أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

هكذا قضم السنيورة وظائف الدولة

السبت 16 نيسان , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,090 زائر

هكذا قضم السنيورة وظائف الدولة

أعدّ ديوان المحاسبة دراسة عن دور المصارف في إعادة هيكلة وزارة المال بعنوان «تحصيل الأموال العمومية بواسطة المؤسسات الخاصة والمركز الآلي». الدراسة تتضمن نقداً لاذعاً لوزارة المال، قانونياً ومالياً، وهي تلمّح إلى وجود خطّة منهجية لتدمير الدولة... فالخدمات التي تقدمها المصارف إلى المكلف، بدأت في 1997 بصورة غير حصرية وغير إلزامية، ثم تطوّرت باتجاه الحصرية والإلزامية تدريجاً، وباتت بديلاً عن صناديق الخزينة رغم مخاطرها

محمد وهبة

لم يكن وزير الدولة للشؤون المالية سابقاً، فؤاد السنيورة، يحتاج إلى سبب أو ذريعة لإحلال المصارف في وظائف يفترض أنها «سيادية» تؤدّيها الدولة بهدف تحصيل الأموال العمومية. لكن الأمر بدأ على يديه عام 1997واستمر إلى اليوم. فبحسب دراسة أعدّها ديوان المحاسبة في تقريره السنوي عن الأعوام 2006 ـــــ 2008، أصبحت حصّة تحصيل الأموال العمومية عبر المصارف من مجمل المبالغ المقبوضة لمصلحة الخزينة توازي 44% عام 2007، ولم تسهم هذه العلاقة في زيادة التحصيلات الضريبية، فيما تكبّد المكلّف أضراراً هائلة وأعباءً إضافية...

أما شكل العلاقة بين الدولة والمصارف، وتنظيم دقائق تفاصيلها، فلم يكن له أيّ سند قانوني، ولم يلحظ إمكان ارتكاب الأخطاء، ولا طرق تصحيحها. إنها فوضى منظّمة أطاحت جزءاً أساسياً من وظائف وزارة المال.

علاقة بلا تفاهم

تقول دراسة ديوان المحاسبة التي أُعدّت بعنوان «تحصيل الأموال العمومية بواسطة المؤسسات الخاصة والمركز الآلي»، إن علاقة وزارة المال والمصارف الخاصة بتحصيل الأموال العمومية وإدارتها، غير مبنية على أي صيغة قانونية، فقد تبيّن لها «عدم وجود بروتوكول أو تفاهم مكتوب بين وزارة المال وجمعية المصارف، أو أي مستند خطي، يمكن أن يثبت صيغة التفاهم القائم بين الفريقين منذ ما قبل عام 1997».
بعد التدقيق، تمكّن الديوان من تجميع الصورة؛ فالوقائع، تؤكّد أن الأسس التنظيمية للعلاقة بين المصارف والوحدات المختصة في الوزارة، وضعتها لجان مشتركة حدّدت القواعد والأصول التي ستعتمدها المصارف في قبض مبالغ لمصلحة الخزينة وإعادة تحويلها إليها... لكن «ما جرى التوصل إليه لا يمكن اعتباره بمثابة اتفاقية أو بروتوكول، فهو يقتصر على تفاهم غير دقيق وغير مكتوب وغير موقع وغير ملزم لجميع المصارف، ولم يرتقب لا وقوع الأخطاء المحتملة، وخاصةً خلال المرحلة التطبيقية الأولى، ولا كيفية معالجتها».
في ظل هذا الواقع، بدأت عملية تدريجية لترسيخ حصرية وإلزامية الدفع بواسطة المصارف؛
في البدء كان الدفع بواسطة المصارف يشمل الضرائب والرسوم التي تُستوفى بموجب «أمر قبض»، ومنها: الرسوم العقارية، رسوم التراخيص الخاصة، رسوم التسجيل، الرسوم القضائية، رسوم تسوية مخالفات البناء، ورسوم الانتقال، إضافةً إلى ضرائب الدخل المستوفاة بموجب إشعار الدفع المسبق، من شركات الأموال... فضلاً عن تنظيم واستيفاء رسوم السير وتوريدها إلى الخزينة بواسطة المصارف، ولاحقاً، أُدخلت الضريبة على القيمة المضافة الرقم 379.
حتى عام 2001 لم يكن قد صدر ما يشير إلى إلزامية أو حصرية المصارف في القبض، لكن في نيسان 2002، حُدّدت دقائق تطبيق قانون الضريبة على القيمة المضافة، على النحو الآتي: «يقوم الخاضع للضريبة أو من ينتدبه باختيار أحد فروع المصارف لدفع الضريبة المستحقة... لسداد الضريبة عبر المصارف». وفي قانون موازنة عام 2004، جرى التعبير عن حصرية المصارف صراحة، بإضافة كلمة فقط لتصبح «تسدّد الضريبة فقط لدى أيّ من المصارف...».
المفارقة أن قانون المحاسبة العمومية حصر تحصيل الضرائب والرسوم ومختلف الواردات العمومية (بما فيها ضريبة القيمة المضافة)، بالخزينة وبالمحتسب ومعاونيه، إلّا أن مديرية الخزينة تعاملت مع الأمر على أساس إلزامية اعتماد المصارف وحصريتها لدفع هذه الضريبة، «فلم تستعد صناديقها للاستيفاء، واقتصر جهد الخزينة على تخصيص صندوق واحد لحالتين استثنائيتين: قبض الضريبة المستحقة على الإدارات العامة التي لم تفتح لها في الموازنة العامة اعتمادات تسمح بدفع العمولات التي تستوفيها المصارف، وقبض الضريبة خلال أوقات الذروة حين يصعب أو يتعذّر على صناديق المصارف استقبال أو استيعاب كافة المعاملات.

خطّة منهجية

تلمّح دراسة الديوان إلى وجود خطّة منهجية يمكن رؤيتها من خلال التطوّر التدريجي في إلزامية المصارف وحصريتها في تحصيل الأموال العمومية. فهذا الأمر سمح للمصارف بتدريب موظفيها على إجراء معاملات ذات طبيعة خاصة مختلفة عن المعاملات المصرفية العادية، وأتاح لها رصد ومعالجة الإشكالات التطبيقية التي يمكن أن تنتج منها.
ومن أبرز مجريات الأمور حينها، أن المصارف «أُعفيت من المسؤولية عن صحّة المعلومات الواردة على أمر القبض أو الإشعار بالدفع المسبق، وعن صحة التواقيع والمبالغ المفصلة والمدرجة، وعن أي تزوير قد يحصل خارج المصرف، ما يثير أسئلة عن إمكان تزوير إيصالات المصارف، على تعدّدها وتعدد فروعها...».
وبالنسبة إلى تحصيل رسوم السير، فإن أبرز الإشكاليات هي تلك المتعلقة باستيفاء الرسم نفسه أكثر من مرّة واحدة، لأن إثبات استيفاء الرسم يتأخر إلى حين ورود المستندات من المصرف إلى وزارة المال مع البيانات بالمبالغ المستوفاة منها. وينسحب هذا الأمر على عملية تصحيح الأخطاء أو التأخر في التسديد... أي إن المصرف يمكن أن يقبل تنفيذ معاملات غير صحيحة أو غير دقيقة أو غير مكتملة، خلافاً للتعامل بين أمين صندوق الخزينة، والمكلف. وبالتالي باتت «إجراءات القبض بواسطة المصارف تتيح تنفيذ عمليات تشتمل على أخطاء تُكتشف لاحقاً من دون إمكان تحميل موظفي المصرف أية مسؤولية عن الأخطاء».

ملاحظات مدير المالية

تلفت الدراسة، إلى أن النتائج الأولية لهذه العلاقة جاءت في مضمون الكتب التي وجّهها المدير العام لوزارة المال، ألان بيفاني، إلى جمعية مصارف لبنان. فهي تلخص ارتكاب المصارف أخطاءً عديدة تستوجب لفت نظرهم إلى11خطوة يجب مراعاتها. فبنتيجة الأخطاء الحاصلة، «على موظّف المصرف التمييز بين ما يمكنه وما لا يمكنه قبضه من ضرائب ورسوم، وأن تتوافر لديه خبرة معينة في المستندات العائدة إلى المعاملات الضريبية، وأن يقوم بنوع من التدقيق في المعاملات».
وبنتيجة الحصيلة النهائية لحلول المصارف بدلاً من الدولة في تحصيل الأموال العمومية، فإن نسبة العمليات بواسطة المصارف ارتفعت من 19% في 1998 إلى 33% في 2007. أما من حيث القيمة، فقد كانت قيمة المبالغ المحصّلة عبر المصارف في 1998 تبلغ نحو 150 مليار ليرة (6% من قيمة المبالغ المقبوضة عبر الخزينة)، وارتفعت إلى 1903 مليارات ليرة (77% من قيمة المبالغ المقبوضة عبر الخزينة).
وأوضحت الدراسة أنّ ملاحظات الديوان تنحصر في الآتي:
ـــ جاءت العلاقة بين المصارف والوزارة، مبنيّة على لجان مشتركة، وعلى تعميم لوزير المال؛ لكنْ كلاهما لم يأخذ بالاعتبار مسألة مرور المال العام في حسابات المصارف الخاصة، فلم تنظّم الوساطة ولم توضع ضوابط لحساباتها، ولم يؤخذ بمسألة الرقابة على حيازة المال العام.
ـــــ لا يقتصر تدخل المصرف على القبض وإصدار الإيصال بالمبلغ المقبوض فقط، بل أيضاً في تسلّم وحفظ وتداول مستندات تعود إلى الإدارة.
ـــــ يكبّد المكلّف أعباءً إضافية بسبب الانتقال من المصرف إلى وزارة المال، والعودة إلى المصرف فيكون، قد انتفى بذلك، مبرر «تجنيب المواطن عناء الانتقال إلى صناديق الخزينة، الذي استند إليه وزير المال لإصدار التعميم الخاص بالعلاقة بين المصارف ووزارة المال».
ـــــ لم تخصص المصارف «شبابيك خاصة» لهذا النوع من المعاملات، ما يضطر الزبون والمكلف بالرسوم والضرائب، إلى قضاء وقت طويل لإنجاز معاملاتهم.
ـــــ لا يفترض أن تستوفي المصارف أي عمولة على معاملات المكلفين بالضريبة، فيما هي فرضت عليهم هذا الأمر مخالفةً بذلك القانون الذي سمح وأوجب لاحقاً الدفع بواسطة المصارف. علماً بأن المصارف تجد أن العمولة التي تستوفيها لم تعد كافية.
ـــــ على المصرف المتدخل في استيفاء الضرائب أو شركة «ليبان بوست» أن تخضع لتقديم حساباتها إلى ديوان المحاسبة.

أعباء إضافية على المكلّف

رتّب هذا الواقع على المكلّف اللبناني أعباءً إضافية توردها دراسة ديوان المحاسبة كالآتي:
ـــــ لم يغير اعتماد المصارف لدفع الضرائب المستحقّة على المواطنين عادة تأجيل الدفع إلى الأيام الأخيرة من المهل، أي إنه نقل «الانتظار» من شبابيك صناديق الخزينة إلى صناديق المصارف.
ـــــ 26 من أصل 68 مصرفاً لم توافق على تقديم خدمة استيفاء بعض الضرئب والرسوم لمصلحة الخزينة، فيما حصرت بعض المصارف تقديم الخدمة بزبائنها.
ـــــ حدّدت توصيات جمعية المصارف، غير الملزمة، 3000 ليرة حدّاً أدنى للعمولة على المعاملة الواحدة.
ـــــ تفاوتت قيمة العمولة المستوفاة على معاملة رسوم السير بين 3000 و6000 ليرة. ثم تحرّرت المصارف تدريجاً، في تحديد العمولة.
ـــــ إن أصول تقديم بعض التصاريح والمعاملات الضريبية ودفع المستحق عنها تستوجب في بعض الحالات فصل معاملات المكلف الواحد بحسب السنوات أو جداول التكليف وأوامر القبض، ما يؤدي إلى مضاعفة عمولات المصرف المستحقة على العميل نفسه.
ـــــ خسرت الخزينة بسبب إلغاء الضريبة المقطوعة السنوية المفروضة على كل تصريح بالتزامن مع إلزامية إرسال التصاريح عبر ليبان بوست، 3.3 مليارات ليرة، إذا بلغ عدد المكلفين300 ألف، فيما يكون المكلّفون قد تكبّدوا، على سبيل المثال، وفق متوسط 500 ليرة على كل معاملة، مبلغ 1.4 مليار ليرة عام 1998 و2.4 مليار ليرة عام 2007.

نفي الوزارة

حاولت وزارة المال الردّ على ما ورد في دراسة ديوان المحاسبة، فأشارت إلى أن العلاقة بين المصارف ووزارة المال، جرى تحديدها بموجب تعميم صادر عن الوزير، لافتةً إلى أنه أعدّ «بالتنسيق مع جمعية المصارف».
وعلقت على ما ورد في الدراسة عن «إمكان تسديد الرسوم أكثر من مرّة بسبب تأخر ورود المستندات إلى وزارة المال»، بالإشارة إلى أن «التأخير لا يتعدى أسبوعاً واحداً، فيما لا ربط بين وزارة المال والمصارف... وادعت أن التحصيل من جانب المصارف كان سليماً ووفّر على المكلّف، وأن الكلام عن قضاء الزبون وقتاً طويلاً لإنجاز معاملته الضريبية غير دقيق، فضلاً عن أن «العمولة أمر يتعلق بالعلاقة التعاقدية بين المصرف وزبونه... وفي معظم المصارف لا تتخطى 5 آلاف ليرة»، وزعمت أنها لا تعلم كيف توصلت الدراسة إلى الاستنتاج القائل إن موظفي المصارف ينزعجون من تقديم خدمات من النوع المذكور للمكلّفين.


%44

هي حصّة المصارف من المبالغ المقبوضة لمصلحة الخزينة في 2007، وهي كانت 5.7% في 1998. في المقابل، كانت حصّة الخزينة 94.3%، ثم انخفضت في 2007 إلى 56%، علماً بأن المبالغ التي قبضتها المصارف لمصلحة الخزينة تضاعفت 12 مرة خلال 9 سنوات


Script executed in 0.19869208335876