وفيما اشارت مصادر واسعة الاطلاع الى مشاورات مهمة اجراها الرئيس ميقاتي مع «الخليلين» في الساعات الماضية، قال مقربون من الرئيس المكلف لـ«السفير»: الجو ايجابي، ويمكن القول ان الاتصالات انتقلت الى المربع الثالث بعدما تجاوزت المربع الاول المتعلق بحجم الحكومة، والمربع الثاني المتعلق بالحصص، اما المربع الثالث فيتعلق بالحقائب، التي تم حسم معظمها، ولم يبق سوى حقيبة «الداخلية».
ونفى المقربون وجود اي عوامل خارجية معطلة لولادة الحكومة، الا انهم لم يقللوا من حجم عقدة «الداخلية»، التي يصعب التكهن في امكان تذليلها قبل عطلة عيد الفصح.
وسط هذه الاجواء، يشهد لبنان اليوم حدثا مسيحيا مهما، يتمثل بالقمة السياسية المارونية التي ستنعقد في بكركي برعاية البطريرك الماروني الجديد بشارة بطرس الراعي، وهي الاولى من نوعها، وتؤشر بوضوح الى اختلاف الظروف التي كانت تحول سابقا دون لقاء اقطاب الموارنة تحت عباءة بكركي، والى ان حساسية العلاقة بين بعض الاقطاب والبطريرك الماروني السابق نصر الله بطرس صفير قد زالت بوجود بطريرك جديد.
ولعل اهمية اللقاء تكمن في انه يأتي في زمن الفصح، جامعا للمرة الاولى متضادين تحت سقف واحد، كما اراد البطريرك الراعي الذي وضع الوحدة المسيحية، والمارونية تحديدا، عنوانا اول لمسيرته البطريركية، ولمّ المسيحيين على اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم السياسية تحت عباءة بكركي، متكئا كما يبدو على قوة دعم خلفية من الفاتيكان، الذي قدم للبطريرك الجديد حفاوة قل نظيرها، بل لا سابق لها في تاريخ العلاقة بين الكرسيين الرسولي والبطريركي.
واذا كان جمع التناقضات المارونية تحت سقف بكركي، يمثل في نظر اوساط كنسية انجازا كبيرا للبطريرك الراعي في بداية عهده على رأس الكنيسة المارونية، فإن سرعة استجابة القيادات المارونية للرغبة البطريركية تشكل تعبيرا واضحا، من قبل تلك القيادات، عن رغبة في الابقاء على جسر تواصل ممدود مع البطريركية كمرجعية جامعة تظلل عباءتها الجميع بصرف النظر عن هذا الموقف السياسي او ذاك. كما يشكل من جهة ثانية، انجازا للقيادات المارونية نفسها، التي يبدو ان لها رغبة وإرادة ومصلحة في اللقاء، لتثبت من خلاله قدرتها على التواصل في ما بينها، وعلى حق الاختلاف في ما بينها ايضا، انما ليس الى الحد الذي يؤثر على المسيحيين بشكل عام، والموارنة بشكل خاص، ويقلص حضورهم، كما هو حاصل حاليا، على المستوى السياسي والوطني وعلى مستوى الدور في السلطة والنظام.
وقالت اوساط كنسية لـ«السفير»: ان لقاء اليوم، ليس لقاء فولكلوريا، يراد ابقاؤه في دائرة الصورة للذكرى فقط، بل يراد جعله مناسبة غسل قلوب تأسيسية لميلاد الوحدة المسيحية، خاصة في ظل الهواجس الكبرى التي تتهدد المسيحيين. وتلك الهواجس ستتم مقاربتها في اللقاء سواء ما يتصل برفض التوطين، والهجرة المسيحية واسبابها، والتجنيس العشوائي وبيع الاراضي، وتلك الهواجس يجمع عليها كل القادة الموارنة.
ولعل الراعي البطريركي، بحسب الاوساط الكنسية، سعى في المراحل التحضيرية الى توفير عناصر انجاح اللقاء والنأي به عن كل عناصر التوتير وعما يمكن ان يؤثر عليه او يعطل انعقاده، ومن هنا قرّ الرأي مع الفرقاء، على عدم مقاربة العناوين السياسية الخلافية والمواضيع الشائكة من كلا الجانبين او التموضعات السياسية لهذا الطرف او ذاك، خاصة ان الموقف بين رئيس تكتل الاصلاح والتغيير النائب ميشال عون ورئيس تيار المردة النائب سليمان فرنجية من جهة وبين الرئيس امين الجميل ورئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع، ليس موقفا متباعدا في مجموع القضايا السياسية بل هو متناقض جذريا حيالها، لذلك فإن جدول اعمال اللقاء محدد ببدئه في التاسعة صباحا برياضة روحية وصلاة ومن ثم قداس ومن ثم «قراءات مسيحية» في الهم العام والخاص على ان يليها غداء، وقد يكتفى في نهايته ببيان للاعلام يصدر عن بكركي حول انعقاد اللقاء وما دار فيه بشكل عام ويتضمن مضمون الكلمة الافتتاحية للبطريرك الراعي.
وفيما لوحظ ان القيادات المدعوة الى لقاء بكركي اليوم، قد حرصت عشية انعقاده على اشاعة مناخات ايجابية حوله، مثنية على دور البطريرك الراعي في اتمامه، برزت بالتوازي معها تساؤلات حول شكل اللقاء وكيفية جلوس الفرقاء، وحول لحظاته الاولى وكيف سيتقابل المتخاصمون وجها لوجه، وكيف ستتم المصافحات خاصة بين سليمان فرنجية وسمير جعجع اللذين يقفان امام اختبار المصافحة للمرة الاولى منذ التاريخ الخلافي العميق بينهما، لأسباب معروفة تعود الى اغتيال طوني فرنجية ومجزرة اهدن.
وفيما اكدت اوساط قواتية ان جعجع ذاهب الى اللقاء بأجواء انفتاح، لافتة الى ما قاله بالامس من ان «الثلاثاء سيطوي صفحة باحداثها واحزانها وذكرياتها كلها»، لفت النائب فرنجية الى ان المسألة ابعد من مصافحة، مشيرا الى اننا اذا تصافحنا (اليوم)، فهذا لا يعني ان الاشكال انتهى، لانه خلاف سياسي ولو مدّ سمير جعجع يده قبل سنة أو 3 سنوات فنحن نصافحه ولا مشكلة لدينا.
وقال فرنجية لمحطة «ام تي في» ليل امس: نحن ذاهبون الى طاولة عمل، عنوانها مصلحة المسيحيين، وكيف نحمي المسيحيين في لبنان والمنطقة في ظل المتغيرات التي تشهدها المنطقة، وهذا الامر اهم من المصافحة بيننا.
واوضح فرنجية ان اللقاء ليس لقاء مصالحة، ذلك ان المصالحة لا تتم بهذه الطريقة، بل هي تتطلب تحضيرا، خاصة ان الخلاف عميق بين المسيحيين في الايديولوجيا والخيارات والاستراتيجيا، ولذلك موضوع المصالحة يحتاج الى نقاش مسيحي عميق والى خارطة طريق.
وعن المصالحة مع جعجع قال فرنجية: لا توجد مصالحة بتبويس لحى. هناك تاريخ وماض وأناس ماتوا، كل ما جرى يحتاج الى نقاش بالعمق لتطوى الصفحة، كما ان هناك اسئلة كثيرة مطلوب الاجابة عنها من قبل سمير جعجع.
وردا على سؤال، لفت فرنجية الى ان اللقاء قد يؤدي الى مشروع مسيحي مشترك حول كيفية حماية المسيحيين في لبنان والشرق، كما انه قد ينتهي مثلما يبدأ.