أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

ميقاتي ـ 8 آذار: الثقة إلى الصفر؟

الثلاثاء 05 نيسان , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,144 زائر

ميقاتي ـ 8 آذار: الثقة إلى الصفر؟
منذ آخر اتصال بينه وبين أفرقاء الغالبية النيابية، الثلاثاء الماضي (5 نيسان)، عندما اجتمع ظهراً بالوفد المفاوض الذي ضم الوزير جبران باسيل والمعاون السياسي لرئيس المجلس النائب علي حسن خليل، والمعاون السياسي للأمين العام لحزب الله حسين الخليل، بمشاركة الوزير غازي العريضي، ثم الاجتماع الليلي غير المعلن بالأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله، الذي استمر إلى الأولى فجراً، لم يجرِ اتصال بين الرئيس المكلف نجيب ميقاتي وقوى 8 آذار في سياق جهوده تأليف الحكومة. اكتفى بلقاء رئيس الجمهورية ميشال سليمان، وأبقى الخلاف بينه وبين مفاوضيه معلقاً بلا مبادرة أو أفكار جديدة.
الأصحّ أن الحوار منقطع تماماً بين الطرفين منذ أيام، من غير أن تتضح جدّياً ملامح المرحلة المقبلة ومدى إمكان إبصار الحكومة الجديدة النور. وهكذا، لا يُكتفى بتأكيد تبخّر الآمال بقرب التأليف، بل بالقول كذلك ـــــ في ضوء جملة معطيات ـــــ بأن علاقة الرئيس المكلف بالأكثرية النيابية آيلة إلى مزيد من الظنون والشكوك وفقدان الثقة.
يُفصح عن هذه الانطباعات الآتي:
1ـــــ إشارات سلبية تتراكم يوماً بعد آخر في التقويم السوري لجهود ميقاتي في تأليف الحكومة، على نحو أشعر دمشق بأن الرئيس المكلف، من دون أسباب مبرّرة، يتعمّد المماطلة في التأليف. أبرَزَ هذا الجانب أكثر من زيارة لطه ميقاتي شقيق الرئيس المكلف لدمشق بعد عودته من البرازيل، في الأسابيع الثلاثة المنصرمة، ولقاؤه الرئيس بشّار الأسد، وكانت زيارته الأخيرة للعاصمة السورية الخميس الماضي من غير إحراز أدنى تقدّم في تأليف وشيك للحكومة. بعض ما كُشف عن مداولاته مع الرئيس السوري، وخصوصاً على أثر تأكيد طه ميقاتي أن لا التزامات خارجية قطعها شقيقه تحمله على المماطلة في التأليف، قول الأسد له: هل يعقل لصاحب ثروة ضخمة ـــــ وتحدّث عن أرقام ـــــ ألا يتعرّض لضغوط خارجية على استثماراته ولا يتأثر بها؟
كانت عبارة الرئيس السوري دالة على أن دمشق تقترب أكثر فأكثر من تصديقها ما نفاه طه ميقاتي للأسد، وهو وجود دوافع خارجية تصرف الرئيس المكلف عن استعجال تأليف الحكومة، الأمر الذي فسّر إمراره وقتاً طويلاً بين تفاوض وآخر، والنتائج الدنيا غير ذات مغزى بعد كل جولة حوار مع مفاوضيه، فضلاً عن عدم وضعه مسودة حكومة يخوض فيها مع قوى الغالبية النيابية المشاركة فيها.
جعلت المفارقة شخصية لبنانية بارزة تسمع، نهاية كانون الثاني الماضي بعد أيام من التكليف، من مسؤول سوري رفيع المستوى، ثم بعد أيام قليلة من الرئيس المكلف كلاماً متناقضاً، إلا أنه أوحى باكراً بأزمة حكومية طويلة قد تصبح جدّية بمرور الوقت، وتضع الثقة المتبادلة في امتحان.
قال المسؤول السوري الرفيع للشخصية اللبنانية إنه يظن أن ميقاتي «سيتلاعب» بالتكليف وقتاً طويلاً، وقد يعتذر عن عدم تأليف الحكومة في نهاية المطاف، مع تذكر المسؤول السوري الرفيع الصداقة القديمة التي ربطت ميقاتي وشقيقه طه على الأخص بالقيادة السورية، مذ فتح الطريق لهما إلى دمشق مسؤول لبناني كبير سابق.
سمعت الشخصية اللبنانية نفسها من ميقاتي، قبل أقل من أسبوعين على التكليف، أنه قد يضطر إلى تأليف حكومة تصريف أعمال لا توافق عليها قوى 8 آذار، ولا تمثل أمام مجلس النواب لنيل الثقة، بسبب توقعه حجم التباعد في مقاربة كل منهما ـــــ هو والغالبية النيابية الجديدة ـــــ تأليف الحكومة.
مع ذلك، يحرص الرئيس المكلف على القول أمام بعض زوّاره إنه لا يريد خلافاً مع حزب الله، ولا فتح معركة مع نصر الله. بيد أنه، في المقابل، لا يتزحزح عن ثوابته وعن صلاحياته الدستورية لتأليف حكومته الثانية.
2ـــــ في اجتماعهما منتصف ليل الثلاثاء، طلب الأمين العام لحزب الله من الرئيس المكلف أن يقوم باتصالاته كلها مع الأفرقاء المعنيين، ويعرض عليهم المسودة التي يراها ملائمة للطرفين لتأليف الحكومة، مع الأخذ في الاعتبار الحجم التمثيلي لكل منهم، وبعد ذاك يعود إليه كي يتفقا على سبل إزالة العراقيل التي يواجهها لإنجاز مهمته. بدا نصر الله باقتراحه هذا يوفر تسهيلات إضافية لميقاتي كي يعرض مسودته، ومن ثمّ يتكفل الأمين العام للحزب بمعالجة العقبات التي تجبهها. إلا أن حزب الله لم يلمس، تبعاً للمطلعين عن قرب، أي جهد بذله الرئيس المكلف لاستعجال التأليف.
يقرن الحزب هذه الملاحظة بمعلومات يقول إنها متوافرة لديه، عن التزامات غير معلنة قطعها ميقاتي للغرب تقضي بحؤوله دون تأليف حكومة ترغب فيها قوى 8 آذار أو تتمناها دمشق، وتُعدّ انتصاراً سياسياً كبيراً لهذا الفريق. والمقصود بذلك حكومة تدين بغالبيتها للأكثرية النيابية الجديدة.
3ـــــ مهما تكن وطأة المطالب التي يلحّ الرئيس ميشال عون في الحصول عليها في الحكومة الجديدة، لا تبدو هذه المشكلة الوحيدة، ولا المشكلة الأكثر استعصاءً على الحلّ. بل يكمن الخلاف الجوهري بين الرئيس المكلف وفريق الغالبية النيابية في النصاب المرجّح الذي ستكون عليه الحكومة الجديدة. وبإزاء التناقض الحاد بين فريقي التأليف، ميقاتي بإصراره على الثلث +1 مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، وقوى 8 آذار بإصرارها على ثلثي المقاعد، لن تقوم للحكومة قائمة، ولن تبصر النور في ظلّ هذين الشرطين.
لا حكومة بلا ثلث +1 لسليمان وميقاتي وجنبلاط، لكن أيضاً لا حكومة بلا ثلثين لفريق الغالبية. بذلك، يعطل الطرفان فرص التوصّل إلى تسوية بينهما: من دون شرطه لا يؤلف الرئيس المكلف، ومن دون شرطها لا تمنح قوى 8 آذار حكومته الثقة.
بيد أن لكل من هذين الطرفين حساباته في مقاربة النصاب الذي يطلبه لنفسه: يتوخى ميقاتي من الحصول على الثلث +1 ـــــ وهو يعني تجريد الغالبية من الثلثين ـــــ إحداث توازن قوى داخل مجلس الوزراء يحول دون وصفه بحكومة قوى 8 آذار، ويمنع هذه من السيطرة الكاملة على السلطة الإجرائية، ويُنصف كذلك الفريق غير المشارك في الحكومة، فلا تستهدفه حكومة تسيطر عليها أكثرية نيابية حالية مناوئة للأكثرية النيابية السابقة.
بدورها، قوى 8 آذار تضع نصب عينيها ثلثي الحكومة الجديدة لمواجهة استحقاق القرار الاتهامي ومسار المحكمة الدولية، والإشراف على تحقيق الأهداف التي تنتظرها في المرحلة المقبلة، وهي التعيينات وملء الشغور في الإدارة. أضف أن قوى 8 آذار تريد بالثلثين اللذين تتطلبهما، موازنة عناصر القوة التي يتسلّح بها رئيس الحكومة، وهي صلاحيتاه الدستوريتان في دعوة مجلس الوزراء إلى الانعقاد ووضعه جدول أعماله، فضلاً عن أن غيابه عن مجلس الوزراء لا يجعله يلتئم، وانسحابه من جلسته لا يمكّن رئيس الجمهورية ولا نائب رئيس الحكومة من الحلول محله في ترؤس الجلسة، وخصوصاً إذا نجم هذا الانسحاب عن رفض رئيس مجلس الوزراء التصويت على قرار أو مشروع قانون أو طرح بند من خارج جدول الأعمال بلا موافقته، على غرار التهويل الذي لوّح به سلف ميقاتي، الرئيس سعد الحريري في حكومة الوحدة الوطنية، في جلستي 10 تشرين الثاني و15 كانون الأول 2010 حينما هدّد بمغادرة الجلسة إذا فرض عليه طرح ملف شهود الزور على طاولة البحث.
4ـــــ تضع قوى 8 آذار لائحة بالأسباب التي تظن أن الرئيس المكلف يختبئ وراءها لتبرير تأخير التأليف، وتُدرج فيها الضغوط الغربية وشروط رئيس تكتّل التغيير والإصلاح والنصاب الموصوف، وكذلك سبب آخر، هو شعور ميقاتي بأن المماطلة في التأليف، والمناكفة المتبادلة بينه وبين الغالبية الجديدة على الحقائب والمقاعد، تعزّزان موقعه في طائفته وتقلّل من الضغوط التي يتعرّض لها، وهو شأن تمسّكه بصلاحياته الدستورية في التأليف، وبحصوله على نصاب مقرّر في مجلس الوزراء.
يُضاعف من الدعم المتنامي له في طائفته وفي الشارع السنّي، تصاعد نبرة الحملات والانتقادات التي يُوجّهها إليه عون، ويظهر فيها بمظهر الشريك الفعلي في التأليف على حساب صلاحيات يقصرها الدستور على رئيس مجلس الوزراء، ويضع فاعلية هذا المنصب وقوته في الطائفة السنّية، لا في طائفة أخرى، سواء مثّلها الجنرال أو مثّلها حزب الله. وأتى البيان الأخير للمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى الاثنين الماضي، في حضور الرئيس المكلف، كي يؤكد ما يفصح عنه الأخير، وهو تمسّكه بصلاحياته الدستورية التي تنيط به وحده تأليف الحكومة، في معرض تشبّث المجلس بثوابته الإسلامية. يمنح المجلس الرئيس المكلف ذلك، مرة بعد أخرى، جرعة زائدة من تفويض الطائفة له، بعدما كان قد طعن في تكليف ميقاتي وأنكر دستوريته.

Script executed in 0.032634019851685