أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

عندما يصبح التكليف أقوى من التفويض

الخميس 07 نيسان , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,006 زائر

عندما يصبح التكليف أقوى من التفويض

تستمر الاتصالات مقطوعة تماماً بين الرئيس المكلف نجيب ميقاتي والفربق الثلاثي المفاوض له، الممثل لحزب الله وحركة أمل والتيّار الوطني الحر، منذ 10 أيام، من غير أن يسع أي من هؤلاء الإيحاء بقرب انتهاء الأزمة الحكومية، ولا في أحسن الأحوال بحصول تقدّم بطيء في الأفكار المتداولة لتأليف الحكومة. لا يزال كل من الطرفين يتلطى وراء شروطه المسبقة، ويتصرّف على أنه غير مستعجل، وينكر وجود دوافع خارجية لتعثّر التأليف، لكنه لا يقول بقدرته هو والفريق الآخر على الاتفاق على إبصار الحكومة النور. لا أحد منهما يملك بمفرده الحلّ: لا الرئيس المكلف، بلا الغالبية النيابية، يتمكّن من تأليف الحكومة، ولا هي قادرة على إرغامه على الاعتذار عن عدم التأليف. إنها مشكلة رئيس الجمهورية ميشال سليمان، العاجز هو الآخر حيال هذين الخيارين.
في ظلّ واقع يختلط فيه المأزق الدستوري بالمأزق السياسي، يثير الإعلان المتكرّر، والواثق، لمحيطين بالرئيس المكلف أو قريبين منه عن أنه لن يعتذر عن عدم تأليف الحكومة، ملاحظات بإزاء إشكالية دستورية وسياسية في آن واحد، بات يطرحها التكليف الطويل الأمد.
يُنقل عن هؤلاء أن الاعتذار غير وارد لدى ميقاتي، لأسباب دستورية لا أحكام ترعاه في متن الدستور، وأخرى سياسية تتصل بمستقبله السياسي والشعبي بعدما غامر في قبول تكليف جُبه بمَن حرّض الشارع السنّي عليه للطعن بزعامته. ولأن الدستور لا يتحدّث عن الاعتذار، يأتي تمسّك ميقاتي باستمرار تكليفه لتثبيت عرف بات في صلب اللعبة السياسية اللبنانية منذ اتفاق الدوحة.
على مرّ تجارب خبرها رؤساء مكلفون تأليف الحكومة منذ اتفاق الطائف، لم يعتذر سوى ثلاثة عن عدم تأليف حكومة هم الرؤساء رفيق الحريري وعمر كرامي وسعد الحريري. لكل منهم أسباب مختلفة عن الآخر:
ــ الحريري الأب عام 1998 بسبب اعتراضه على طريقة تطبيق الفقرة 2 من المادة 53 من الدستور في احتساب الأصوات التي نالها للتكليف.
ــ كرامي عام 2005 بعد إخفاقه في تأليف الحكومة تحت وطأة الضغوط التي أحاطت به على أثر استقالة حكومته بعد اغتيال الحريري الأب، وإعادة تكليفه. ورغم أن الغالبية النيابية آنذاك كانت إلى جانبه، فشل في التأليف.
ــ الحريري الابن عام 2009 حينما وجد في الاعتذار حلاً لولوج جولة جديدة من التفاوض مع خصومه، شركائه في حكومة الوحدة الوطنية. وكانت إعادة تكليفه توطئة للتأليف بعدما تعذّر عليه في تكليفه الأول إمراره. في التكليفين، تسلّح الحريري الابن بأكثرية نيابية كان يتزعّمها، وكانت قادرة على فرض تكليفه هذا والحؤول دون إقصائه عن رئاسة الحكومة، أو إحلال سواه. كان مفتاح التأليف، وليس التكليف فحسب، في يد الحريري وحلفائه في الغالبية في آن واحد.
سوى الثلاثة هؤلاء، لم يُحمَل أسلافهم في رئاسة الحكومة منذ عام 1989، كالرؤساء سليم الحص (1989 و1998) ورشيد الصلح (1992) ونجيب ميقاتي (2005) وفؤاد السنيورة (2005 و2008)، على الاعتذار. لا الحص في المرتين اللتين كلّف بهما. ولا الحريري الأب في المرات الخمس (1992 و1995 و1996 و2000 و2003)، واتصلت بأسباب مباشرة هي تناقض الطباع بينه وبين الرئيس إميل لحود، وكان أحدهما يضمر للآخر بغضاً شديداً بعضه شخصي والبعض الآخر سياسي. لم يؤتَ، تالياً، آنذاك على مرّ الرؤساء المكلفين على ذكر عُرف الاعتذار رغم العقبات التي كان قد خبرها بعض هؤلاء وأدت إلى إطالة أمد التأليف.
بين حكومات 1989 و2003 كانت سوريا تتولى مرجعية تسوية تعثّر التأليف ما دامت هي التي كانت تختار ـــــ أو تزكية ـــــ الرئيس المكلفين. وكان الخلاف على توزيع الحقائب يُمسي ثانوياً؛ لكون دمشق ستحتفظ بنصاب ثلثي الحكومات المتعاقبة في ظلّ حلفائها الممسكين بالسلطة، رئيس الجمهورية ورئيس المجلس ورئيس الحكومة على رأس كتلهم النيابية. بعد خروج جيشها من لبنان، عرف رئيسان مكلفان تأليف الحكومة بلا عقبات في سنة واحدة عام 2005، هما ميقاتي والسنيورة، فلم يُثر اعتذار أحدهما رغم الأكثريتين النيابيتين المتناقضتين اللتين سمّت كلاً منهما.
بعد اتفاق الدوحة عام 2008 طفا إلى السطح هذا العرف مذ وضع الاتفاق قواعد جديدة لتأليف الحكومة، مناقضة بكليتها للآلية الدستورية للتأليف:
ـــــ توزيع حصص الأفرقاء المشاركين فيها على نسب متفاوتة، وتحديدها تبعاً لمعايير سياسية، لا دستورية ولا قانونية.
ـــــ تحديد حصة لرئيس الجمهورية، بما فيها الحقائب التي يُعهد بها إلى وزرائه.
ـــــ تقسيم نصاب مجلس الوزراء بين ثلث + 1 للمعارضة لتمكينها من استخدام النقض، والنصف +1 للغالبية ـــــ وهو حقها المشروع ـــــ لتمكينها هي الأخرى من استخدامه.
ـــــ قرن تأليف حكومة الوحدة الوطنية بموافقة طرفي النزاع على اتفاق التأليف، على نحو جعل المعارضة شريكاً ضمنياً لرئيسي الجمهورية والحكومة فيه، والمنوط بهما وحدهما دستورياً.
كان العرف الآخر المستحدث علناً، الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من صفقة التأليف ـــــ آخذاً في الاعتبار أن الدستور لا يملأ الثغرة ـــــ أن لا مُدد محدّدة لتأليف الحكومة، طال الوقت أو قصر. ألّف السنيورة حكومة 2008 في اليوم الـ44، والحريري الابن حكومة 2009 في اليوم الـ135، ويقف ميقاتي هذا النهار في اليوم الـ72 من دون بشائر جدّية إلى تأليف وشيك.
يفضي ذلك إلى ملاحظات منها:
1ـــــ أصبحت القوة العرفية في الاستمرار في التكليف، والأصح التشبّث به حتى في ظلّ الإخفاق، أقوى من القوة الدستورية للتكليف. بل أضحى الاستمرار في التكليف ـــــ ما لم يقرّر الرئيس المكلف أمراً معاكساً ـــــ أقرب إلى صلاحية دستورية تجعل الرئيس المكلف يتمسك بتكليفه ويحيله أحد مصادر قوته السياسية في المواجهة، وسبباً إضافياً لأزمة حكومية مفتوحة.
2ـــــ عندما يعجز الرئيس المكلف عن التأليف يقتضي إعادة التفويض الذي منحته إياه الغالبية النيابية إلى أصحابه كي يصار عندئذ، عندما يعتذر عن عدم تأليف الحكومة، إلى استعادة رئيس الجمهورية المبادرة بالدعوة إلى استشارات نيابية ملزمة، تنبثق منها تسمية رئيس مكلف جديد بأصوات الغالبية. بيد أن التمسّك بالتكليف لا يكتفي بجعل التأليف من الآن فصاعداً يستغرق آماداً طويلة تُحسب بالأشهر لا بالأيام ولا بالأسابيع، بل يفرّغ الفقرة 2 من المادة 53، ومن ثم مجلس النواب، من صلاحية دستورية قوية عُهدت إليه بها، وهي اختياره رئيس الحكومة.
3ـــــ حتى التكليف الأخير لميقاتي، وعلى امتداد مراحل تأليف الحكومات المتعاقبة، كانت الغالبية تسمّي الرئيس المكلف، غير أنها كانت صنيعة دمشق التي تختار الرئيس المكلف قبل الاستشارات الملزمة، فتأتي هذه كي تكرّس تكليفه. كان في وسع دمشق الانتقال بالغالبية من رئيس مكلف إلى آخر نقيضه السياسي، كما عام 1998 بين الحريري الأب والحص، وعام 2004 بين كرامي وميقاتي. منذ عام 2005 صنعت الأكثرية النيابية الموالية لقوى 14 آذار تكليف السنيورة مرتين والحريري مرة واحدة. على أنها انهارت عام 2011 عندما انتقلت من ذلك الفريق إلى نقيضه وهو قوى 8 آذار التي أمسكت بالأكثرية المطلقة. وخلافاً للسنيورة والحريري اللذين تزعمّا الغالبية النيابية، ففرضت هذه تكليفهما عملاً بالأصول الدستورية، ولم يكن في وسع الأقلية إنكار هذا الحقّ، كلفت الأكثرية الجديدة ميقاتي من غير أن يكون في صفوفها، ولا كان قبلاً حليفاً سياسياً لقوى 14 آذار. إلا أن تكليفه بات الآن أقوى من التفويض الذي منحته إياه قوى 8 آذار، ولا تستطيع دستورياً تجريده منه بحمله على الاعتذار، ولا التخلي عنه سياسياً وقد أضحى بديل نفسه.

Script executed in 0.042187929153442