أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

اللبنانيون النازحون من غربتهم قسراً... يلاقون بلدهم بالبكاء: ماذا الآن؟

الخميس 07 نيسان , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,283 زائر

اللبنانيون النازحون من غربتهم قسراً... يلاقون بلدهم بالبكاء: ماذا الآن؟
ما إن وطأت السيدة أرض صالة الوصول في مطار رفيق الحريري الدولي، حتى هرعت والدتها نحوها مسرعة وجثت أمامها تحضن ساقيها، غارقة ببكاء سرعان ما سيسري كالعدوى بين منتظري العائدين من جهنم ساحل العاج.
البكاء، وليس غيره، كان ثالث كل اثنين، تعانقا أمس. الواصلون ليسوا هنا لعطلة. هم في هجرة قسرية عن ابواب رزقهم المفتوحة على المجهول. في غربة عن الشعور بالامان الاجتماعي والإقتصادي والجسدي. يقبعون في قعر مخاوفهم من كل ما يتعلق بيومهم وغدهم. عادوا باغلى ما يملكون، أرواح اطفالهم، وارواحهم، غير انهم حملوا معهم ايضاً الاحساس القاسي بانهم هشون، وعلى عتبة الانكسار. قلوب الاقارب فيها عزاء كثير، فكيف إذا كانت قلوب أمهات.
أمس وصلت الى المطار أول طائرة تابعة لشركة طيران الشرق الأوسط، آتية من غانا وعلى متنها 136 راكبا قادمين من ابيدجان حيث كانت السلطات الفرنسية قد ساهمت في نقلهم من هناك الى مالي ومن ثم الى غانا. فتح لهم صالون الشرف على ان يدخل اليه ثلاثة مواطنين فقط غير أن ايا منهم لم يدخله.
حكاياتهم لا تنتهي. فادي أصاف، ترك منطقة «زون كاتر» بعد اجتياح العصابات لها، وتعرضهم للسرقة، فاستغاث بالقوات الفرنسية التي أقلته مع زوجته بمواكبة آلية الى ثكنتها قرب مطار أبيدجان، حيث مكثوا هناك أربعة أيام، مشيدا بمعاملة هذه القوات لهم».
فادي لم يعد مباشرة الى بيروت، فهو قاسى أثناء رحلة العودة، إذ انتقل من أبيدجان الى أللومي، على متن طائرة عسكرية فرنسية كانت تنقل عتادا عسكريا. مكث فادي ليلة واحدة في اللومي بعد أن استقبل رئيس الجالية اللبنانية النازحين في البيت اللبناني».
في اليوم الثاني جاء القنصل اللبناني من اكرا، احمد سويدان، وعمل على تسهيل ترحيلهم عبر إصداره وثيقة تكون بمثابة جواز سفر لهم. بعدها انتقل في الباصات برا الى أكرا، منها الى المطار».
اما أسد زعيتر، فقد عاد بثيابه فقط. ترك مصالحه في مهب الريح. لا يعرف عنها شيئاً، ويشير الى انه كان يدفع مع جيرانه اللبنانيين حيث يقيم، حوالى 1500 دولار يوميا كضريبة حماية، الى أن لجأ الى الثكنة الفرنسية كغيره».
وبالرغم من ان المسافة التي بين اللومي وأكرا استنفدت قواه، الا أن عودته الى الوطن، ورؤيته أهله أزاحت عنه هموم الدنيا كلها. حسرته الوحيدة تبقى على مواطنيه اللبنانيين المحاصرين هناك».
من جهته يقول أحد العائدين، وهو من بيت شباب انه مستعد في حال تم فتح مطار أبيدجان في أي لحظة لأن يعود الى هناك، فهو لا يعرف غير ذاك البلد وقضى فيه 50 سنة من عمره».
في مقابل النازحين، فإن الباقين في ساحل العاج يتعلقون بأمل ما، لا يزيدون عليه، مثلاً، الثقة بأن دولتهم تقف معهم فعلا لا قولا.
هؤلاء باتوا مشردين في غربتهم. بعضهم كان القدر حليفه، وتمكن من اللجوء الى القواعد الفرنسية، والبعض الآخر فشل بالخروج من جحيم المعارك، فحوصر في المنازل تحت رحمة عصابات السرقة.
يصف يوسف حرقوص، الذي يسكن في منطقة «ماركوري»، مع لبنانيين آخرين، الوضع بالمأزوم. فهو محاصر منذ ثمانية أيام من دون أن «يقوى على الخروج خوفا من اللصوص الذين يملؤون الشوارع». وما يثقل كاهله أن «مقومات الصمود لديه بدأت بالنفاد خصوصا الطعام، إذ انه في بلد الأنهار والبحيرات، أصبح مضطرا لشراء عبوات المياه، من المحلات التي لا تفتح سوى لنصف ساعة وكذلك الصيدليات».
يوسف الذي لا يعرف شيئا عن مصالحه، والذي يحمل الجنسية الفرنسية، رفض المغادرة مع القوات الفرنسية، بعد تمنعها عن اصطحاب جاره وأطفاله الثلاثة، فآثر البقاء معهم، عله يستطيع مساعدتهم، من خلال التواصل مع الفرنسيين الذين قد يستجيبون له بسبب جنسيته في حال الخطر أو عندما يحتاج لدواء».
أما حال علي ضحوي، فليست بأفضل. وقوع منزله في «تريج فيل»، بمحاذاة مركز الحرس الجمهوري التابع للرئيس غباغبو، جعل حياته مع والديه والذي يعاني والده بدوره داء «السكري، في دائرة الخطر اليومي، حيث لا يستطيع أي احد أن يصل إليهما». همه كبير، وتأمين الدواء لوالده في مقدمة أولوياته، وهو أجرى عدة اتصالات مع السفارة اللبنانية والجالية، والأمم المحتدة، لهذه الغاية، وكان الجواب واحداً: لا نستطيع الوصول إليكم». لم يعد أمام علي الا حل واحد، على شقيقته المقيمة في «ماركوري» تأمين الدواء لوالده، وستقوم بإرساله مع احد المواطنين الأفارقة الذي سيقطع المسافة بين «ماركوري» و»تريج» فيل مشيا على الأقدام». يقوم علي بتدبير الحاجات الضرورية، للبقاء على قيد الحياة، من خلال شراء بعضها من جيرانه الأفارقة».
القصف والرصاص ليسا المصدر الوحيد للخوف عند سمير متيرك، المقيم في منطقة «كوكودي»، قرب بيت الرئيس «غباغبو» ومبنى الإذاعة والتلفزيون مع 12، مواطنا لبنانيا، بل السرقة إضافة الى الفظاعات التي شاهدها من شرفة منزله، والتي تمثلت بإحراق عدد من المواطنين الأفارقة».
تحسب سمير لهذه الأزمة حيث عمل منذ اندلاعها على تخزين المواد الغذائية، فضلا عن استخدام مؤونة جيرانه الذين تركوا منازلهم وخرجوا الى لبنان». يسلم سمير أمره للقدر. مطلبه الوحيد هو قيام الدولة باتصالات رفيعة بالفرنسيين والأمم المتحدة لتسيير دوريات لحمايتهم».
بدوره يعاني علي حلاّل، الذي يسكن في «الكوكودي» مع زوجته واطفاله الاربعة، أيضا، شحاً في الطعام والماء، إضافة الى نفاد حليب الأطفال، كما أن عدوى الكهرباء في انقطاع مستمر». هو خائف على النساء والأطفال الذين يرتعدون خوفا عند سماعهم أصوات المدافع وازيز الرصاص». يبدي علي استياءه من عدم وجود أي حل في الأفق، وهو يعلم انه ليس بمقدور احد مساعدته والوصول اليه، يبقى الأمل سلاحه الوحيد، بانتظار انتهاء المعارك».
وفي السياق نفسه، أكد يوسف حمزة، الذي يتابع شؤون اللبنانيين الراغبين بالعودة الى لبنان من ثكنة القوات الفرنسية وهو مفوض من السفارة اللبنانية ومدير مكتب شركة طيران الشرق الأوسط في ابيدجان جواد الموسوي،، أن «هناك أربع طائرات ثلاث طائرات فرنسية وواحدة أميركية، قامت بنقل اللبنانيين أمس، الى كل من اللومي، وكتونو والسنغال».
يذكر أنه كان في استقبال العائدين في المطار امس، النائب علي فياض ومدير عام المغتربين هيثم جمعة وممثلون عن مديرية المراسم في وزارة الخارجية والمغتربين واهالي القادمين.
واعتبر جمعة أن «هذه العملية ليست عملية اجلاء بل هي عملية اختيارية، وسنــتابع عملنا من اجل اتمام هذه العـــملية والموضوع متعلق بالجالية اللبنانية التي هي من اول الجاليات التي تركت ساحل العاج وسنتابع الاتصالات من اجل تخفيف الاعباء والمعاناة عن ابنائنا هناك».
بدوره طالب فياض بان «تتضافر كل الجهود لمتابعة هذا الملف حتى لو انتهت الازمة اذ على لبنان ان يبقى في حالة طوارئ لتلافي اي اثار سلبية عن المشكلة والكارثة التي حصلت».

Script executed in 0.03780198097229