أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

«البيك» خصم مدلل على «الحلبة الزرقاء»... برغم مناوراته الموجعة

السبت 23 نيسان , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,579 زائر

«البيك» خصم مدلل على «الحلبة الزرقاء»... برغم مناوراته الموجعة
يوم زار وفد كبير من منطقة اقليم الخروب قصر المختارة، منتصف الشهر الماضي، لشكر «سيّده» على مساعيه في تعيين وليد درويش بصبوص، ابن الاقليم، رئيساً لمصلحة الدروس في التنظيم المدني، حرص وليد جنبلاط على مصافحة أعضاء الوفد فرداً فرداً، وعلى إلقاء تحية الوداع على مدخل القصر، في دلالة على المنسوب العالي من الرعاية التي يوليها «البيك» لأبناء الخاصرة الرخوة لـ«شوفه».
هو السبب عينه الذي دفع «زعيم الجبل» إلى الانغماس في معركة نقابة مهندسي بيروت، غارقاً في ثنايا تحالفاتها، وحساباتها المناطقية، من باب إصلاح ما أفسده «عطّار» التكليف الحكومي. فتراه ينسّق مع «التيار الوطني الحر» لسحب مرشّح «الأحباش» ليكون محمد بصبوص رئيس بلدية داريا، أحد مكونات لائحة الأغلبية الجديدة «الهندسية». كما تلمحه يحمّس مهندسي «الاشتراكي» على النزول بكثافة إلى دار النقابة للإدلاء بأصواتهم في صندوقة محددة، هي صندوقة ايلي بصيبص... في مواجهة تحالف «القوات»- «المستقبل» الذي حاول تحييد الصوت الاشتراكي من خلال ضمّ مرشحه أيمن زين الدين إلى القائمة الآذارية، على أمل اقتسام «الغلّة الدرزية».
ولكن حسابات الليل «الرمادية»، قضى عليها «فجر» اليوم الانتخابي الفاصل بين أبيض الخيار الواضح، وأسود الموقف الغامض. وحملت «جبهة النضال» إلى حلبة الملاكمة بوجه حلفاء الأمس، ليسدّد وليد جنبلاط ثاني ضرباته على خدّ سعد الحريري.
إذ ما كاد يمرّ نحو خمسة وأربعين يوماً على الاتصال «اليتيم» بين «الشيخ» و«البيك» بعد قطيعة شهرين، في محاولة لكسر حاجز «الطلاق الحكومي»، حتى لفّ الجليد مجدداً، علاقة «الوسط» بكليمنصو. ولكن على الرغم من ذلك، فإن خيطاً رفيعاً، من الصعب انقطاعه، يحفظ دوماً قنوات غير ملموسة بين المرجعتين، يقودها وزراء «جبهة النضال» إلى جانب بعض الشخصيات «الزرقاء» كالنائب محمد الحجار وغيره من «الزملاء».
وما العشاء على طاولة «صديق مشترك»، والذي جمع «دولة» فؤاد السنيورة مع جنبلاط، إلا ترجمة عملية، لعلاقة «ملتبسة»، تجعع بين الفريقين، وإن باعدت بينهما «حروب الجبهات». إذ مجرّد جلوس الرجلين وجهاً لوجه، يعني أن ثمة حواراً، وإن كان غير منتظم، انطلق بينهما.
ولذلك اللقاء قصته مع الانتقادات الجنبلاطية المتتالية لفؤاد السنيورة، فما كان من الأخير، الا أن أمسك بالتلفون واتصل بالصديق المشترك بينه وبين الزعيم الدرزي، وسأله عن سبب حملة «وليد بيك» عليه، وجاءه الجواب من القناة نفسها أن لا مشكلة شخصية معه بل ثمة موقف سياسي رداً على موقف. سأل الصديق المشترك وليد جنبلاط اذا كان يمانع اللقاء مع السنيورة، فقال له «لا مشكلة أبداً»، وتكرر الجواب من عند رئيس الوزراء السابق.
وبعد ذلك، عقد اللقاء، وصار عمره أكثر من أسبوعين (3 نيسان تحديداً) وشارك فيه إلى جانب جنبلاط «الترويكا» الجنبلاطية: غازي العريضي، أكرم شهيب ووائل أبو فاعور، فيما حضر إلى جانب السنيورة، «الصديقان الوفيان» طارق متري وجهاد أزعور، بالإضافة إلى «الصديق المشترك»، علماً بأن العشاء تأجل لأسبوع، بعدما حدد موعده في المرة الأولى في الخامس والعشرين من آذار الماضي، لأنه تزامن مع احتفال تنصيب البطريرك بشارة بطرس الراعي.
صال جنبلاط والسنيورة وجالا في المنطقة والعالم ومرّا على الحكومة و«الثورات العربية» وعلى بعض الهوايات الخاصة، وبينها آخر المطالعات الجنبلاطية وآخر الأرقام المالية (السنيورة)، ولم تحضر السياسة على المأدبة إلا لماماً، وتم التوافق على تكرار الجلسة من دون تحديد موعد لاحق.
تحصين الوحدة الوطنية، كانت طبقاً رئيساً على المائدة المضيفة، لا سيما وأنها كانت احد الحوافز المشجّعة على اللقاء، نتيجة مقال نشر في صحيفة daily star، حول ضرورات تمتين الصف الداخلي، كان «البيك» قد دعا «دولته» لقراءة العِبر من سطوره. في تلك الليلة، لم يجد السنيورة نفسه في موقع الدفاع عن موقف فريقه «الحريص على الوحدة الداخلية، فعلاً لا قولاً، من دون أن يعني ذلك أن الردّ على استفزازات الآخرين هو من باب تخريب السلم الأهلي»، داعياً محدّثه إلى مناقشه هذه الهواجس مع من يثير الاستفزاز، ومؤكداً أن «تيار المستقبل» هو من دعاة الحوار والتواصل.
في الحيثيات الجنبلاطية، الحوار «شرّ لا بدّ منه»، ولا يجوز لمن يرفع هذا الشعار أن يمارس سياسة القطيعة أو أن يقفل الأبواب بوجه فريق يمثل فئة كبيرة من اللبنانيين. أما وضع تصور واضح لنتائج هذا الحوار، فهو من باب استباق المسار الطبيعي للحركة السياسية و«سلقها»، علماً بأن «طرفي» المائدة لا تتملّكهما عقدة الوهم، كما يقول الجنبلاطيون.
«البيك» من دعاة توسيع الرقعة الحوارية وإعادة إحياء طاولتها لتشمل كل القوى السياسية، لأنه من الجائر الحكم عليها بالإعدام، لا سيما أنّ الجالسين حولها هم أصحاب القرار في تعزيز موقعها وأهميتها، وفي تقليلهما. ولذا لا بدّ وفق هذا الفريق، من إسقاط الصفة الموسمية عن «الفصل الحواري» ليكون «ملجأ» مفتوحاً في كلّ أيام السنة.
ويؤكد «الجنبلاطيون» أنهم حملوا أفكارهم ووضعوها كما هي على المائدة، على أمل أن تتوسّع الدائرة الحوارية، علماً بأن لا شيء يمنع بنظرهم أن تكون الخطوة التالية «على وزن» لقاء جنبلاط - الحريري.
لكن التجربة الحريرية - الجنبلاطية تدلّ على أنّ التواصل المتقطّع، لم يضع يده على جرح الخلاف، وإن كان الفريقان يحرصان على ترك مكان لخطّ الرجعة. والزعيم الآذاري يدرك أنه ليس من مصلحته «معاداة» طائفة أخرى ومخاصمة «رجلها الأول»، طالما أنها تحتفظ في قلبها بذكريات مشتركة جميلة، هي على استعداد دوماً لإيقاظها، متى «استدعاها» البيك...
في «الجردة الزرقاء» لـ«الانقلاب الجنبلاطي»، تحتل المبررات حيزاً واسعاً في القراءة الهادئة: الضغوط التي مورست على جنبلاط لها ثقلها في تغيير خياراته، وخوفه من تسلل الفتنة إلى الجبل ومن خلفه الساحة اللبنانية، له تأثيره على مواقف من كان الخطيب الأعنف على «المنبر الآذاري».
أصوات «جبهة النضال الوطني» التي أخرجت «حليف الأمس» من السرايا الحكومية، وحملت نجيب ميقاتي على متن أغلبية جديدة إلى «نادي» رؤساء الحكومات المكلفين، تركت صدمة في نفوس «أهل الوسط». لا مجال لإنكــار هذه الواقعة. فبعدما نام هؤلاء على وسادة ناعمة فرشها الزعيم الدرزي على سرير رئيس حكومة تصريف الأعمال، واعداً إياه بالمساهمة في تمديد إقامته في السرايا الحكومية، سحبت ظاهرة «القمصان السوداء» البساط من تحت قدميه، لتحيله إلى لقب «رئيس حكومة سابق»، بتوقيع «البيك».
وعلى الرغم من وقع «الصفعة» التي وجّهها الزعيم الاشتراكي لنجل رفيق الحريري، إلا أنّ «الشيخ» لم يسد كلّ المنافذ التي قد توصل من جديد إلى كليمنصو، تاركاً بعض الكوّات التي تسمح بمرور رسائل ناعمة، بعدما أخذ علماً بالحيثيات التي دفعت بالأول إلى خيار نجيب ميقاتي.
في 13 آذار، لم تجد قوى الرابع عشر من آذار مانعاً يحول دون مراعاتها شعور الجمهور الجنبلاطي، ليس حبّاً به وإنما خوفاً من استفزازه، وتقليبه ضدّها، فافتقد المنبر إلى الخطيب الدرزي، علماً بأنّ كانت مشاركة أبناء الجبل وفق «المستقبليين»، أثبتت صحّة تصرّفهم.
قبل ساعات من فتح صناديق الاقتراع في نقابة مهندسي بيروت، كان مناخ الحزب التقدمي، كما بلغت أصداؤه إلى آذان «المستقبليين»، يشي بشيء من الوسطية قد تلوّن أصوات الاشتراكيين، بمعنى توزيع الـ«بلوك» التقدمي بين الفريقين الخصمين بالمناصفة... وفي أصعب الظروف ترك الحريّة للمهندسين في اختيار اللائحة التي تناسب تطلعاتهم.
ولكن في تلك الليلة، شمّر جنبلاط عن ساعديه، ونزل بثقله إلى المعركة: قفز من «حضن» الوسطية، إلى «حربة» الخيار الحاسم، وسعى بكل ما في وسعه لشدّ عصب قاعدته، وصوّبها نحو لائحة بصيبص. توجيهات صارمة ومتابعة مباشرة دفعته إلى الاتفاق مع «التيار الوطني الحر»، من خلال تنسيق مباشر بين جبران باسيل ووائل بو فاعور، لسحب مرشح «الأحباش» من القائمة «البرتقالية»، ليكون ابن الاقليم خماسي اللائحة.
لم يغيّر هذا الوضع من تكتيك تحالف المستقبل - القوات الذين ضمّوا زين الدين إلى لائحتهم، من باب حسن النيّة، وعلى أمل أن يبقى الجنبلاطيون على الحياد، ليكون بعد فرز النتائج، الأول بين رفاقه، لا سيما أن اللائحة الراسبة لم تأخذ بحسب حسابات ماكينتها الانتخابية أكثر من 10 % من وعاء جنبلاط الانتخابي البالغ نحو 550 صوتاً هندسياً، فيما جيّرت الـ90 % لمصلحة الخصوم.
البلوك الهندسي الممهور بتوقيع أبناء الاقليم بلغ أكثر من 800 صوت، وفق ماكينة «المستقبل»، فيما الفارق بين بصيبص وبصبوص يكاد يكون غير مرئي، أذ نال الأول 6699 صوتاً، فيما بلغت حصّة الثاني 6497 صوتاً... ما يعني، وبحسب «الميزان الأزرق» أن الاقليم مزاجه «مستقبلي» بامتياز، ولم يتخل عن قناعاته، لأن الافتراض بأن الاقليم صبّ أصواته لمصلحة لائحة الأغلبية الجديدة، يستدعي السؤال: أين تبخّرت هذه الأصوات؟ أليس من المنطقي أن تتجاوز «غلّة» بصبوص من القصاصات، «سكور» رفاقه؟
الاقليم خرج مبدئياً منتصراً من معركة النقابة، ولكن قاعدته «الزرقاء»، التي تشكل السواد الأعظم من أبنائه، نامت فعلياً منكسرة الراية. وعلى الرغم من ذلك، فإن الكلام الطيّب يغلب على ما عداه على ألسنة «المستقبليين»، الذين يرددون أن الاقليم ليس مساحة منفصلة لـ«تيار المستقبل» كما أنه لم يكن ولن يكون جزيرة معزولة عن محيطه، وأبناؤه ليسوا بوارد الانفصال عن مداهم الحيوي، الشوف، كما يؤكد النائب محمد الحجار في مجالسه.
ولكن للانزعاج مكانته في قلوب «المستقبليين»، الذين فوجئوا بحديّة الخيار الجنبلاطي، البعيد كلّ البعد عن الوسطية التي ينادي بها «البيك»، ولكنه لم ولن يجرّ بالضرورة إلى قرار حاسم بمخاصمة جنبلاط، لأنّ كلّ الاعتبارات التي تفوح من بيئته، هي موضع تقدير، في «البيت الأزرق»، وفق أهله. ثمة تعليمات واضحة بتطويق الحساسية الناجمة عن الافتراق السياسي.
بين المختارة ووادي أبو جميل، وضعية الإقليم الانتخابية، هي دوماً ثالثهما. يبني «البيك» حساباته، على أساس أن فرضية الطلاق واردة، وأن احتمال المواجهة مع حلفاء الأمس واردة. خلال جلسته الأخيرة على مائدة الرابية مع العماد ميشال عون، طلب «البيك» الطبق الانتخابي بواسطة الـDelivery، وضعه أمام «الجنرال» من باب التشجيع على إسناد حقائب خدماتية لوزراء مسيحيين بهدف تثيبت عودة المهجرين، ذلك لأن العائدين، وفق توصيف جنبلاط، يأكلون من صحن خدمات وزراء «الاشتراكي»، ويرمون الحجارة في بئر صناديقهم الانتخابية!
ولذا لا بدّ وفق الطرح الجنبلاطي، من ابتكار وسائل تساهم في تشجيع المشاركة المسيحية في الاستحقاق المقبل، إذ يكفي، بنظره وقوف 45 % من ناخبي هذه الشريحة أمام صناديق الاقتراع، كي يوضع الانتصار في الجيبة.
أما على «الأجندة الزرقاء»، فلم يجد استحقاق 2013، بعد فسحة اهتمام. القرار لا يزال بعيداً عن جدول المواعيد المحسومة في هذه اللحظة. ولكن الأكيد، أن «تيار المستقبل» سيسعى لتنشيط حركته ووجوده في الإقليم من باب تمتين ركائزه ودعائمه «الزرقاء»... ليكون من بعدها لكل حادث حديث.

Script executed in 0.035778999328613