذج الحزب الاشتراكي الفرنسي الذي يضم نحو 200 ألف محازب، يشكلون النواة الحزبية التي تسمح له بالوصول إلى السلطة.
«القوات» التي ولدت من رحم «الجبهة اللبنانية» بغية توحيد السلاح دفاعاً عن «المجتمع المسيحي» و«أمنه الذاتي» في مواجهة «الغريب» الفلسطيني والسوري والعربي والشيوعي (اليسار الدولي)، هي اليوم، بحسب وثائقها النظرية «حزب لكل اللبنانيين»، كما يقول القيّمون عليها. «هدفها بناء الدولة، وخطابها موجه إلى كلّ المواطنين، وليس الى المسيحيين دون غيرهم». فخطاب جعجع يتمتع برأيهم «بالقدرة على استقطاب كلّ الشرائح المذهبية، من الدروز إلى السنة، فالمسيحيين والشيعة، وهذا ما تبرهنه بقعة انتشار التنظيم، وتفاعل الجمهور اليومي».
الاحتكام إلى الانتخابات لا يخيف معراب، لأنّ أهلها «يثقون بخيارات القاعدة الحزبية كونها تتتلمذ على يد الجامعة السياسية التي تهتم بالنشأة الفكرية لهؤلاء».
ولكن هذه «البنية التنظيمية» التي تقترب من «الكمال»، ينسفها بلحظة خصوم معراب ممن عرفوا سابقاً التجربة «القواتية»، بسؤال بسيط: كيف يمكن لنظام يدّعي الديموقراطية وهو لا يسمح بالحدّ الأدنى من شروط الديموقراطية، وأولها مبدأ تداول السلطة؟ وبتقديرهم ما يقوم به جعجع هو حياكة حزب على قياسه، وقياس «وريثته» من بعده، ستريدا.
في «جعبة» هؤلاء الكثير من الملاحظات، التي يبدو برأيهم أنها لم تجد لها مكاناً على طاولة اللجنة المختصة، إمّا لأن المسودة لم تمر على مشرحة «الانتليجينسيا» كما كان مرسوماً لها، وإما لأنها غيّبت عن سابق إصرار وترصّد، لإضرارها بمصالح القابضين على القرار القواتي. يختصرون الثماني والثلاثين صفحة التي حملت النظام الداخلي بالقول، إنها «عتاد» معراب لتسيير الحزب وفق مصالح «الحكيم»، ولو حملت «لافتة» الديموقراطية، لكنها قادرة على التحكّم بمفاصل الحزب عبر «ريموت كونترول» الأنظمة المرعية الإجراء... ومن تلك الثغرات:
- ان عدم حصر عدد ولايات رئيس الحزب، عملاً بالمادة 102 التي حددت «ولاية الرئيس بأربع سنوات فيما يحق له الترشح لأكثر من ولاية متتالية»، هو قبضة «حديدية» في يد الأخير، الذي يستطيع التأثير على القاعدة ما دام في السلطة، كي تأتي نتائج تصويتها لصالحه. ولهذا السبب فإن الأنظمة الرئاسية في العالم (الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا)، حددت عدد الولايات المتعاقبة باثنتين لا أكثر.
وفي «جدول» صلاحيات الرئيس التي تساهم في صناعة «هيبته»، وأتت على ذكرها المادة 99، «الحق في إحالة أي من الحزبيين مباشرة أمام مجلس الشرف للنظر بمخالفات ينسبها إليه. الحق في إنهاء ولاية أي من منسقي المناطق أو مساعديهم، منسقي القطاعات أو مساعديهم، رؤساء المصالح والأجهزة أو نوابهم ومفوض المال، قبل انقضاء مدة ولايتهم بقرار معلل».
وهنا تمنح المادة 106 الهيئة التنفيذية هامشاً بسيطاً من الحركة، مقيّداً بشرط تعجيزيّ، إذ تقول إنه «يعود لثلاثة أرباع أعضاء هذه الهيئة الاقتراح على رئيس الحزب إعادة النظر بقراره المتعلق بإنهاء ولاية أي ممن ذكر في هذا البند»، علماً بأنه «يحق للرئيس لمرة واحدة خلال ولايته، وبموجب قرار معلل، حلّ الهيئة التنفيذية والدعوة لانتخابات مبكرة».
كما يحق لرئيس الحزب وفق المادة 128، «ولأسباب يعتبرها مبدئية ومهمة ودقيقة، أن يؤجّل تنفيذ أي قرار تتخذه الهيئة التنفيذية وأن يحيله إلى المؤتمر العام الذي ينعقد استثنائياً لهذه الغاية».
- ان احتفاط القيادة بسلطة تعيين الهيئات الوسطية (منسقو المناطق على سبيل المثال)، هو ضرب لمفهوم الديموقراطية، ذلك لأن هذه الوحدات هي التي تمسك عملياً بالقاعدة الحزبية وتسيّر شؤونها، لأنها متحكّمة بخيارات الهيئات الأصغر منها، والتي تنتخب انتخاباً (المراكز)، حيث تنص المادة 57 على أن الهيئة التنفيذية تعيّن منسق المنطقة ومساعده بالتصويت بناء على اقتراح رئيس الحزب.
- إن الاحتكام إلى الصندوقة الاقتراعية لتسمية رئيس المركز ونائبه وفقاً للمادة 27 (أصغر وحدة تنظيمية وهي على مستوى القرية)، هو من باب التخلّص من الخلافات المحلية التي قد تنشأ بين الحزبيين في كلّ بلدة، ولذلك نأت القيادة بنفسها عن هذا المستنقع تاركة للمحازبين مهمة «تقليع شوك خلافاتهم وحساسياتهم المحلية بأظافرهم».
- ان مبدأ الولايات المفتوحة يسري على رئيس المركز ونائبه، وفقاً للمادة 36، الناسف لمبدأ تداول السلطة.
- أما بالنسبة للمؤتمر العام الذي يعتبر «المرجعية العليا في الحزب» بحسب المادة 80، فإن مهامه التي تحددها المادة 82 تفتقد سلطة إقالة رئيس الحزب، في حين أن «المناقشة والبتّ بأي تعديل لأنظمة الحزب كافة تتطلب اقتراحا خطيا موقعا يرد من ثلث أعضائه»، ما يعني عملياً استحالة هذه الفرضية إذا لم تكن المبادرة بتوجيه من القيادة، إذ لا يمكن لأي فريق ثانٍ سيحاول تقديم أي اقتراح خلافاً لرغبة القيادة، أن يجمع هذا الثلث. فكيف يمكن ممارسة مبدأ المحاسبة؟
وفي شؤون المؤتمر أيضاً، تنص المادة 90 على أن «المؤتمر يلتئم بحضور الأغلبية المطلقة من أعضائه، وفي حال عدم توافر هذه الأغلبية يعتبر النصاب متوافراً بمن حضر بعد انقضاء ساعتين على الموعد المحدد في الدعوة»، ما يعني أنّ أي محاولة للضغط على القيادة من خلال فرط عقد المؤتمر العام، ستبوء بالفشل لأن القيادة قادرة على محاصرة هذا المشروع بعد ساعتين فقط من بدء سريان مهلة اكتمال النصاب القانوني.
تعدٍ ثانٍ على أصول الديموقراطية، تتضمنه المادة 95 المتصلة بالتصويت في المؤتمر، التي تنص على أنه «يتم التصويت بصورة سرية أو برفع الأيدي إذا ما ارتأى رئيس المؤتمر ذلك، أي رئيس الحزب»، الأمر الذي قد يسبب إحراجاً لأعضاء المؤتمر إذا ما كان التصويت علنياً.
في اعتقاد هؤلاء، أنه مهما بلع رقيّ النظام الديموقراطي، فإن الحاجة إلى الثقافة الديموقراطية لدى القاعدة ورأسها، هي ضرورية، لا سيما أن الأفكار الموجّهة لم تعد تلائم عصر سقوط الأنظمة على أيدي «الفايسبوكيين». كما يتبيّن لهم أن جعجع يحاول «تدجين» تياره على طريقة الأحزاب الكلاسيكية التي تعاني من ضمور وتراجع في حضورها الجماهيري، في حين تدلّ التجارب الغربية على أن الالتزام صار حول الفكرة، من دون الفكر.
في تصورهم، أن ما قد كتبته معراب، قد كتب. أما «الدورة» التي دارتها مسودة النظام الداخلي، فهي شكلية، في حين ان الخلوة المنتظرة، هي من أجل الصورة، من دون الصوت، لأن من يُعتبرون من أصحاب الأصوات القوية قد غادروا... من فادي الشاماتي، ألفرد ماضي، ريشار جريصاتي، فيفيان داغر، انطوان نجم وغيرهم ممن يقولون لا.
يقول قيادي قواتي عتيق وخارج التنظيم الحالي، ان المشكلة ليست في التنظيم والنظام الداخلي، بل في جاذبية المشروع. ونحن على قناعة، بأنه ما دام هناك ميشال عون فلن تكون «القوات» إلا كما هي ولكن «الحكيم» يبني للمستقبل مراهنا في السياسة على مرحلة ما بعد عون، سواء بعد سنة أو سنتين أو عشر سنوات، وهو لطالما صارح حلقة ضيقة، أن ميشال عون هو أهم مداميك بناء المشروع «القواتي»، سواء بالشعارات التي يتبناها متحديا البيئة المسيحية التاريخية أو عبر إنشاء حزب لن يجد من بعده إلا أن يتوزع على مجموعة «حواضن» مسيحية، أكثرها جهوزية وتلبية للحساسيات المسيحية هي بيئة «القوات».
النقطة الثانية، التي يثيرها القيادي نفسه، أن تسمية «القوات» بمعزل عما تختزنه على صعيد «تاريخ الشهداء المقاومين في سبيل المجتمع المسيحي، لكنها في الأصل بنيت على أساس أنها تنظيم ميليشياوي ولن تستطيع أن تغادر هذا الثوب الملطخ بندوب الحرب، إلا بارتداء ثوب جديد عبر مغادرة التسمية التقليدية («القوات») وهو أمر من سابع المستحيلات».
أكثر من 1800 ملاحظة سجّلتها الوحدات التنظيمية على الورق، عادت أدراجها إلى طاولة اللجنة لتعيد صياغة المقترحات وتعريبها، قبل رفعها إلى الهيئة التنفيذية. حزمة كبيرة منها تناولت البنود المتصلة باللجان المحلية، صلاحياتها، آلية تسميتها انتخاباً أو تعييناً، كما وردت ملاحظات لغوية لكن الاقتراحات «لم تمسّ جوهر الوثيقة، بل تركزت حول بعض المفاصل، والشكليات» حسب أحد أعضاء اللجنة.
بعد دمج الملاحظات وترتيبها، درست الهيئة التنفيذية المقترحات التي ستوزع على أعضاء الهيئة العامة البالغ عددها نحو 120 شخصاً، الذين يفترض أن يلتقوا مع الهيئة الأولى خلال الخلوة التنظيمية المزمع عقدها في 15 و16 نيسان الجاري، لمناقشة المسودة النهائية للنظام الداخلي، بعد أن يتقدم كل شخص مدعو، بطلب يحدد فيه المواد التي يريد مناقشتها أو الاعتراض عليها، وذلك من باب تبويب النقاش وترشيده خلال الخلوة، ومنعاً لتفلّته، لا سيما أنّ النظام الداخلي يقوم على أساس 309 بنود مكتوبة.
مع ولادة الصيغة النهائية للنظام الداخلي، ستتقدّم كلّ الهيئات التنظيمية باستقالاتها، من جعجع وصولاً إلى أصغر وحدة حزبية، تمهيداً لمرحلة الانتخابات التي يفترض أنها ستحصل في نهاية العام الحالي، أو أوائل العام المقبل على أبعد تقدير.
يفاخر «القواتيون» بأنهم سيخوضون التجربة الأولى من نوعها بين أقرانهم اللبنانيين، في اختيار الشريحة الأكبر من هيئاتهم الحزبية، من أعلى الرأس حتى أخمص القدمين، بواسطة «الورقة الاقتراعية».
يعترف هؤلاء بأن حزبهم العتيد سيكون «رئاسياً»، «يمزج بين «قبضة» الصلاحيات الممنوحة للرئيس (القائد سابقا)، وبين «قيود» الانتخاب المباشر من القاعدة القادرة على محاصرته، مدعمّة بسلطة المؤتمر العام الذي يضع عملياً سياسة الحزب ورؤيته المستقبلية التي لا يمكن للرئيس أن يحيد عنها مهما بلغت قوة هيبته أو سطوته، كما القوانين الضابطة للوضع».
وخلافاً لنظرية القائلين إن التفلّت من قيود التنظيم يحرر التيار الحزبي من أثقال الالتزام، فإن «القواتيين» يعبّرون عن تعلّقهم بالتنظيم في أي وحدة اجتماعية، ذلك لأنّ «التفلّت لا يؤمّن الفاعلية، ما يستدعي الحاجة الضرورية لنواة صلبة قادرة على الاستقطاب». ويستعرضون نموذج الحزب الاشتراكي الفرنسي الذي يضم نحو 200 ألف محازب، يشكلون النواة الحزبية التي تسمح له بالوصول إلى السلطة.
«القوات» التي ولدت من رحم «الجبهة اللبنانية» بغية توحيد السلاح دفاعاً عن «المجتمع المسيحي» و«أمنه الذاتي» في مواجهة «الغريب» الفلسطيني والسوري والعربي والشيوعي (اليسار الدولي)، هي اليوم، بحسب وثائقها النظرية «حزب لكل اللبنانيين»، كما يقول القيّمون عليها. «هدفها بناء الدولة، وخطابها موجه إلى كلّ المواطنين، وليس الى المسيحيين دون غيرهم». فخطاب جعجع يتمتع برأيهم «بالقدرة على استقطاب كلّ الشرائح المذهبية، من الدروز إلى السنة، فالمسيحيين والشيعة، وهذا ما تبرهنه بقعة انتشار التنظيم، وتفاعل الجمهور اليومي».
الاحتكام إلى الانتخابات لا يخيف معراب، لأنّ أهلها «يثقون بخيارات القاعدة الحزبية كونها تتتلمذ على يد الجامعة السياسية التي تهتم بالنشأة الفكرية لهؤلاء».
ولكن هذه «البنية التنظيمية» التي تقترب من «الكمال»، ينسفها بلحظة خصوم معراب ممن عرفوا سابقاً التجربة «القواتية»، بسؤال بسيط: كيف يمكن لنظام يدّعي الديموقراطية وهو لا يسمح بالحدّ الأدنى من شروط الديموقراطية، وأولها مبدأ تداول السلطة؟ وبتقديرهم ما يقوم به جعجع هو حياكة حزب على قياسه، وقياس «وريثته» من بعده، ستريدا.
في «جعبة» هؤلاء الكثير من الملاحظات، التي يبدو برأيهم أنها لم تجد لها مكاناً على طاولة اللجنة المختصة، إمّا لأن المسودة لم تمر على مشرحة «الانتليجينسيا» كما كان مرسوماً لها، وإما لأنها غيّبت عن سابق إصرار وترصّد، لإضرارها بمصالح القابضين على القرار القواتي. يختصرون الثماني والثلاثين صفحة التي حملت النظام الداخلي بالقول، إنها «عتاد» معراب لتسيير الحزب وفق مصالح «الحكيم»، ولو حملت «لافتة» الديموقراطية، لكنها قادرة على التحكّم بمفاصل الحزب عبر «ريموت كونترول» الأنظمة المرعية الإجراء... ومن تلك الثغرات:
- ان عدم حصر عدد ولايات رئيس الحزب، عملاً بالمادة 102 التي حددت «ولاية الرئيس بأربع سنوات فيما يحق له الترشح لأكثر من ولاية متتالية»، هو قبضة «حديدية» في يد الأخير، الذي يستطيع التأثير على القاعدة ما دام في السلطة، كي تأتي نتائج تصويتها لصالحه. ولهذا السبب فإن الأنظمة الرئاسية في العالم (الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا)، حددت عدد الولايات المتعاقبة باثنتين لا أكثر.
وفي «جدول» صلاحيات الرئيس التي تساهم في صناعة «هيبته»، وأتت على ذكرها المادة 99، «الحق في إحالة أي من الحزبيين مباشرة أمام مجلس الشرف للنظر بمخالفات ينسبها إليه. الحق في إنهاء ولاية أي من منسقي المناطق أو مساعديهم، منسقي القطاعات أو مساعديهم، رؤساء المصالح والأجهزة أو نوابهم ومفوض المال، قبل انقضاء مدة ولايتهم بقرار معلل».
وهنا تمنح المادة 106 الهيئة التنفيذية هامشاً بسيطاً من الحركة، مقيّداً بشرط تعجيزيّ، إذ تقول إنه «يعود لثلاثة أرباع أعضاء هذه الهيئة الاقتراح على رئيس الحزب إعادة النظر بقراره المتعلق بإنهاء ولاية أي ممن ذكر في هذا البند»، علماً بأنه «يحق للرئيس لمرة واحدة خلال ولايته، وبموجب قرار معلل، حلّ الهيئة التنفيذية والدعوة لانتخابات مبكرة».
كما يحق لرئيس الحزب وفق المادة 128، «ولأسباب يعتبرها مبدئية ومهمة ودقيقة، أن يؤجّل تنفيذ أي قرار تتخذه الهيئة التنفيذية وأن يحيله إلى المؤتمر العام الذي ينعقد استثنائياً لهذه الغاية».
- ان احتفاط القيادة بسلطة تعيين الهيئات الوسطية (منسقو المناطق على سبيل المثال)، هو ضرب لمفهوم الديموقراطية، ذلك لأن هذه الوحدات هي التي تمسك عملياً بالقاعدة الحزبية وتسيّر شؤونها، لأنها متحكّمة بخيارات الهيئات الأصغر منها، والتي تنتخب انتخاباً (المراكز)، حيث تنص المادة 57 على أن الهيئة التنفيذية تعيّن منسق المنطقة ومساعده بالتصويت بناء على اقتراح رئيس الحزب.
- إن الاحتكام إلى الصندوقة الاقتراعية لتسمية رئيس المركز ونائبه وفقاً للمادة 27 (أصغر وحدة تنظيمية وهي على مستوى القرية)، هو من باب التخلّص من الخلافات المحلية التي قد تنشأ بين الحزبيين في كلّ بلدة، ولذلك نأت القيادة بنفسها عن هذا المستنقع تاركة للمحازبين مهمة «تقليع شوك خلافاتهم وحساسياتهم المحلية بأظافرهم».
- ان مبدأ الولايات المفتوحة يسري على رئيس المركز ونائبه، وفقاً للمادة 36، الناسف لمبدأ تداول السلطة.
- أما بالنسبة للمؤتمر العام الذي يعتبر «المرجعية العليا في الحزب» بحسب المادة 80، فإن مهامه التي تحددها المادة 82 تفتقد سلطة إقالة رئيس الحزب، في حين أن «المناقشة والبتّ بأي تعديل لأنظمة الحزب كافة تتطلب اقتراحا خطيا موقعا يرد من ثلث أعضائه»، ما يعني عملياً استحالة هذه الفرضية إذا لم تكن المبادرة بتوجيه من القيادة، إذ لا يمكن لأي فريق ثانٍ سيحاول تقديم أي اقتراح خلافاً لرغبة القيادة، أن يجمع هذا الثلث. فكيف يمكن ممارسة مبدأ المحاسبة؟
وفي شؤون المؤتمر أيضاً، تنص المادة 90 على أن «المؤتمر يلتئم بحضور الأغلبية المطلقة من أعضائه، وفي حال عدم توافر هذه الأغلبية يعتبر النصاب متوافراً بمن حضر بعد انقضاء ساعتين على الموعد المحدد في الدعوة»، ما يعني أنّ أي محاولة للضغط على القيادة من خلال فرط عقد المؤتمر العام، ستبوء بالفشل لأن القيادة قادرة على محاصرة هذا المشروع بعد ساعتين فقط من بدء سريان مهلة اكتمال النصاب القانوني.
تعدٍ ثانٍ على أصول الديموقراطية، تتضمنه المادة 95 المتصلة بالتصويت في المؤتمر، التي تنص على أنه «يتم التصويت بصورة سرية أو برفع الأيدي إذا ما ارتأى رئيس المؤتمر ذلك، أي رئيس الحزب»، الأمر الذي قد يسبب إحراجاً لأعضاء المؤتمر إذا ما كان التصويت علنياً.
في اعتقاد هؤلاء، أنه مهما بلع رقيّ النظام الديموقراطي، فإن الحاجة إلى الثقافة الديموقراطية لدى القاعدة ورأسها، هي ضرورية، لا سيما أن الأفكار الموجّهة لم تعد تلائم عصر سقوط الأنظمة على أيدي «الفايسبوكيين». كما يتبيّن لهم أن جعجع يحاول «تدجين» تياره على طريقة الأحزاب الكلاسيكية التي تعاني من ضمور وتراجع في حضورها الجماهيري، في حين تدلّ التجارب الغربية على أن الالتزام صار حول الفكرة، من دون الفكر.
في تصورهم، أن ما قد كتبته معراب، قد كتب. أما «الدورة» التي دارتها مسودة النظام الداخلي، فهي شكلية، في حين ان الخلوة المنتظرة، هي من أجل الصورة، من دون الصوت، لأن من يُعتبرون من أصحاب الأصوات القوية قد غادروا... من فادي الشاماتي، ألفرد ماضي، ريشار جريصاتي، فيفيان داغر، انطوان نجم وغيرهم ممن يقولون لا.
يقول قيادي قواتي عتيق وخارج التنظيم الحالي، ان المشكلة ليست في التنظيم والنظام الداخلي، بل في جاذبية المشروع. ونحن على قناعة، بأنه ما دام هناك ميشال عون فلن تكون «القوات» إلا كما هي ولكن «الحكيم» يبني للمستقبل مراهنا في السياسة على مرحلة ما بعد عون، سواء بعد سنة أو سنتين أو عشر سنوات، وهو لطالما صارح حلقة ضيقة، أن ميشال عون هو أهم مداميك بناء المشروع «القواتي»، سواء بالشعارات التي يتبناها متحديا البيئة المسيحية التاريخية أو عبر إنشاء حزب لن يجد من بعده إلا أن يتوزع على مجموعة «حواضن» مسيحية، أكثرها جهوزية وتلبية للحساسيات المسيحية هي بيئة «القوات».
النقطة الثانية، التي يثيرها القيادي نفسه، أن تسمية «القوات» بمعزل عما تختزنه على صعيد «تاريخ الشهداء المقاومين في سبيل المجتمع المسيحي، لكنها في الأصل بنيت على أساس أنها تنظيم ميليشياوي ولن تستطيع أن تغادر هذا الثوب الملطخ بندوب الحرب، إلا بارتداء ثوب جديد عبر مغادرة التسمية التقليدية («القوات») وهو أمر من سابع المستحيلات».