أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

حقيبة سوبر سياديّة: انتصار أو نصف انتصار بين الجنرالين

الخميس 21 نيسان , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,297 زائر

حقيبة سوبر سياديّة: انتصار أو نصف انتصار بين الجنرالين

لا يحجب تواتر الإشارات الإيجابية عن قطع تأليف الحكومة المسافة الأطول إلى خاتمتها، انطباعاً بأن المسافة الباقية ليست بالسهولة المتوخاة. ولم يسجّل الرئيس المكلف نجيب ميقاتي بعد الرقم القياسي في تكليف تعثّر معه التأليف المدة الأطول بين أسلافه منذ تعديل الدستور عام 1990. لا يزال رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري صاحب الرقم غير المسبوق في تأليف حكومة، عندما أبصرت حكومته النور عام 2009 بعد 135 يوماً. ويبقى الآن أمام خلفه أربعة أيام كي يطوي 90 يوماً من تكليف تحوّل إلى تأليف متعذّر.
وعلى وفرة التأكيدات عن اتفاق أطراف التفاوض في التأليف على نحو شبه نهائي على توزيع الأحجام والمقاعد والأنصبة، وإلى حدّ تقاسم معظم الحقائب، إلا أن العقبة المحيطة بحقيبة الداخلية لا تزال تراوح مكانها بلا إحراز أي تقدّم على صعيد التفاهم على مآلها. لا يزال رئيس الجمهورية ميشال سليمان يتمسّك بإبقائها في حصة يصرّ على الحصول عليها وعلى استمرار الوزير زياد بارود على رأس هذه الحقيبة. على طرف نقيض منه، يُقرن الرئيس ميشال عون إبصار الحكومة النور بحصول التيّار الوطني الحرّ على هذه الحقيبة. بين هذين الطرفين، يرجّح الرئيس المكلف، بانحياز صريح، كفّة سليمان. لا يكتفي بالتحفّظ المعلن عن إعطاء عون حقيبة الداخلية، بل يجهر بعدم مجاراته الجنرال في الحصة التي يريدها لتيّاره ولتكتّل التغيير والإصلاح، ويعدّها ميقاتي مبالغاً بها وأكبر ممّا يقتضي حصول عون عليه.
وتبعاً لما انتهت إليه جولات التفاوض المباشر وغير المباشر مع الجنرال، معوّلاً على إهدار الوقت لإنهاك خصمه، نجح الرئيس المكلف حتى الآن في حرمان عون كل ما طالب به: لم يُعطه الوزراء الـ 12 لتكتله، ولا الثلث + 1 للتكتل أيضاً، ولا حقيبتي الطاقة والاتصالات معاً، ولا حقيبة الداخلية بعد.
بين الموقفين المتصلّبين لسليمان وعون من حقيبة الداخلية، طُرحت أفكار واقتراحات بغية تسوية النزاع عليها، وبعضها اتسم بطابع المناورة المعوّلة بدورها على رفضها من أحد الطرفين كي تراوح المشكلة في مكانها:
أول تلك الاقتراحات، الموافقة على إعطاء عون حقيبة الداخلية شرط احتسابها من ضمن المقاعد المارونية الثلاثة التي حدّدها ميقاتي في حصة التيّار الوطني الحرّ التي تضم 6 وزراء، نصفهم موارنة والنصف الآخر وزراء أرثوذكس وكاثوليك. ويرمي هذا الاقتراح إلى مقايضة الحقيبة بمقعد ماروني، فيما يحسب رئيس تكتل التغيير والإصلاح حصوله على حقيبة الداخلية من خارج الحصة المارونية لتيّاره، وتمثّل تالياً مقعداً مارونياً إضافياً يستبدل به أحد المقاعد الأرثوذكسية أو الكاثوليكية الثلاثة الأخرى. ويستند طارحو الاقتراح إلى رفض عون له كي تُنسف التسوية على الحقيبة تماماً، في ظلّ إصرار رئيسي الجمهورية والحكومة على أن تكون للأول حصة من ثلاثة وزراء.
ثاني تلك الاقتراحات، التفاهم على مرشح ماروني ثالث لحقيبة الداخلية سوى بارود أو وزير من التيّار الوطني الحرّ، في مقابل أن يُسمّي الجنرال هذا المرشح ويوافق عليه رئيس الجمهورية، ويمثّل في الوقت نفسه تقاطعاً سياسياً بينهما وفق معادلة نصف خسارة لسليمان ونصف انتصار لعون، فلا يضع أي منهما يده على الحقيبة، ويُريح الوزير المحتمل الرجلين معاً في المرحلة المقبلة التي تنتظر فيها الحقيبة استحقاقات مهمة، أخصّها وضع قانون جديد للانتخاب ومن ثم إجراء الانتخابات النيابية صيف 2013.
يتردّد في هذا السياق اسم ضابط متقاعد هو فارس صوفيا وزيراً للداخلية يُسمّيه عون ويقبل به رئيس الجمهورية الذي كان قد ردّد اسمه أكثر من مرة لوزارة الداخلية عشية تأليف حكومتي الرئيس فؤاد السنيورة عام 2008 والحريري عام 2009، ثم حلّ بارود محله فيهما. وصوفيا ضابط مقرّب من سليمان، شغل قبل تقاعده منصب نائب رئيس الأركان للتجهيز قبل أن يعيّن بعد التقاعد في مكتب الملحق العسكري اللبناني في واشنطن، حينما كان صوفيا يقطن في الولايات المتحدة، وهو يقيم هناك منذ فترة طويلة. إلا أن لحزب الله أكثر من علامة استفهام حيال اقتراح اسمه بسبب ما ينسبه إليه، وهو علاقته الوثيقة بموظفين وضبّاط كبار في وزارتي الخارجية والدفاع الأميركيتين.
بيد أن ثمّة معطيات تحوط بحقيبة الداخلية وتجعلها اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تتقدّم سواها أهمية ودوراً، وتستقطب مهمات شائكة، وباتت ـــــ أو تكاد ـــــ حقيبة سوبر سيادية، لأسباب منها:
ـــ لا تحتمل الحقيبة توزير شيعي أو سنّي فيها، بل تحتاج إلى وزير ماروني يمثّل نقطة جذب بين الأفرقاء جميعاً. ولأنها كذلك، لم يدم اقتراح مداورة الحقائب السيادية بما يُحلّ في هذه الحقيبة سنّي أو شيعي. كلاهما يفتح جدلاً مربكاً في الوضع الداخلي: حلول سنّي فيها، وإن وزيراً لا ينتمي إلى تيّار المستقبل أو حليف له، يضع الحقيبة في المشكلة التي تشكو منها، وهي أنها أصبحت أداة سلطة في يد مذهب وفريق في مواجهة آخر. القياس نفسه في حلول وزير شيعي فيها يُضاعف من وطأة التناحر السياسي والمذهبي السنّي ـــــ الشيعي.
ـــ رغم أن دمشق وحزب الله لا يقاربان أهميتها على نحو حال وزارتي العدل والاتصالات نظراً إلى علاقتهما المباشرة بالمحكمة الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وتوفيرهما أوسع مقدار من المعلومات والمساعدة التي يمكن أن تطلبها المحكمة، فإن لوزارة الداخلية أهمية مماثلة لا كإدارة في ذاتها، وإنما بصفتها التنفيذية في اتخاذ إجراءات واستثمار معلومات تتصل بمهمات حقيبتي العدل والاتصالات. بذلك ترغب سوريا وحزب الله خصوصاً في وضع حقيبة الداخلية في أيدٍ تطمئن إلى أدائها، ولا تسبّب إحراجاً لهما. والواقع أن الوزيرين اللذين سيحلان في حقيبتي الاتصالات والعدل سيعكسان صورة التطمين المطلوب، علماً بأن حقيبة العدل ستدخل في حصة عون إلا إذا حصل على حقيبة الداخلية، في مقابل حرمانه حقيبة الاتصالات بعدما خُيّر بينها وبين حقيبة الطاقة فاختار الثانية.
وإلى الآن، لا يبدي الرئيس المكلف حماسة ظاهرة في الحصول عليها، إلا إذا ارتؤي في نهاية المطاف خيار معاكس.

Script executed in 0.032674074172974