أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

عندما يمنح «الجنرال» وفرنجية.. «الحكيم» سجلاً عدلياً «لا حكم عليه»

الثلاثاء 19 نيسان , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,441 زائر

عندما يمنح «الجنرال» وفرنجية.. «الحكيم» سجلاً عدلياً «لا حكم عليه»
لعل «الصورة» ستكون هي الأهم في اللقاء المسيحي الرباعي الذي يعقد اليوم في بكركي، برعاية البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي، وبحضور رئيس حزب الكتائب أمين الجميل، رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون، رئيس تيار المردة النائب سليمان فرنجية ورئيس الهيئة التنفيذية في «القوات اللبنانية» سمير جعجع.
صحيح ان أبطال اللقاء يرفضون اختزاله بصورة او بمصافحة، ولكن طبيعة الخصومة الحادة السائدة بينهم والتي اتخذت في العديد من الأحيان طابعا دمويا، تجعل من مجرد اجتماعهم حدثا بحد ذاته ـ بمعزل عن نتائجه ـ لا سيما أن مخاضا عسيرا وطويلا سبق حصوله.
ولما كان «الجنرال» و«الحكيم» قد التقيا أكثر من مرة في السابق، بعد «حرب الإلغاء» الشهيرة بينهما في نهاية الثمانينيات، فإنه يمكن القول منذ الآن ان العيون ستكون مشدودة بشكل اساسي نحو رصد سلوك كل من فرنجية وجعجع اللذين فرقت بينهما دماء إهدن وفجوة الخيارات الاستراتيجية المتناقضة، ولم يلتقيا وجها لوجه إلا حول طاولة الحوار الفضفاضة في عهد ميشال سليمان، من دون ان يتبادلا في أي مرة السلام او الكلام او الابتسام او الإيماء.
بطبيعة الحال، يصح الافتراض انه لن تكون هناك قبلات بين الرجلين اللذين لم يتسع لهما قضاء شمالي واحد، وبالتالي يُرجح ان يكتفيا بمصافحة باردة ستقود الى ما هو أقل من مصالحة وأكثر من مصارحة، ولكنها ستكون كافية بالتأكيد كي يسجل للبطريرك الجديد انه حقق خلال أسابيع قليلة ما لم يحققه غيره خلال سنوات عديدة.
ولا يتردد المحيطون بفرنجية في الإشارة الى انه يملك من الجرأة ما يؤهله للقفز فوق جراحه الشخصية من أجل إعطاء فرصة لفتح آفاق جديدة امام المسيحيين المسكونين بالقلق على المصير، لا سيما انه يعتبر ان ملف مجرزة إهدن قد طوي أصلا منذ سنوات عندما صفح عمن ارتكبها من المنفذين الميدانيين، بينما حصل في المقابل على رأس المحرض الحقيقي والمستفيد الكبير، أي إسرائيل التي نالت عقابها بهزيمتها مرتين على يد المقاومة في لبنان، في العامين 2000 و2006.
وما يزيد من أهمية النجاح في جمع الخصمين المارونيين اللدودين، انه جاء بعد محاولات عدة في الماضي، أفضت كلها الى الفشل، وكانت إحداها في مطلع التسعينيات، حين كادت «الصدفة المنظمة» في المقر المؤقت للرئيس الياس الهراوي في الرملة البيضاء، تفرض لقاء الأمر الواقع بين الرجلين. يومها همّ فرنجية بمغادرة المقر غاضبا فور استشعاره بوجود جعجع، وبرغم مسعى السيدة منى الهراوي لتطييب خاطره وإقناعه بالعودة، بمساعدة من رئيس حركة «أمل» نبيه بري، إلا ان الزعيم الشمالي أصر على موقفه، فذهب.. ولم يعد.
ثم كانت المحطة الشهيرة بعد إطلاق سراح جعجع. آنذاك، أراد فرنجية ان ينهي الموضوع على طريقة الشهامة الزغرتاوية، من خلال مبادرته الى الاتصال بقائد «القوات» لتهنئته بالخروج من السجن... في صيف العام 2005، إلا أن الاخير اضاع الفرصة ورفض الرد على الاتصال، ما أدى الى تعميق الفجوة واتساعها.
لم يتأخر الوقت، قبل ان يثأر فرنجية لكرامته. سعى جعجع جاهدا قبيل الانتخابات النيابية الأخيرة الى إنجاز المصالحة مع فرنجية، غير ان زعيم «المردة» لم يتجاوب، على قاعدة عدم استعداده لإعطاء خصمه «براءة ذمة» مجانية، تفيده في العملية الانتخابية. يومها أحس فرنجية انه يراد توظيف المصالحة في حسابات ضيقة، تنقلها من طابعها الوجداني المفترض الى الطابع الاستثماري، فنفض يديه منها.
وعندما حاول البطريرك السابق نصر الله بطرس صفير الترويج لفكرة عقد اجتماع مسيحي موسع، يشمل الى جانب القيادات الأربع شخصيات من الصف الثاني في 14 آذار، سرعان ما وجد نفسه امام طريق مسدود، بعدما اعتبر عون وفرنجية ان لا ضرورة لإغراق مشروع المصالحة بلائحة طويلة من المدعوين، يراد منها «دعم» الجميل وجعجع، وتعويم شخصيات لا حيثية تمثيلية فعلية لها في الشارع المسيحي.
وما زاد المسألة تعقيدا أثناء السنوات الماضية هو انعدام الثقة بين عون ـ فرنجية والبطريرك صفير الذي كان من وجهة نظرهما منحازا في طروحاته وتموضعه الى الفريق الآخر، الامر الذي جعله جزءا من المشكلة بدل ان يكون مبشرا بالحل، حتى بات الهم يتركز على كيفية تحقيق المصالحة مع صفير قبل إتمامها مع الجميل وجعجع.
إلا ان المشهد انقلب بعد وصول بشارة الراعي الى سدة البطريركية المارونية. لم يتأخر البطريرك الجديد في التقاط اللحظة التاريخية موظفا زخم انتخابه للدعوة الى عقد «قمة مسيحية» في بكركي، بعدما أدرك ان أيا من القيادات الاربع لن يكون بمقدوره الاعتراض، لئلا يبدو أي موقف من هذا النوع موجها اليه، وهو الذي لاقى احتضانا واسعا، على المستويين المسيحي والوطني.
ولئن كانت لحظة اللقاء الرباعي قد نضجت، إلا ان عون وفرنجية يدخلان اليه من دون أوهام أو مبالغات. هما يدركان جيدا ان أودية سياسية سحيقة تفصلهما عن رئيس «الكتائب» وقائد «القوات»، خصوصا في ما يتعلق بالخيارات الكبرى المتمحورة حول سلاح المقاومة والعلاقة مع سوريا، ومع ذلك فإنهما يعتقدان انه إذا صدقت النيات، يمكن البناء على بعض القواسم المشتركة، بما يحاكي هواجس المسيحيين ويحمي مستقبل وجودهم في لبنان كركيزة لحماية الوجود المسيحي في المشرق العربي.
وبهذا المعنى، يفترض بعض المقربين من بنشعي والرابية ان لا خلاف من حيث المبدأ على ضرورة الحد من الهجرة، ومنع توطين الفلسطينيين، ووقف بيع الاراضي، وتعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية، ما يقود نظريا الى الاستنتاج ان هناك مساحة واسعة للتعاون إذا توافرت الارادة السياسية لذلك، علما ان هؤلاء يتساءلون عما إذا كان الجميل وجعجع يستطيعان على سبيل المثال خوض معركة الصلاحيات التي تتعارض ومصالح سعد الحريري، كونه يعتبر ان اتفاق الطائف منح موقع رئيس الحكومة السني مكتسبات ليس بوارد التنازل عنها... وهذا الواقع يسري أيضا على نجيب ميقاتي الذي يبدو أكثر تشددا في موضوع الصلاحيات من الحريري الذي كان قد قدم تنازلات من خلال تفاهمات غير معلنة ألغت في بعض المحطات موقع رئاسة الحكومة.
صحيح ان اللقاء الاول لن يكون كافيا للتوسع في نقاش كل هذه الملفات، ولكنه سيؤشر الى مدى استعداد أطرافه للذهاب حتى النهاية في «المغامرة». المهم، بالنسبة الى عون وفرنجية، ألا تغرق المناسبة في الجانب الشكلي والمظهري، بعيدا عن المضمون السياسي والتحسس بالمخاطر التي تواجه المسيحيين. وبرأيهما، البداية الصحيحة تكون بالاتفاق على تشخيص موحد لهذه المخاطر كشرط إلزامي لتحديد كيفية مواجهتها، وهذا سيمثل تحديا كبيرا وصعبا للقيادات الاربع، على المدى الطويل، بالنظر الى التباين العميق بينها في قراءة مصادر التهديد للوجود المسيحي وتقدير الاساليب الاكثر ملاءمة للتصدي لها.
ليس خافيا ان عون وفرنجية يجدان في سلاح المقاومة والعلاقة مع سوريا ضمانة لمستقبل الحضور المسيحي، في حين ان مصدر التهديد الرئيسي له يتمثل في المشروع الاميركي التاريخي الهادف الى توطين الفلسطينيين وتقسيم لبنان، ما يستدعي من وجهة نظرهما العمل على مواجهته، وليس الانخراط فيه وتحويل المسيحيين الى وقود لمحركاته وضحايا لتجاربه. وهناك من يرى ان جعجع يجب ان يكون من أول المتفهمين لهذه الحقيقة وهو الذي دفع ثمن رفع الغطاء عنه، بعد التسوية الاميركية ـ السورية في منتصف التسعينيات تقريبا.
وفي كل الحالات، يؤكد المطلعون على مناخات الرابية وبنشعي ان عون وفرنجية سيمنحان مشروع المصالحة المسيحية، كل الفرص التي يحتاج اليها، مع علمهما ان مشاركتهما في لقاء اليوم هي بمثابة منح جعجع سجلا عدليا نظيفا، طُبعت عليه عبارة «لا حكم عليه»، من دون ان يكون هناك توافق مسبق على الثوابت الاستراتيجية، موضع الخلاف، «ومع ذلك، فإن طمأنة الشارع المسيحي تستحق مثل هذه المغامرة، علما ان أحد شروط نجاحها يتطلب بقاء بكركي على مسافة واحدة من الجميع وتجنب الكيل بمكيالين في تعاملها مع ابناء الرعية».

Script executed in 0.033835172653198