أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

السنيورة يُحكم قــبضته على 14 آذار

الأربعاء 20 نيسان , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,874 زائر

السنيورة يُحكم قــبضته على 14 آذار

يخوض تيار المستقبل اليوم معركة ترتيب أحجام مَن حوله، جميع مَن حوله. فقبل أكثر من شهر أحكم المستقبل سيطرته الكاملة على شؤون فريق 14 آذار. لم يعد الموقع المسيحي لرئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية، سمير جعجع، يتمتع بالتأثير الكافي على الرئيس سعد الحريري. والقيمة المعنوية للرئيس أمين الجميّل بدأت تتلاشى في بيت الوسط. صاحب هذه الدار يشعر منذ آذار 2011 بأن جهوده وعلاقاته وأمواله، التي أنفقها لإرضاء هذا الحليف أو لدعم ذاك، لم تثمر سوى الخيبة والفشل والخروج من السلطة. قبل مهرجان 13 آذار الماضي، قال الحريري ومن حوله للحلفاء بوضوح: نحن 14 آذار ونحن المحكمة الدولية ونحن إسقاط سلاح حزب الله. فهم الحلفاء الرسالة، ففرض التيار رئيس الكتلة النيابية المستقبلية، فؤاد السنيورة، منسقاً عاماً لقوى 14 آذار، أحزاباً وتيارات وأمانة عامة وكل تجمّع يدور في فلك الأكثرية السابقة.

ومنذ باشرت قوى 14 آذار دراسة أوضاعها التنظيمية، على هامش استعداداتها للاحتفال بالذكرى السادسة لثورة الأرز، كان السنيورة قد نُصّب زعيماً تنفيذياً لهذه الأحزاب والشخصيات. هو من أمسك فعلياً بالاجتماعات التحضيرية في البريستول وبالوثيقة السياسية وبرفع سقف شعار «إسقاط السلاح». أدى السنيورة دور الحاكم والقاضي، واستطاع بشخصيّته الهادئة والرصينة إحكام قبضته على كل الحلفاء من رؤساء أحزاب وشخصيات مستقلة. خفض أصوات احتجاجهم بعضهم على بعض، فأنساهم لوهلة المشاكل الشخصية التي تفرّقهم ونجح في إعادة جمعهم حول العناوين السياسية. لم يتردّد السنيورة طوال هذه الفترة في اللجوء إلى الحديث عن تجربته الحكومية و«أيامها الصعبة». عندما كان يصطدم بالرؤوس الحامية في فريقه وبتشدّد فلان و«فورة دم» علتان، كان السنيورة يروي بعضاً من تفاصيل معاناته في رئاسة مجلس الوزراء، فيتحدث بألم عن الأعباء التي تحمّلها والضغوط التي طوّقته ووصلت إلى غرفة نومه في السرايا، ليستنتج الخاتمة التي يريد تعميمها: «كل هذا لماذا؟ من أجلنا جميعاً، لنكون يداً واحدة ولنبني دولة ونرفض الخضوع».
بهذا الأسلوب، استطاع السنيورة إحكام قبضة تيار المستقبل على قوى 14 آذار، وهو يستمرّ في ذلك حتى الانتهاء من إعادة التنظيم المفترضة.
منذ الأسبوع الأول من آذار الماضي واجتماعي البريستول، جرى الحديث عن تشكيل قيادة سياسية عليا وأخرى موسّعة ومجلس وطني تكون من مهماتها إدارة شؤون 14 آذار. تسير النقاشات التي يديرها السينورة في هذا الشأن بإيجابية، مع وجود بعض المعوّقات المنطقية لضرورة إيجاد هذا الهامش أو تلك الهيئة.
هذه الورشة التنظيمية تبدو تجربة رائعة بالنسبة إلى الأكثريين السابقين الذي يعدّونها ضرورة، لكن ما لا يعرفه معظمهم أن التركيبة الجديدة لن يتعدى دورها الإطار الشكلي. ففي مضمون الورشة، ما يقوم به السنيورة اليوم سيفضي إلى تشكيل إدارة حصرية ومحصورة لقوى 14 آذار، تتحكّم في قرارات هذا الفريق. فحاكم 14 آذار يعدّ لقيام ما يشبه «المطبخ السياسي والإعلامي» يمسك بكل مفاصل تجمّع ثورة الأرز. يعدّ السنيورة هذا المطبخ وقد استعان باثنين من زملائه، هما النائب السابق باسم السبع ومستشار الرئيس الحريري هاني حمود. الرجلان يشبهان السنيورة من ناحية رباطة الجأش والرصانة، لكنهما يتمتّعان بشيء مميّز، هو أنهما يجلسان منذ سنوات في الظل ويستمتعان بالإمساك بآلات التحكّم عن بعد وإدارة المعارك من دون ظهور.
بدأ هذا الثلاثي المستقبلي، ووجهه العلني السنيورة، إقناع الحلفاء بتشكيل مطبخ تكون في يده كل قرارات 14 آذار، على أن يضمّ ممثلاً عن كل من القوات اللبنانية وحزب الكتائب ومنسق الأمانة العامة، فارس سعيد. بشكل أو بآخر، ستُسقَط مقررات المطبخ المستقبلي الثلاثي على هذه الهيئة الموسّعة، فتتخذ أفكار السنيورة ـــــ السبع ـــــ حمود الشكل المطلوب وتعمّم على قوى الأكثرية السابقة، ما يعني أنّ هذا الثلاثي سيحكم سيطرته على 14 آذار تدريجاً، من دون أن يلحظ الحلفاء ذلك؛ لأنهم لا يلحظون وجود السبع وحمود ولا يرون سوى المطبخ الموسّع.
حتى اليوم، ينجح الثلاثي المستقبلي في أداء مهمته. لكنه لم يجد الحلول اللازمة لمجموعة من الاقتراحات والخطوات التنظيمية التي يعدّها الحلفاء أساسية؛ فاتّفقوا، مثلاً، على ضرورة تطوير شكل الأمانة العامة وجعلها صورة ملوّنة من مكوّنات 14 آذار، مع حرصهم على عدم إيذاء أحد من الموجودين فيها، على أن تكون هذه الأمانة العامة أداة تنفيذية للمطبخ الموسع، الذي هو أساساً أداة بيد الثلاثي المستقبلي.
لهذا السبب، سقط الاقتراح الكتائبي بجعل رئاسة الأمانة العامة مداورة بين الأحزاب، واقتنع الكتائبيون، وكذلك القواتيون، بأن تكون الأمانة العامة جائزة ترضية للشخصيات المستقلة ـــــ غير النائبين فارس سعيد وسمير فرنجية ـــــ على أساس أنّ مهمّة الأمانة العامة، رغم شكلها، تنحصر في إعلان هذه القرارات لا اتخاذها.
ومن التفاصيل التي تتوقف عندها النقاشات التنظيمية، كيفية التعامل مع «المجتمع المدني» وإدخاله في الهيئات التنظيمية في 14 آذار. يتمسّك منسق الأمانة العامة لـ14 آذار، فارس سعيد، بهذه الفكرة، فيما يواجهه حلفاؤه بحجة أنّ كل الوجوه التي تعمل في إطار المجتمع المدني تحمل هوية حزبية واضحة، ولا داعي لتمثيلها؛ لأنها أصلاً ممثلة عبر الأحزاب التي ينتمي إليها العاملون في القطاع المدني.
وفي الإطار نفسه، يبرز الحديث في نقاشات الأكثريين السابقين عن المحافظة على دور الشخصيات المستقلة ومواقعها في الحياة السياسية. هذا العنوان يثير ريبة كل من القوات اللبنانية وحزب الكتائب، باعتبار أنّ معظم المستقلين في 14 آذار هم من المسيحيين، وبالتالي هم منافسون جديون للقوات والكتائب عند أي استحقاق. مع العلم بأنه سبق أن حصل توتّر شديد بين الأكثريين السابقين على خلفية تحرّك الوزير ميشال فرعون وسعيه إلى تنشيط دور مستقلي 14 آذار. قبل أقل من أسبوعين، جمع فرعون عشرات المستقلين وعرض عليهم أفكاره بشأن إطلاق تجمّع خاص بهم تكون قيادته منفصلة عن الأمانة العامة وعن أي هيئة 14 آذارية أخرى. لاقت هذه الفكرة الرواج لدى الحاضرين؛ لأن هذا اللقاء تلاه اجتماعان آخران باشر خلالهما فرعون طرح بعض النقاط التنظيمية.
ومن يتابع مجالس 14 آذار والمنقاشات التي تدور فيها، يلحظ اعتبار كل من معراب وبكفيا أنّ وراء حركة فرعون تيار المستقبل، لكون الوزير البيروتي لم يخرج بعد من الحضن السياسي لآل الحريري. ويلحظ أيضاً إدراك القواتيين والكتائبيين أن ثمة مجموعة من الرسائل التي تُوَجَّه، أخطرها: أنّ المستقبل قادر وحده على الإمساك بمفاصل 14 آذار وبالخيارات السياسية والتنظيمية لمعظم شخصياتها غير المتحزبة، وأنّ التيار لن يسكت بعد اليوم عن كون الأمانة العامة الحالية تردد حرفياً الخطاب السياسي لسمير جعجع.
والأهم من ذلك كله، أنّ «القطبين» المسيحيين في 14 آذار لم يتدخلا بعد لدى الحريري لضبط حركة فرعون، فيما يشير أحد القواتيين إلى أنه سيجري طرح هذا الموضوع خلال أحد الاجتماعات التنظيمية التي سيترأسها السنيورة بعد أيام.


الهروب إلى الخارج

منذ وصول عدوى الانتفاضات الشعبية الإيجابية إلى سوريا ـــــ بغض النظر عن الحديث عن جهات خارجية تحرّك الشارع السوري ـــــ نسي فريق 14 آذار أنّ لديه في لبنان ملفات يدافع عنها وسلطة يريد أن يسترجعها. في كل مجالس الأكثريين السابقين، لم يعد أحد مهتماً بإسقاط سلاح حزب الله ولا بالتمسك بالمحكمة الدولية ولا بإدانة النائب وليد جنبلاط لانقلابه داخل مجلس النواب. كل الاهتمام يصب اليوم على مناقشة ما يجري في الشارع السوري، واستنكار اتهامات دمشق بتدخل نواب تيار المستقبل في الشؤون السورية. ومن أكثر الحجج تداولاً في هذه المجالس: «لم نستطع الوقوف في وجه حزب الله، كيف لنا أن نحرك الشارع السوري ونواجه أجهزته؟».
وأبرز دليل على احتلال الأوضاع في سوريا عقول الأكثريين السابقين، البيان الأسبوعي للأمانة العامة لقوى 14 آذار، المقرر إصداره اليوم، الذي سيشير إلى أنّ هذه القوى «لن تسمح للنظام في سوريا بفرز اللبنانيين بين مؤيد له أو معارض»، وسيشدّد كذلك على أنّ الشعب السوري، في المعارضة والموالاة، يعرف أكثر من غيره كيفية إدراة شؤون بلاده، مع تشديد الأمانة العامة على رفضها تدخل أحد في ما يجري في سوريا. ومن النقاط المهمة التي سيلفت إليها البيان الأسبوعي، التصدي لمحاولات الربط بين الساحتين اللبنانية والسورية، مع التشديد على استقرار لبنان وعدم الانجراف وراء ما قد يهدّد الأمن. يدلّ بيان الأمانة العامة لقوى 14 آذار، في حال صدوره بهذا الشكل ولم تجر عليه تعديلات، على تعامل هادئ مع ما يجري وراء الحدود، وإلى وعي 14 آذار لخطورة الوضع السوري، وضرورة ترفّعها عن تصفية الحسابات في التعامل معه.
لكن إهمال 14 آذار للملفات الداخلية وأولها تأخير تأليف الحكومة، يدل أيضاً على أن هذه القوى تلجأ إلى الاهتمام بما يجري خارج الحدود تجنباً للاعتراف بأزمتها بأن لا مشروع واضحاً لها في الداخل ولا خطوات سياسية يمكنها اتخاذها لاستعادة ما خسرته في الأشهر الماضية.

Script executed in 0.18749594688416