أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

اللبنانيون في ساحل العاج يشربون مياه المكيفات

الجمعة 08 نيسان , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 5,993 زائر

اللبنانيون في ساحل العاج يشربون مياه المكيفات
منذ اللحظة التي رأى فيها احد العائدين من أبيدجان، طفله ينتظره على يدي زوجته في مطار بيروت، حتى تسمرت قدماه في الأرض. الابتسامة البريئة كانت كفيلة بأن تزيل عنه مشاهد الموت والدمار التي تراءت أمامه لأيام عشرة مضت. حمله وهو يحدق به طويلا، متلمسا انحاء جسده كأنه في حلم «قد تحقق» يقول محمد.
المشهد لم يتغير لليوم الثاني في المطار. دموع الفرح برؤية العائدين، لم تفارق وجه احد من أهاليهم. هم جاؤوا من مختلف المناطق. اجتمعوا في قاعة واحدة والحرقة تملأ قلوبهم، منتظرين أحبة، كانوا أسرى عصابات الموت التي لاحقتهم من مكان الى آخر.
امس أيضا وصلت طائرة تابعة لشركة طيران الشرق الأوسط، الى مطار رفيق الحريري، آتية من أكرا، وعلى متنها 176 لبنانيا هربوا من أبيدجان عن طريق القوة الفرنسية.
الصدمة مازالت تسيطر على محمد صايغ، فرحلة العودة الى لبنان استغرقت حوالي أربعة أيام مذ خروجه من القاعدة الفرنسة، قضاها متنقلا ما بين اللومي وغانا. فالوصول الى بيروت بالنسبة له كان بمثابة حلم راوده طول فترة مكوثه في القاعدة، بعد أن كاد اليأس يتسرب اليه. فهمجية العصابات التي عاثت فسادا لم تقتصر على رزقه فقط بل شملت إخوته الذين سرقت شاحناتهم أيضا، لتكتمل المصيبة وتصبح جامعة».
بدورها لم تقرر خديجة خشمان، ترك منزلها مع زوجها وابنتها هناك، ومن ثم اللجوء الى الثكنة العسكرية للفرنسيين، إلا بعد أن تفاجأت باللصوص ورجال العصابات يقتحمون المبنى الذي تقطن فيه. وأضافت بعدما «عجزوا عن الدخول الى شقتي بعد أن أوصدنا الأبواب، بدأوا يتسلقون الجدران، حتى وصلوا إلينا عبر النوافذ».
وتروي خديجة لحظات الرعب التي عاشتها مع ابنتها ( 16 عاما) التي أصيبت بانهيار عصبي بعد رؤيتها للصوص داخل المنزل. فاستغلت خديجة انشغالهم، بتفكيك أثاث المنزل وخصوصا المكيفات، وبادرت الى الاتصال سريعا بالقوات الفرنسية، التي عملت على إخراجهم من المنزل، حيث تركت اللصوص الذين قالوا لها وهي خارجة، «اذهبوا انتم ونحن سنقوم بعملنا».
لم تأبه خديجة للنكبة التي حلت بها وبعائلتها، والتي لم تقتصر على سرقة منزلها، بل طالت معمل البلاستيك، لزوجها، فجل اهتمامها كان منصبا على الخروج من أبيدجان، غير آبهة بالخسائر المادية». ورغم إشادتها باستضافة الفرنســيين خلال الأيام الخمسة التي قضتها بالقاعدة، إلا أنها آثرت الرحيل، مع العائلة على متن طائرة عسكرية فرنسية، الى اللومي، وهي تحمل في ذاكرتها رغم المصائب ذكرى حسنة عن الجالية اللبنانية، هناك، والتي أحسنت استقبالهم، في البيت اللبناني التابع للجالية، فضلا عن قيامهم بحجز احد الفنادق لنا على نفقتهم الخاصة».
في المقابل، تكبر معاناة اللبنانيين، الذين يقضون أياما عصيبة في ابيدجان والضواحي القريبة، فالحصار يشتد عليهم، ومقومات صمودهم الأساسية كالماء والطعام، أوشكت على النفاد. ينتظر فادي غريب، الذي يقيم قرب المبنى الرئاسي، للرئيس المنتهية ولايته لوران غباغبو، مع أخيه وزوجتيهما وأطفالهما الأربعة، فرج السماء، بعد أن عاشوا أمس الأول ليلة عصيبة من القصف بمدافع الهاون على المنطقة».
هم محاصرون منذ أسبوع تقريبا ولا احد بإمكانه الوصول إليهم لخطورة الأوضاع الأمنية وخصوصا القناصة الذين قد يصطادون أي شخص يخرج الى الشارع.
ما يقصم ظهر فادي هو أطفال أخيه، الذي لا يجدون حليبا يسدون به رمقهم، إضافة الى الخبز الذي نفد منهم بدوره، فباتوا يكتفون بوجبة واحدة في اليوم، توفيرا للطعام للأطفال أولا». فادي لا يحمل المسؤولية لأحد، مقدرا ظروف من لم يستطيعوا مساعدتهم خصوصا السفارة اللبنانية. وفقا له، فإن الطرف الوحيد القادر على المساعدة هو الجيش الفرنسي، مستشهدا بعملية إنقاذ السفير الفرنسي أمس الأول».
بدورها اختارت سهير رميتي، المجازفة بحياتها مع أطفالها الأربعة، الخروج بقافلة سيارات، من ماركوري مع حوالي 15 عائلة، بالرغم من خطورة الطرقات الخالية إلا من المسلحين ورجال الشوارع، والتوجه الى القاعدة الفرنسية حيث ينتظرها زوجها. قرارها هذا مرده الى الرعب الذي عاشته، خلال بقائها في المنزل حيث كانت تفتقر الى الأمان ولم تعد تطلب سواه.
سهير كانت الوحيدة من أفراد القافلة، التي سمح لها بالدخول الى القاعدة، فيما رفض الفرنسيون إدخال بقية اللبنانيين، الذي اضطروا لافتراش الأرض في انتظار أن يرأفوا بهم وبأطفالهم الذين، قد يبيتون في العراء، دون حماية من احد، معرضين لان يكونوا فريسة سهلة للمسلحين والعصابات على حد سواء».
ويتقاسم ميلاد ويزاني، الذي يقيم في مبنى مؤلف من 24 طبقة بمنطقة «البلاتو»، المأساة مع جيرانه. المياه مقطوعة عنهم منذ السبت الماضي، ويقومون باستخدام مياه المكيفات. ويشير الى أن الجالية بالتعاون مع السفارة اللبنانية، ارسلت لهم منذ يومين بعضا من الماء والطعام، لكنه غير كاف مقارنة مع عدد سكان المبنى البالغ حوالي مئة شخص، واغلبهم يجهلون ما حل بمصالحهم».
بدوره يؤكد السفير اللبناني في ساحل العاج علي عجمي، ان المياه مقطوعة عن معظم احياء العاصمة منذ ثلاثة ايام، كما أن الطعام المتبقي عند اللبنانيين في طريقه الى النفاد»، موضحا لـ«السفير» أن «السفارة بالتعاون مع الجالية ومع لجنة الطوارئ عملت أمس على تأمين شاحنة طحين لأحد الأفران لصناعة الخبز وتوزيعه على المحتاجين». وبشأن اللبنانيين أمام القاعدة الفرنسية، قال عجمي «إن الاتصالات جارية على أعلى المستويات في لبنان وباريس لحل هذه المسألة».
من جهة ثانية، أكد يوسف حمزة، الذي يتابع شؤون اللبنانيين الراغبين بالعودة الى لبنان أن «القوات الفرنسية الموجودة في ارض مطار ابيدجان سمحت لشركات طيران الميدل ايست الهبوط في المطار، لكن شركات التأمين العالمية، رفضت تغطيتها».
تجدر الأشارة الى انه كان في استقبال العائدين، في مطار بيروت، أمس، النائب علي بزي، مدير عام المغتربين هيثم جمعة، مدير المنظمات الدولية في وزارة الخارجية والمغتربين السفير محمد الحجار، السفير منصور عبدالله، إضافة الى حشد من ذوي المغتربين اللبنانيين العائدين من ابيدجان.
وشدد جعمة، على «ضرورة العمل من قبل كل الجهات الرسمية والقيام بأوسع اتصالات من اجل مساعدة ابناء الجالية اللبنانية في ساحل العاج».
بدوره اعتبر النائب بزي ان الجالية اللبنانية في ساحل العاج تشكل رافعة لكل لبنان، ولم يكن بالإمكان إجلاء اللبنانيين من ساحل العاج لولا سلسلة الإتصالات التي قام بها بعض المسؤولين اللبنانيين».
وقد غادر على متن الطائرة نفسها الى أكرا الوفد الرسمي اللبناني الذي يضم جمعة وعددا من السفراء والمستشارين في وزارة الخارجية والمغتربين للبقاء على تواصل مع ابناء الجالية في ابيدجان ومتابعة احتياجاتهم.
واعلنت وزارة الخارجية أن «طائرة تابعة لشركة طيران الشرق الاوسط (رقم الرحلة 572) تصل فجر اليوم الى مطار رفيق الحريري الدولي ـ بيروت، آتية من آكرا وعلى متنها لبنانيون تم إجلاؤهم من ساحل العاج وسيكون في استقبالهم وفد من الوزارة».
وفي سياق متصل أعلن رئيس الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم احمد ناصر، «انه أجرى اتصالات بكل من رئيس مجلس النواب نبيه بري، رئيس المجلس القاري الافريقي في الجامعة نجيب زهر، الذي ابلغه أن هناك نحو 700 لبناني في مطار العاصمة العاجية، كانوا قد استغلوا فترة الهدوء وفروا الى المطار آملين بالتوجه منه الى لبنان بعد قيام طائرات الميدل ايست بنقل العديد منهم الى بيروت».
وأضاف «ان هؤلاء لا يستطيعون مغادرة المطار رغم ان القوات الفرنسية الموجودة اكدت ان المطار آمن وتستطيع طائرات الميدل ايست الهبوط فيه شرط ان تتزود بالوقود من اكرا عاصمة غانا». وشدد على «ان رئيس شركة الميدل ايست محمد الحوت ابدى استعداد الشركة لتوجه طائراتها الى غانا ومنها الى ساحل العاج في حال وافقت شركات التأمين العالمية على تغطية رحلاتها».

Script executed in 0.041887998580933