أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

هدم المساجد و حرق المصاحف في البحرين: تفكير وتكفير وهّابي وتنفيذ خليفيّ ساذج؟!

الجمعة 22 نيسان , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 10,443 زائر

هدم المساجد و حرق المصاحف في البحرين: تفكير وتكفير وهّابي وتنفيذ خليفيّ ساذج؟!

وثماني عشرة حسينية، هذا غير المساجد والحسينيات التي تعرضت للعبث والتخريب والتدنيس والتي تُعدّ بالمئات، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ بل طال نسخ المصحف الشريف وكتب الأدعية المقدسة التي أحرقت ومُزّقت بالمئات. وكلّ ذلك حدث ويحدث وسط صمت عالمي وعربي على مختلف الصعد، بل بغطاء فاضح عالمي وعربي إعلاميا وسياسيا، إلاّ أصواتا شريفة تخرج بين الحين والآخر ينطقها الحق والخوف من يوم الحساب، وقليلٌ ما هم.
وبالنظر إلى هذا العدد الكبير من المساجد والحسينيات المهدّمة، والتي في طريقها إلى الهدم، وهي كما يبدو ستكون كثيرة، بتلك الطريقة الممنهجة المدروسة، لا بدّ من البحث عن الدافع وراء ذلك، خصوصا إذا ما علمنا أن المستهدف هنا هو بيوت للعبادة يُذكر فيها اسم الله تعالى، لها قدسيتها العظيمة في نفوس عامة المسلمين، ولها حرمتها الأكيدة التي لا ريب فيها عند مَن أوتي ولو قليل حظ من الدين. إذاً فوراء الأيكة ما وراءها، وليس هو كما قد يتصوّر بعض الناس مجرد انتقام من الطائفة الشيعية المسؤولة في المقام الأول عن الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البحرين للمطالبة بحقوق مشروعة حُرم منها غالبية سكان المملكة الصغيرة لا لشيء إلاّ إنهم من الطائفة الشيعية التي كرّس الغرب والصهاينة وحلفاؤهم في المنطقة جهودا جبارة لجعلها "بعبعاً" مخيفاً مرعبا ينطوي على كل شر يمكن تصوره في هذه الدنيا. وليس هو كما قد يُتصوّر كذلك مجرد ردة فعل عنيفة ولكنها طبيعية من سلطة ملكية أشبه ما تكون بمَلكيات ألف ليلة وليلة حيث السلطان أو الملك هو الكل بالكل، وهيبته لا يمكن أن تُمسّ بأي حال من الأحوال. وبالطبع من يحمل مثل هذه التصورات يذهب إلى أن المياه ستعود إلى مجاريها بعد أن تهدأ النفوس، وتزول فورة الغضب عن القصر الملكي المجروح بهيبته، وأن الملك سيأمر بإعادة بناء هذه المساجد والحسينيات بأحسن مما كانت، وأن ما يحدث لا يعدو كونه أسلوب العين الحمراء الذي يتبعه أولو الأمر في بلادنا لتخويف الشعوب وكفّها عن "غنجها" الإصلاحي.
وهنالك تصوّر أكثر عمقاً من التصورين السابقين، وأكثر مقاربة للواقع، وهو أنّ هدم المساجد والحسينيات يراد له أن يكون ورقة رابحة في يد السلطات البحرينية للضغط على المعارضة وتحديدا من الجناح الشيعي فيها كي يرضخوا للأمر الواقع ويقبلوا بشروط مذلة لوقف الممارسات العدوانية التي تنتهجها السلطات تجاههم، ويحفظوا حياة مواطنيهم وما بقي لهم من مساجد وحسينيات لها دور محوري في تثبيت دعائم الوجود والهوية الشيعية في البحرين. فالأمر كما يرى أصحاب هذا التصوّر هو تعبيد الطريق أمام عملية مقايضة وابتزاز للمعارضة. وهذا التصوّر وإن كان مقبولا وله مسوغاته وله مايؤيده من ممارسات سابقة للسلطات البحرينية، وكذلك ما هو على أرض الواقع من ممارسات في منتهى الدناءة هدفها الوحيد هو أن تبقي حمد بن عيسى على عرشه الموروث، وأن يستتب الأمر لآل خليفة في مزرعتهم، إلا أنّ علة هذا التصوّر تتمثّل بقصر نظره، حيث يضع برنامجا كبيرا خبيثا ممنهجا في سياق محاولة ابتزاز آنيّة، وفي سياق لعبة سياسية محدودة مكانيا وزمانيا. والحقيقة أنّ هذا المخطط الشرس الذي تقدم عليه السلطات البحرينية وتتحمس له بأكثر من حماس فرعون حين لاحق بني إسرائيل، وأشدّ من رغبة النمرود في إلقاء خليل الرحمن في النار المتأججة، هذا المخطط يهدف إلى ما هو أبعد من مجرد محاولة ابتزاز ومقايضة، فضلاً على أن يكون محض انتقام وردة فعل غاضبة لا تلبث أن تهدأ حين ينفث البركان كل حممه الحارقة. بل هو ببساطة مخطط طمس الهوية، ومحو الثقافة الشيعية في البحرين، هو مخطط استئصال الوجه الشيعي للبحرين، و مصادرة النكهة الشيعية الغالبة على الأرض البحرينية.وسحب كل الخيوط الشيعية من النسيج البحريني، ولعمري ما سيبقى من هذا النسيج بعد سحبهم؟! هذا المخطط أشبه ما يكون بتهويد القدس حيث الهدم وتغيير الملامح والأسماء، وتهجير السكان من أحيائهم، وغيرها من الممارسات الصهيونية التي ربما خُطّط بعضها و أمراء البحرين متحلقون على موائد الموساد الصهيوني يشربون نخب الرصاص المصبوب!
إذاً الهدم الذي تمارسه الجرّافات الخليفية الحاقدة هو جراحة - ليست تجميلية بالطبع - للوجه البحريني لإزالة أجمل ما فيه وهو الملامح الشيعية، وهو إسكات للمنابر الحسينية الصادحة بالحق، وتجفيف لذلك النبع الولائي المتدفّق في البحرين العزيزة، ومصادرة لتلكم الدموع الكربلائية التي تتلألأ على وجنات البحرينيين صباحاً ومساء. باختصار هو مخطط قتل ودفن للأثر الشيعي في البحرين، مقدمة للقضاء على الوجود الشيعي برمته هناك، حتى لو تطلّب الأمر إبادة الطائفة الشيعية بأكملها، وإبقاء المرتزقة والمجنّسين والأجانب جمهوراً مصفّقاً لمسرحية آل خليفة الهزلية المليئة بالأقنعة والألوان والفقاعات والدخان والمفتقرة للعنصر الآدمي. ويتعزّز هذا الرأي جدا بالنظر إلى أرتال الدبابات السعودية التي عبرت ما يُسمى "جسر المحبة" وحولته إلى جسر البغضاء والضغينة، وذلك القطيع أو القطعان من الدبابات لم تكن تحمل المقاتلين المدجّجين بكل أسلحة القمع والتدمير وحسب، بل كانت تحمل أيضا ذخيرة هائلة من التكفير والافتراء والإلغاء، وكميات ضخمة من الجمود والتحجّر والسطحية، تلك الدبابات التي حقنها نايف بن عبدالعزيز في وريد الديكتاتورية البحرينية بعد أن أوشكت على الاندثار تحت وطأة عاصفة الثورة المحقة. تلكم الدبابات حملت في أحشائها مجموعات من المجرمين الظلاميين يُدعوْن "صقور نايف" وهدفهم حماية قصور نايف وغير نايف من عملاء الشيطان، حملتهم الدبابات في أحشائها وفرّختهم في شوارع البحرين يعيثون فسادا وخرابا، وقد بُرمجوا في نجد لتنفيذ مخطط استئصال الملامح الشيعية من وجه البحرين، أي بعبارة أخرى إزالة وجه البحرين كاملا، لأن البحرين بلا شيعتها ليست هي البحرين أبدا، بل ستكون دولة أشباح ومكان تفريخ للمزيد من الشياطين، وهذا لن يكون أبدا، لأن شيعة البحرين هم أكثر تجذّراً من أقدم صخرة وموجة ونخلة في البحرين، بل إن آل خليفة وكل ملكهم وسلطانهم لا يعدون أن يكونوا بعض الغبار على حذاء التاريخ العريق لشيعة البحرين، وسيزول هذا الغبار لا محالة.
والسؤال الذي يطلّ برأسه ملحّاً، هو: لماذا حرق وتمزيق المصاحف؟! فالمساجد عرفنا أنها مساجد الشيعة، والحسينيات بالطبع خاصة بالشيعة، وكتب الأدعية هي مما يتسلّح به الشيعي في صباحه ومسائه، لكن لماذا القرآن؟ وهو ليس خاص بالشيعة وحدهم، بل هو قرآن المسلمين كل المسلمين، هو كتاب الله تعالى الذي نزّله على قلب خاتم النبيين، فلماذا يُحرق ويُمزّق؟! هل لأنّه ارتكب خطيئة وجوده في مسجد للشيعة أو حسينية؟! أو لأنه رضي أن يبقى في يد شيعية يقرؤه صاحبها آناء الليل وأطراف النهار؟! أو لأنه رضي أن يستمع وينصت إلى محاضرة حسينية ويبكي على مصائب الحسين ؟! لماذا يُحرق ويمزّق المصحف؟! هل الذين مزقوه وأحرقوه يجهلون أنه قرآن الإسلام المقدّس المطهّر؟! هل هم مرتزقة من السيخ والهندوس أبيحت لهم مساجد الشيعة وحسينياتهم يعيثون فيها فساداً؟! هب جدلاً أنهم فعلا من السيخ والهندوس العاملين في البحرين، إنهم ولا شك يعرفون المصحف ولا يجهلون شكله، بل أنا على يقين أنهم سيحترمونه ويوقرونه لو وجدوه ملقى على الأرض أكثر مما يحترمه ويوقره آل خليفة وآل سعود ! الأمر ليس كذلك أبداً، فالذين حرقوا ومزّقوا المصاحف هم من المحسوبين على الإسلام للأسف، هم من الذين أريق حبر على هوياتهم هو أثمن منهم يقول إنهم مسلمون! هم مزّقوا وأحرقوا كتاب الله عن سبق إصرار وترصد وبنية مبيتة، وتنفيذا لمؤامرة حيكت بالليل والنهار سرا وعلانية، وقد فعلوا ذلك بتفكير وهّابي تكفيري خبيث وتنفيذ خليفي دنيء، فعلوا ذلك كي يلفّقوا دليلا على فرية قديمة قدم حقدهم وجمودهم مفادها أن الشيعة لديهم قرآن غير القرآن، لديهم ما يُعرف بمصحف فاطمة، ولسان حقدهم وبهتانهم يصيح هاهو قرآن الشيعة يملأ مساجدهم وحسينياتهم وها نحن نحرقه ونمزقه ! وستنطلي هذه المسرحية الوهابية على كثير من السُذّج والحمقى وهواة التكفير، وعلى كثير من أصحاب المصالح لا لأنهم يصدقونها بل لأنها تحفظ لهم مصالحهم السياسية والاقتصادية.
إنّ ما تقوم به السلطات البحرينية مدعومة من القوات السعودية والإماراتية وتحت غطاء إعلامي وسياسي عربي وعالمي لهو وصمة عار في جبين الإنسانية جمعاء، ولطخة خزي بحجم الكرة الأرضية في وجوه كلّ المتآمرين الظالمين، سدنة القمع، وسماسرة الظلام، ومجرمي هذا الكوكب المسكين.




Script executed in 0.033269882202148