أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الاحتراب على الأبواب دائماً

الأربعاء 13 نيسان , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,071 زائر

الاحتراب على الأبواب دائماً

الشعار في ذاته مغر للمشاهد، ولكن التفكير مرة أخرى يفيد بأن الحملة ضد السلاح هي تحديداً جزء من تحريض طائفي يصبّ في إطار استنهاض طوائف ضد أخرى، وبالتالي المزيد من النزاع الأهلي الداخلي. إنها الاستفادة من ذكرى الحرب الأهلية لمراكمة عوامل الحرب الأهلية المسلحة المقبلة، التي ستأتي حتماً في يوم قريب أو بعيد.
كأنما هو قدر عبثي أن تقف البلاد دائماً على الحافة، أو على حبل رفيع يمثّل هدوءاً أمنياً نسبياً، يمنع تطويرها وتحسين مستوى الحياة فيها، ويسمح لها باستيعاب التعليم والثقافة لا بوصفهما منتجات استهلاكية سريعة، بل استيعابهما بتحويلهما إلى جزء من الحياة العامة في لبنان، ومكرّسة لدى القاطنين في هذه الأرض الضيقة.
من جهة يسير البلد على الخيط الفاصل بين الحرب المسلحة، ومن جهة أخرى هو يعيش الحرب الباردة، وتتنازع مذاهبه عبر ممثليها السياسيين والدينيين السلطة والمكتسبات الهزيلة.
أشد القوى التي تتحدث عن إسقاط السلاح، كتيار المستقبل والقوات اللبنانية وغيرهما من فصائل 14 آذار وشخصياتها، هي نفسها من تراهن على تغييرات عنفية تسمح لها بقيادة البلاد، حتى من دون أن تملك أي مشروع لإدارة البلاد أو حتى حكمها. وهي لم تمانع في الماضي مراكمة أسباب خوض الحرب الأهلية ضد حزب الله، كمثل تيار المستقبل حين أغرق البلاد بالمتفرغين في الشركات الأمنية المعدّين لمواجهة حزب الله، أو القوات التي جهّزت خمسة آلاف إلى عشرة آلاف مقاتل مطالبة الأميركيين بإمدادها بالسلاح عبر البحر (راجع وثائق ويكيليكس عن رئيس الهيئة التنفيذيّة في القوات اللبنانية)، إلى آخر قوة كانت تنظّر للقوات الإسرائيلية وتنتقد الجيش الإسرائيلي لقصوره عن احتلال مواقع في لبنان وإنهاء أسباب قوة حزب الله، ما كان سيسمح لهذه القوى بالسيطرة السياسية على البلاد رغم أنف أكثر من نصف اللبنانيين.
وعلى كل المقالب في البلاد، وفي كل المناطق، فإن القاطنين على هذه الأرض يبدون شديدي التعلق بآمال الحرب الأهلية، التي وحدها يمكنها أن تنصرهم على الآخرين، أياً كان هؤلاء. والنزعة إلى تذكر تاريخ بداية الحرب الأهلية التي مضى على نهايتها أكثر من عشرين عاماً، هي ببساطة ناتجة من وقوفنا الدائم على أبوابها، ولأننا نعيشها ولكن ببرودة.
القوى المناهضة للحرب وتلك التي تدعو إلى تغيير النظام الطائفي بصفته المسبّب الدائم للنزاعات الأهلية تظهر كأنها مستوردة من الخارج، بكميات مقننة، ولا يجديها كثيراً التزامها بالحق الأخلاقي الذي تصوغ خطابها على أساسه، بل يبدو الحق الأخلاقي والمفاهيم الحديثة عاجزين عن التفاعل مع جمهور اللبنانيين ومع طوائفهم، اللهم إلا إذا أتت متوافقة مع مصالح أحد الأطراف الطائفية.
وتزداد حالة انكماش التفاعل بين اللبنانيين. وكل مرة يبدون نبذهم للحرب والسلاح والعنف، ويطلقون الشعارات ضد العودة إلى الحرب الأهلية، يقتربون أكثر من تكرار مأساة لم تنتج إلا خسائر. فلا المسيحيون ربحوا من حرب استمرت عقداً ونصف عقد، ولا الشيعة حصلوا بعد الحرب على أكثر مما كان يمكنهم تحقيقه سلماً خلال تلك الأعوام، ولكن الشغف بالعزلة في مناطق ذات صفاء طائفي وانغلاق في التعامل مع أبناء المذهب الواحد يزداد كل يوم.
ويرث الجيل الشاب النزعات المذهبية مقرونة بالعنف، بينما يسمع الخطاب السياسي المبطّن الذي كان في الماضي القريب يكرر مقولات الوحدة الوطنية الجاهزة، وبات اليوم أقرب إلى التخلي حتى عن ورقة التوت في التحريض على الآخر، فيتفاعل هذا الجيل الشاب في مدارسه وجامعاته وفي الشارع مع الخطاب المذهبي أكثر بما لا يقاس من تفاعله مع مفاهيم الحداثة والثورة العربية المنطلقة حديثاً في توقها للتحرر.
وسواء بين قوى 14 آذار أو بين قوى الثامن منه، يبرز القلق المسيحي في كل وقت. الأعداد السكانية تتراجع، وجوهر النظام قائم على التقاسم الحصصي، وفي يوم قد يكون قريباً أو بعيداً سيصحو المسلمون من نزاعات جانبية ويطالبون بأن تتحول الحصص إلى 25% للمسيحيين، ويصرّ المسيحيون على أن النظام الحالي هو الأفضل، ولا يتمكن العلمانيون من إقناعهم بأن إلغاء الطائفية دواء فعّال للقلق، بل على العكس، وتبقى المذاهب الأخرى تشعر بغبن متنوّع المصادر.
الله يستر.

Script executed in 0.19141292572021