ويفضل كثيرون منهم، انتهاء الأزمة على إجلائهم عن تلك البلاد، وعودتهم إلى لبنان الذي لم يجدوا فيه ملاذاً آمنا يوماً، وقوبلوا من دولتهم بإهمال فاضح، دفع بعضهم إلى أن يكتب على موقع الفايسبوك: «من يشتري هويتي اللبنانية؟»
فيما تتكل الدولة اللبنانية على «حنان» الحكومة الفرنسية لإجلاء الرعايا، يؤكد عدد من اللبنانيين الذين اتصلت بهم «الأخبار» أن قواتها لم تكن بهذا الحنان، وهي عمدت إلى إجلاء الرعايا الفرنسيين، بالدرجة الأولى، ثم مواطنين أجانب يحملون الجنسية الفرنسية، وبينهم مواطنون من أصول لبنانية، فيما ذكر البعض أنه أُجلي مواطنون لبنانيون مع آخرين فرنسيين في المناطق التي كان الوضع فيها صعباً للغاية، مع الإشارة إلى أن مجمل الذين أُشيع الحديث عن إجلائهم حتى الساعة، لا يصل إلى 1 في المئة من مجموع اللبنانيين في ساحل العاج.
وقال عباس نجم إن قوة فرنسية حضرت إلى المبنى الذي يقيم فيه مع عائلته في المنطقة الثالثة، إضافة إلى 5 عائلات لبنانية، لإجلاء عائلة فرنسية «فخرجنا مع أطفالنا نتوسل إليهم كي ينقلونا من هذا الجحيم، إلا أن الجواب كان: اذهبوا إلى دولتكم، فهي المسؤولة عنكم». ويؤكد نجم ما يعانيه اللبنانيون في ساحل العاج من معاملة عنصرية يتلقونها من القوات الفرنسية «والدليل أنه حتى اللبنانيون الحاملون للجنسية الفرنسية، حين نقلوا إلى القاعدة الفرنسية، لم يعاملوا معاملة المواطن الفرنسي؛ إذ خيّروا بين البقاء في المعسكر، أو الرحيل، لكن على نفقتهم الخاصة». كذلك تحدث جاره باسم طراد عن عرض تلقاه لبنانيون من القوة الأردنية العاملة ضمن قوات حفظ السلام، يقضي بالذهاب إلى الأردن، ثم إلى لبنان، لكن كل شيء سيكون على نفقة المسافر وعلى مسؤوليته.
وتجري عبارة «ضرب المصالح اللبنانية» على ألسنة كثيرين تحدثوا إلى «الأخبار» من هناك؛ إذ يرى عباس نجم أن هناك مخططاً «يهدف إلى تهجير اللبنانيين، القوة الاقتصادية الأكبر في البلد، وهو ينفّذ بتواطؤ إسرائيلي». ويدعم نجم رأيه بما يحصل للمؤسسات اللبنانية تحت مرأى أعين قوات حفظ السلام والقوات الفرنسية التي عملت على تأمين شركات السيارات الفرنسية، كالبيجو وغيرها، فيما نهبت أكثر من ست وثلاثين سيارة عائدة إلى مؤسسة عبد الرضا، وهو وكيل شركة سيارات صينية.
فالفرنسي، في رأي عصام سبيتي، يجد في اللبناني منافساً جدياً، وخصوصاً أنه حل مكانه بعد ضعف وجوده في البلاد بعد أحداث 2004. ويرى أن الحظ كان إلى جانبه حين عمد منذ بداية الأزمة إلى نقل سياراته الثلاثين من معرض السيارات الذي يملكه إلى منزله «حيث أحرسهم بنفسي، إضافة إلى استئجار بعض رجال الأمن الخاص من السكان المحليين»، وهو إجراء كان لا بد منه، على الرغم من الشعور الدائم بالتهديد الناجم عنه «على قاعدة إنو حاميها حراميها».وتحدث سميح جمعة عن مبالغ طائلة يدفعها «المتمولون الكبار»، الذين ينسقون مع طرفي النزاع، لتأمين مصالحهم ومنازلهم، تصل الى نحو 14 ألف دولار شهرياً «فيما يعيش الآخرون واقع التعرض للموت ألف مرة يومياً».
كذلك يعود عبد الله سلوم بالذاكرة إلى بضعة أشهر خلت، ليستشهد بواقعة تدل على «احمرار العين» على اللبنانيين في هذا البلد، حين قُتل عاجي، واتهمت إذاعة محلية أحد اللبنانيين بقتله، ما أحدث رد فعل كبيراً تجاه اللبنانيين ومؤسساتهم، ليتبين لاحقاً أن الجاني هو من الجالية المغربية.
وتساءل فادي شعبان عن «الوقت الذي ستتعلم فيه دولتنا من دروس الماضي، لتضع خطة تواكب من خلالها مواطنيها في دول الانتشار، وخصوصاً في ساحل العاج، حيث تكررت هذه الأحداث كل سنتين مرة تقريباً خلال الاثنتي عشرة سنة الأخيرة». ويروي كيف عمدت سفارتا المغرب وموريتانيا، منذ بداية الأزمة، إلى تسجيل أسماء الراغبين في النزوح من غير المستطيعين، وهو ما سهّل على حكومتيهما إجلاء أكبر عدد منهم، فيما السفارة اللبنانية لم تبادر إلى هذه الخطوة إلا منذ أيام فقط، وتردد أن عدد المسجلين في لوائح السفارة بلغ خمسة عشر ألفاً.
أما على صعيد المواد الغذائية، فقد بقيت متوافرة لدى الأكثرية، وقد عمد بعض المتمولين وأصحاب المحالّ التجارية إلى توفير مستلزمات جيرانهم، من دون مقابل، وهو ما أكده لـ«الأخبار» عدد من اللبنانيين. إلا أن المشكلة بقيت في توفير الأدوية، وخصوصاً في المناطق البعيدة عن المكتب المشترك الذي أنشأته الجالية والسفارة والجمعيات اللبنانية في منطقة ماركوري.
وعانى القيّمون على المكتب المشترك صعوبة في توفير حاجات المعزولين في بعض المناطق، بسبب خطورة التنقل بين حي وآخر. وفيما تفاوتت نسبة التوتر أمس بين منطقة وأخرى في العاصمة أبيدجان، شهدت مناطق أخرى بعيدة عنها عودة الحياة شبه الطبيعية، كما أفاد لـ«الأخبار» بعض المقيمين في دلوا (500 كيلومتر غربي أبيدجان). وبقي الوضع متوتراً في مناطق البلاتو القريبة من القصر الرئاسي، والزون 4 والتريشفيل، حيث اضطرت العائلات إلى المبيت ليلاً في مداخل البنايات، وتحت السلالم.
وقال توفيق مزنر، من منطقة البلاتو قرب السفارة الفرنسية، حيث يقيم ما يزيد على سبعين عائلة لبنانية في أحد المباني الضخمة في المدينة، إن الكهرباء والمياه لا تزالان متوافرة، على الرغم من أنها تنقطع من حين إلى آخر، إلا أنها لم تدخل في دائرة الأزمة. وتحدث آخرون عن نقص في حليب الأطفال، جرى التواصل مع الصليب الأحمر لتوفيره. وقال مزنر إن ما نقصهم من مواد غذائية طلبوه من السفير ورئيس الجالية، والعمل جار على توفيره.
كذلك استطلعت «الأخبار» وضع اللبنانيين الذين لجأوا إلى مركز القوات الدولية في المنطقة الرابعة، فأكدت سكنة داوود أنهم دفعوا أموالاً لمسلحين حتى يصلوا إلى المركز بعد رفض القوة الدولية إجلاءهم. وقالت إن طعامهم ومستلزماتهم تتوافر لهم بشرائها بأموالهم الخاصة. وبلغ عدد اللبنانيين هناك ما يقرب من 400 شخص معظمهم من الأطفال، فيما غادر عدد من العائلات بسبب «العزارة»، حيث لا فرش ولا بطانيات «ويضطر البعض إلى النوم على الأرض».
ولم تفلح جهود الدولة اللبنانية في تحقيق شيء يذكر على صعيد إجلاء اللبنانيين من ساحل العاج، سوى ما تمكنت منه القوات الفرنسية من خلال إجلاء 142 لبنانياً إلى السنغال، حيث ستقلهم طائرة تابعة للميدل إيست إلى لبنان فجر اليوم، وكذلك ما ذكره السفير الفرنسي في لبنان، دوني بييتون، عن استقبال القوات الفرنسية هناك 650 لبنانياً، هم حالياً في القاعدة العسكرية قرب مطار أبيدجان.
وإلى يوم أمس فقط، انعقد المجلس الأعلى للدفاع برئاسة رئيس الجمهورية ميشال سليمان، وبحث «وضع خطة عملية لمساعدة أبناء الجالية اللبنانية وتوفير أفضل السبل لحمايتهم وتوفير حاجاتهم الأساسية وإجلاء من يرغب منهم». وأعلن وزير الخارجية علي الشامي «إرسال ثلاثة سفراء ومستشارين إلى أبيدجان عبر مطار أكرا في السنغال فجر الخميس المقبل لمساعدة البعثة والجالية اللبنانية في أبيدجان».
إلى ذلك، نفّذ أهالي العشرات من اللبنانيين العالقين في أبيدجان اعتصاماً في صور، فانطلقوا في مسيرة عفوية بدءاً من دوار الشهداء في المدينة باتجاه دوار أبو ديب، حاملين لافتات كتب عليها بخط اليد شعارات مثل: «يا بيي الله يحميك، الدولة مش عم تسأل فيك» و«يا دولتنا ما بيجوز، بالغربة شعبك محجوز» و«تهجرنا تنسد الدين، لا رجعنا ولا انسد الدين».