أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

بانوراما كسروانية: منطقة لا تجدد في زعاماتها ولا أحزابها

الخميس 07 نيسان , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,356 زائر

بانوراما كسروانية: منطقة لا تجدد في زعاماتها ولا أحزابها

هذه العهدة والحماية هي بطبيعة الحال مجازية. لكن الكلام يحمل في طياته بعضا من واقع الحال والمشاعر. فالبطريرك الماروني يقيم في بكركي شتاء منذ سنة 1823 بعد أن أجبرته الاضطهادات على التنقل المتكرر. استقرت البطريركية أخيرا في قلب الجبل اللبناني الشمالي. وفي القضاء الوحيد ذات الارجحية المارونية المطلقة، خصوصا بعد ان شهد الحضور الماروني ضمورا من اقصى الجنوب الى اقصى الشمال في السنوات الثلاثين الاخيرة، ولولا اوقاف الكنيسة في بعض البلدات والقرى لأمكن القول ان مناطق معينة خلت من اي وجود مسيحي فيها.
البطريركية اذا في حمى كسروان «مجازا». لكن كسروان في حمى البطريركية واقعا وحقيقة. فتأثير الكنيسة على الحياة السياسة وحتى الاجتماعية يبرز في اكثر تجلياته في هذه المنطقة. لذا يبدو مفهوما الصراع على حضن بكركي واحتضانها سياسيا.
لكن ما يصح عن تداول السلطة في بكركي والكنيسة لا يصلح في مقارنة واقع الحال الكسرواني. فاذا كانت الكنيسة تُعد الاكليروس من «الابتداء» ويتدرجون وصولا الى اعلى المراتب، فان كسروان لم تفرز قيادات جديدة منذ زمن بعيد. حتى الاحزاب فيها عجزت عن تقديم وجوه لامعة تستقطب وتشكل حالة. لذا بقي التنافس ضمن الزعامات المحلية التي ترتفع اسهمها وتنخفض بحسب التحالفات والظروف والعهود.
لكن ترشح العماد ميشال عون شخصيا في هذا القضاء قلب الكثير من الموازين. وجعل «الاساطيل الايرانية والسعودية» تشارك في المعارك الانتخابية الكسروانية. فكأن «تسونامي» الـ2005 والربح الصعب في الـ2009. فكيف ستكون الحال في الـ2013؟
يبدو للبعض هذا السؤال سابقا لاوانه. لكن من يتابع حركة المرشحين الكسروانيين الجديين يكتشف ان المعركة بدأت، ومن يشكك ما عليه الا مراجعة مكاتب الاحصاءات التي قامت في الاشهر الاخيرة بثلاثة احصاءات بطلب معنيين كان آخرها اواخر الشهر الماضي.
في هذا الاحصاء، الذي رفض معده اعلانه بتفصيله احتراما لخصوصية طالبه، تبين ان فريد هيكل الخازن يحل اولا يليه زياد بارود ونعمت افرام ومنصور البون وميشال عون في المرتبة الخامسة.
بعيدا عن الجزم او التشكيك في دقة الاحصاء وظروفه، الا انه يشكل منطلقا لتشريح واقع المنطقة ومرشحيها.
لا يفيد «التيار الوطني الحر» انكار عجز نوابه عن جذب جمهور كسرواني جديد، ناهيك عن اقصاء بعض من جمهور التيار. فليس هنالك «كتلة نواب كسروان». الارض توالي او تخاصم: ميشال عون... و«الجنرال» مشغول بما هو اهم من طريق حراجل، ومجرى وادي حنتوش في جونية.
اما واقع نوابه فيمكن اختصاره بالآتي. الدكتور فريد الياس الخازن يحاول العمل على طريقته. اسس «جمعية مبادرات للانماء» وهي تشبهه الى حد بعيد. تنظم المؤتمرات والندوات وتكرّم اعلاما وشخصيات محترمة. لكنها غير معنية بهموم الناس اليومية مباشرة. اما محاولاتها «تفعيل العمل الاهلي في المجتمع المدني» فيبقى اقرب الى درس اكاديمي جامعي.
النائب نعمة الله ابي نصر ينشط في محيطه. انصاره لا يزيدون ولا ينقصون. هو يقدرهم بالآلاف وخصومه يجزمون بانهم لا يتجاوزون الخمسمئة صوت. ويبدو ارباكه في السياسة كبيرا. يقول «هم» عند الحديث «عمن خربوا البلد». والـ«هم» ملتبسة ومربكة وقد تطال الجميع. ولا يرتاح الا عند الحديث عن ملفه الاثير: التجنيس. فهنا يمكن ان يسترسل ليحمّل فريقا وجهة، مسؤولية ما يسميه «الخلل الديموغرافي» في البلد.
النائب جيلبرت زوين حفيدة «الاسد اللبناني» كما كان يلقب جورج بيك زوين، اختارت ان تكون مع «اسد المسيحيين» ميشال عون كما قالت عنه عشية انتخابات 2009. واوكلت مطمئنة «للاسدين» العناية بشؤون «الغابة» الكسروانية منصرفة الى «حديقتها» الخاصة.
النائب يوسف خليل لا يزال يستخدم سماعته ومبضعه في السياسة. لم يدع حجما اكبر منه. يستند الى سماعته وعائلته الكبيرة التي لا يبدو انها في المرة المقبلة ستكون ملتفة حوله خصوصا ان من بينها شباب كثر كفوئين.
اما «الجنرال» فلا يمكن الزعم ان شعبيته في افضل احوالها. لا يعني ذلك ان الامر سيبقى كذلك حتى العام 2013. لكن العصب اليوم مفقود. والتراجع لا يحتاج الى احصاءات لتلمسه. العتب في السياسة والنيابة. لكنه عند كثيرين «عتب المحب» الذي يحتاج الى ترميم. وعند آخرين»عتب المخدوع» بخطاب لم يجد ترجمته على ارض الواقع.
هذا في واقع النواب الحاليين حيث يبدو بعضا من النواب السابقين اكثر منهم نشاطا وفاعلية على الصعيد المحلي.
فبالامس جدد آل الخازن التفافهم حول نسيبهم فريد هيكل. وعلى الرغم من الاخراج اللائق لموضوع حراسة الانتخابات البطريركية، الا انه ظهر ان لفريد هيكل ارجحية كبيرة وسط عائلته. وهو يرتكز الى ما قبل هذا التاريخ ليؤكد هذه الارجحية حين اعلن النائب الراحل الياس الخازن من منزله تبنيه لترشيح فريد للانتخابات النيابية. صحيح ان الناخبين الخازنيين لا يتجاوزون الـ300 ناخب لكنها من العائلات ذات التأثير الكسرواني التي لم تغب عن اي مجلس نيابي، باستثناء مجلس 1960.
يتمسك فريد بـ«التقليد» الكنسي في أدق تفاصيله. وبعد تنصيب البطريرك، نظّم وفدا كسروانيا كبيرا لزيارة بكركي. بالتأكيد ليست التهنئة السبب الوحيد للحشد. هي مناسبة لـ«عرض العضلات» لمن يهمه الامر ما بين حدود النهرين، نهر ابراهيم ونهر الكلب. كما انها صورة حاشدة لمن له عينان ترى خارج الحدود الكسروانية. فحشد الكسروانيين ليس بالامر اليسير على الاحزاب، فكيف على الافراد؟
ويروي خازني من كفرذبيان من مناصري فريد هيكل انه راهن نسيبه الخازني الآخر، وهو من «التيار الوطني الحر» على ان السيارات التي ستنطلق من كفرذبيان لتهنئة البطريرك ستتجاوز المئة سيارة. وقال الاول ان لم تبلغ هذا العدد سأدفع لك عشرة الآف دولار. اما اذا حصل فانك ستترك «التيار». ويوم الحشد وقف الاثنان يعدان السيارات التي بلغت بحسب الاول 148 سيارة. وهو ينتظر من نسيبه وجاره ان يفي بوعده وأن يترك «التيار».
يبتسم فريد هيكل لمن ينقل اليه الرواية. ويعلق «الاثنان من عظام الرقبة». لكنه لا يكتفي بعلاقاته الكسروانية. ينسج علاقات على امتداد الخارطة اللبنانية و...ابعد. فهو اول من دعا السفير السوري في لبنان علي عبد الكريم علي الى دارته في القليعات. لم يفعل ذلك سرا بل بكل ثقة. وهو امر لو فعله اي من نواب «التغيير والاصلاح» مثلا، لاهتزت جونيه من صخب بحرها. لكن لـ«الشيخ» خصوصية الزعامة المحلية التي يبرر لها جمهورها «سياستها» و«حنكتها».
والنائب السابق منصور غانم البون من الزعامات المحلية المشهورة ايضا بحنكتها وظرفها. ليس زعامة «part time» اي بدوام جزئي كما يغمز هو من قناة البعض. لا يتوقف عن نسج العلاقات والخدمات. وعلى الرغم من وجوده في «14 آذار»، الا ان ذلك لم يمنعه من الاتصال بالعماد عون بعد ازمته الصحية الأخيرة للاطمئنان عليه. وتبقى بكركي بالنسبة اليه «ال» مرجعية. كانت في ايام البطريرك نصرالله صفير محجته الدائمة. وقد خصّه صفير بزيارة الى منزله وسمّاه «حبيب الشعب». وهو يراهن على علاقات وطيدة مع البطريرك الجديد.
فارس بويز من الشخصيات التي لها حضورها الكسرواني. لكنه لا يبدو شديد الاهتمام بالتفاصيل المحلية. يتابع ما يجري في العالم ويجول فيه من بلد الى آخر في ما يشبه شبه اجازة من السياسة. يطل بين وقت وآخر. يسجل موقفا او يبدي رأيا ويعود الى جولاته... في انتظار «الاستحقاقات».
على الرغم من الكفاءات المتنوعة في هذا القضاء، لم تفرز كسروان نخبا وقيادات جديدة باستثناء اسمين: زياد بارود ونعمت افرام.
لزياد مكانة خاصة عند الكسروانيين، كما عند اللبنانيين عموما. يقدرون كفاءته ونزاهته وشفافيته. يحترمون فيه الشاب العصامي، «ابن البيت» الذي لم تفسده السياسة ومغرياتها. لكن هل ينتخب الكسروانيون بارود في يوم الانتخابات؟ هل يمكنهم تقبله على لائحة حزب او زعامة محلية؟ الا تسقط كل الصورة التي بناها؟ ومن اين يأتي باربعة اسماء تشبهه الى حد ما من خارج هذين المعقلين ليشكلوا معا لائحة؟
قد يبدو اسم نعمت افرام منسجما مع اسم زياد بارود. فالشاب وريث جورج افرام «الآدمي» والخدوم بصمت، والمحب بشكل استثنائي لمنطقته.
ونعمت من الشباب النشيطين والقريبين من الناس والمحترمين. لكنه حتى اليوم متردد في الانخراط في الشأن السياسي. ينشط في الحقل العام، والاكيد انه لم يتخل عن «الخميرة الشعبية» التي كوّنها جورج افرام لكنه لا يعمل على مضاعفتها. اقله ليس في المباشر.
ومن الاسماء الجديدة وسام بارودي، صهر رئيس الجمهورية ميشال سليمان. وهذه المصاهرة هي نقطة ضعف وقوة في الوقت نفسه لهذا الشاب الطموح. فلولاها لما تم تسهيل فتح الابواب له. وفي الوقت نفسه، هي ما يراعيه في اي موقف او سلوك. ينشط بارودي في تقديم الخدمات. ينسج علاقات مع عدد من مؤسسات المجتمع الاهلي الكسرواني خصوصا الشباب منهم. يشارك في المناسبات الاجتماعية ويخدم افرادا ومناطق. لكن تبقى نقطة قوته هي نفسها نقطة ضعفه: هو صهر الرئيس.
ويبقى حزبا «الكتائب» و«القوات». وعلى الرغم من تفوق عددي لـ«القوات» على «الكتائب» الا ان واقعهما متشابه. فلا يزيدان او يتراجعان الا بنسب قليلة. والحزبان لم يفرزا قيادات ووجوه مناطقية جديدة، مع تسجيل ملاحظة مفادها ان الوزير سليم الصايغ اعاد نقل نفوسه الى مسقط رأسه الكسرواني في منطقة «حياطه» في فتوح كسروان.
ويقول مفتاح كسرواني عتيق ان الاحزاب في كسروان امام خيارين «اما ان يعتبروا انفسهم ضيوفا في المنطقة ولهذا سلوك وواجبات، واما ان يتصرفوا على اساس انهم اهل الدار ونحن ضيوف عندهم ولهذا السلوك استحقاقات ومترتبات. العصب المسيحي في كسروان مرتفع. وقد تتحزب الناس يوم الانتخاب لصالح هذا او ذاك لكن في اليوم التالي يعود الجميع لانتقاد كل الاحزاب».

Script executed in 0.039142847061157