هذا التنافس غير المسبوق في تاريخ انتخابات نقابة مهندسي طرابلس والشمال، جاء إثر التموضع الجديد للقوى السياسية في طرابلس بعد سقوط حكومة الرئيس سعد الحريري، ثم تكليف الرئيس نجيب ميقاتي تأليف الحكومة المقبلة بعد دعم مباشر تلقاه من الوزير محمد الصفدي، وبعد مسعى الطرفين إلى إثبات حضوره وقوته في أول اختبار فعلي له، ما جعل نقابة المهندسين التي كانت عادة تحتل مرتبة متأخرة على لائحة اهتمام القوى السياسية والنقابية، تتصدر الواجهة منذ أيام.
وقد كشف علم الدين في مؤتمر صحافي عن تحالفه مع كل من هيثم عدرة وعثمان عدرة (مقربان من المعارضة السابقة) مرشحين لفرعي الكهرباء والميكانيك، وكل من بداوني جبور (تيار المردة) وإيلي ملحم (مقرب من التيار الوطني الحر) أيضاً مرشحين للهيئة العامة في النقابة.
علم الدين الذي أعلن أنه يطرح نفسه وحلفاءه «نقيباً مستقلاً وزملاء مستقلين، لا نلتزم إلا بمصالح الزملاء في النقابة»، لم ينف أنه تلقى دعم معظم القوى السياسية التي تتكون منها الأكثرية الجديدة (الرئيسان عمر كرامي ونجيب ميقاتي، الوزير محمد الصفدي، تيار المردة، التيار الوطني الحر وبعض الإسلاميين)، لدرجة دفعته إلى الاعتراف بأن «انتخابات نقابة المهندسين هذا العام تأتي في ظل انقسام سياسي لم تشهده النقابة من قبل»، لكن من غير أن يمنعه ذلك من أن يعبّر لـ«الأخبار» عن ارتياحه لمجرى الأمور «رغم التهويل والضخّ الإعلامي المضاد الذي أتعرض له»، ورغم ذلك آثر التريث في إعلان توقعات؛ «لأن صناديق الاقتراع وحدها هي التي ستفرز النتائج النهائية».
حسم الأمور عند ضفة علم الدين لم يقابلها حسم مماثل على ضفة ذوق، الذي لم يعلن أسماء حلفائه الأربعة بعد، بانتظار موعد العشاء التكريمي الذي سيقيمه تيار المستقبل لمهندسيه مساء غد، بعدما اتضح أن خلافات تدور بين حلفاء التيار من فريق 14 آذار بهذا الخصوص؛ إذ إن 3 مرشحين للهيئة العامة منهم لا يزالون مصرين على ترشحهم، هم نقولا سليمان (القوات اللبنانية)، جو خليفة (حزب الكتائب) وفادي حرب (النائب بطرس حرب)، الأمر الذي أوقع تيار المستقبل في موقف حرج للغاية؛ لأن عليه الاختيار بين اثنين منهم، وهذا يعني أنه إذا لم يكن ثمة مخرج توافقي لهذا المأزق الجديد، تكون ثغرة أضافية قد أضيفت إلى ثُغَر أخرى يُعمَل حالياً على سدّها قبل حلول موعد الاقتراع.
هذا الإرباك داخل تيار المستقبل وفريق 14 آذار في ما يخص مرشحي الهيئة العامة، لا ينسحب على مرشحَيه المحتملَين لفرعي الميكانيك والكهرباء اللذين لا تعترضهما أي مشكلة، أقله حتى الآن؛ إذ يبدو أن الخيار رسا على محمد هزيم لفرع الميكانيك، ووسيم صادر لفرع الكهرباء.
لكن مشكلة مرشحي الهيئة العامة «لا يبدو أنها ستكون أصعب على الحل من غيرها» حسب ما رأت لـ«الأخبار» مصادر في المستقبل، بعدما أثمرت المساعي انسحاب مرشحها الآخر لمنصب النقيب محمود الفوال أمس، بعد انسحاب سابق للمرشح الآخر جلال حلواني، ما جعل الساحة تخلو للمرشح ذوق في هذا المضمار.
هذا التطوّر جعل مصادر المستقبل تعتقد أن «نتيجة الانتخابات تبدو مرجحة لمصلحتنا»، رافضة اتهام الفريق الآخر «بأننا نجلب مهندسين من خارج لبنان للمشاركة في الانتخابات، والفريق الآخر لا يُقصّر في هذا المجال».
قراءة مصادر المستقبل للنتائج المحتملة تذهب في اتجاهين: الأول خسارتها الانتخابات، وهذا يعني «تأكدنا أن البلبلة التي أثارها اختيار ذوق وحلفائه داخل قطاعنا الهندسي تركت آثاراً سلبية واضحة، وأننا فشلنا في الاختيار وفي التسويق وفي إدارة العملية الانتخابية، وعلينا الاعتراف حينها بالهزيمة».
أما الاتجاه الثاني لقراءة مصادر «المهندسين الزرق»، فهو أن «فوزنا سيكون رداً على ما قيل من أن حلفاءنا هم من يملكون الوزن الفعلي في طرابلس، وأنهم لم ينجحوا في انتخاباتهم السابقة كما يدّعون من خلال دعمنا. بناءً على ذلك، تأخذ هذه الانتخابات أهميتها من أنها ترسم أولى معالم الاصطفافات السياسية بعد التحولات الأخيرة، لكن عليهم أن يتوقعوا أنه، إذا فزنا، ستكون نقابة المهندسين أولى المحطات من ضمن مسار طويل سنسلكه لتصفية حساباتنا مع من افترضنا وافترضوا أنفسهم حلفاء لنا، ثم انقلبوا علينا».
غير أن أمراً ما لا يزال غامضاً في الحسابات الأولية لهذه الانتخابات، هو معرفة موقف الجماعة الإسلامية التي ما زالت مصرّة على ترشيح ناهد الغزال لمنصب النقيب وواصف مجذوب للهيئة العامة؛ إذ بعد تعذر توافقها مع فريق 14 آذار على إعطائها منصب النقيب في نقابة بيروت أو في طرابلس مقابل تحالفها معه، أو مع الفريق الآخر، ليس واضحاً بعد أين ستصبّ أصوات مهندسي الجماعة، الذين يعمل كل فريق على استمالتهم لحسم انتخابات تبدو نتائجها الأولية «على المنخار».