قبل ستة عشر عاما وفي مثل هذا اليوم استطاع الشهيد السعيد صلاح غندور، الملقّب بـ"ملاك استشهاديي المقاومة الاسلامية "، أن يلحق هزيمة مدوية في صفوف جنود الاحتلال ، عندما اخترق بسيارته المحملة بالمتفجرات كل اجراءات العدو وفجّر نفسه برتل من آلياته أمام أحد أهم مقراته الاستخباراتية في بنت جبيل، ما أسفر عن وقوع أكثر من ثلاثين قتيلا وجريحا من جنود العدو وهو ما ترك صدمة كبيرة لدى قادة الاحتلال الذين ظنوا انفسهم بمأمن من ضربات المقاومة النوعية في تلك المنطقة في عمق الشريط الحدودي المحتل.
نبذة عن حياة الشهيد
الاستشهادي غندور من مواليد بلدة كفرملكي الجنوبية (قضاء صيدا) عام 1968، انتقل مع والديه في عمر الخامسة إلى الإمارات العربية، حيث كان يعمل والده، وهناك أمضى عدّة سنوات، درس فيها المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، حيث ظهرت عليه أمارات الوعي والإيمان، الذي تشكّل عنده من خلال البحث والمطالعة.
وفي مطلع العام 1984، عادت العائلة إلى لبنان في ظلّ الاحتلال الصهيوني، وبدأ الشهيد يتردّد إلى المسجد، ليشارك في الدروس الثقافية والمحاضرات الدينية، لينخرط بعد ذلك في صفوف المقاومة الإسلامية، وتبدأ مسيرته الجهادية الطويلة.
سكن غندور في بيروت، وتزوج وأنجب ثلاثة أولاد، في وقت بدأ رفاقه يلتحقون الواحد تلو الآخر بركب الشهداء، الأمر الذي ترك لديه بالغ الأثر، فكان ذلك سبباً في تركه للعاصمة، والتحاقه بمحاور المقاومة في الجنوب.
بعد شهرين، طلب الشهيد الانضمام إلى قسم العمليات، ليكون مقاتلاً في صفوف المجاهدين، وكان له ما أراد أواخر العام 1986، حيث أظهر قوّة تحمل كبيرة ومثابرة وشجاعة إضافة إلى الكفاءة العالية في كافة الأعمال القتاليّة.
على صعيد سلوكيات الشهيد ملاك، ينقل الكثيرون ممن عايشوه، أنه كان من العارفين، يدأب على الفرائض والنوافل، ويقرأ القرآن بتدبّر، ويواظب على قراءة الأدعية، ويطيل سجوده في الليل، ويُكثر من مراقباته، ومحاسبته لنفسه.
تفاصيل عملية بنت جبيل
أصرّ غندور على تنفيذ عملية استشهادية، وللغاية بدأ بالاعداد لجميع مراحلها، وعندما حانت ساعة الاستحقاق الكبير، اخترق المنطقة المحتلة واجراءات العدو وفجّر سيارة مفخخة محمّلة بخمسين كيلوغراماً من مادة الـ"تي أن تي"، كان يقودها بالقرب من بنت جبيل بدورية اسرائيلية كبيرة ما ادى الى تدميرها ووقوع العشرات بين قتلى وجرحى في صفوف الصهاينة والعملاء .

رسم كيفية حصول الانفجار
القافلة الإسرائيلية التي استهدفتها العملية كانت تسير من معبر رميش باتجاه مدينة بنت جبيل، حيث ما يسمى قيادة الادارة المدنية ومركز الاستخبارات الصهيونية المعروف وقتها بمركز الـ17، وكان على متن هذه القافلة جنود سيستبدلون بجنود آخرين، يراوح عددهم بين 35 إلى 40 جندياً.

خريطة عسكرية للمنطقة الذي وقع فيها الانفجار
السيد نصر الله يحيّي المجاهدين بعد نجاح العملية
بعد إعلان المقاومة في بيان لها نبأ الاستشهاد ونجاح العملية، وجّه الامين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله نداء الى المجاهدين حيا فيه "شعبنا الابي الشريف في الجنوب والبقاع الغربي وكل شعب لبنان وفلسطين"، داعيا "المقاومين الى الاستنفار الشامل دفعا لاي احتمال واستعدادا لاي تحد قد يلجأ اليه العدو الصهيوني امام الهزيمة الكبرى التي الحقها شهيدنا العظيم بقواته"، وحذر سماحته "العدو من أي خطأ او عدوان يرتكبه بحق اهلنا وشعبنا والا لن يسلم للاحتلال مدنيوه".

دلالات العملية وتأثيراتها
اكستبت عملية بنت جبيل الاستشهادية دلالات وأبعاد وتأثيرات كبيرة لخصّها السيد نصر الله بالاتية :
1 - طبيعة الهدف الذي هو مركز تاريخي لقيادة قوات الاحتلال العسكرية والمخابراتية ومركز الادارة المدنية وهو معروف بمركز الـ 17 وله تاريخ اجرامي، اذ يدير شبكات العملاء والجواسيس في الداخل اللبناني، وهو المسؤول عن كل عمليات الاجرام التي تتم من قتل واغتيالات وفتن وزرع عبوات، وهو المركز الذي تم فيه تفخيخ الكثير من السيارات الملغومة التي ارسلت الى المناطق غير المحتلة ، كما أن هذه العملية استهدفت قافلة عسكرية آتية مباشرة من فلسطين المحتلة.
2 ـ مكان العملية : هو في عمق المنطقة المحتلة وعلى مقربة مما يسمى الحدود الدولية.
3 ـ الاسلوب الاستشهادي للعملية.
4 ـ حجم الخسائر البشرية والمادية والمعنوية التي لحقت بقوات العدو.
كما أشار السيد نصر الله الى أن "هذه العملية جدّدت التأكيد على خيار المقاومة بالدم الاستشهادي ومن خلال العمل الاستشهادي خيارا وحيدا لاستعادة الارض والمقدسات ومقدرات الامة، وأكدت قدرة المقاومة امنيا وعسكريا لجهة الوصول الى أي هدف مهما كان مهمّاً حتى في عمق ارضنا المحتلة، اضافة الى تنفيذ المهمة بدقة متناهية وهذا ما اعترف به العدو".
ولفت سماحته الى أن "العملية أكدت حقنا ليس فقط في المقاومة، بل في استخدام كل الوسائل والاساليب والطرق واشكال العمل المختلفة لاستعادة ارضنا، ودحض المزاعم الاسرائيلية بأن زمام المبادرة بات في يد الجيش الاسرائيلي".
القادة الصهاينة : لا نستطيع منع السيارات المفخخة من العبور الينا

وسائل اعلام العدو أخذت منحى القادة العسكريين في إخفاء خسائر الاسرائيليين الكبيرة ، لكنّها فشلت في ذلك ، ولا سيّما حين خرج رئيس الاركان في الجيش الصهيوني أمنون ليفكين شاحاك عن صمته بعد اجتماع لجنة الخارجية والامن ليقول "حزب الله ضاعف من عملياته في الاونة الاخيرة ، وعملياته في الشهر الماضي (قبل نيسان 1995) توازي ضعف العمليات التي وقعت في الوقت نفسه من العام الفائت".
وكان مراسل القناة الثانية في التلفزيون الاسرائيلي قد أشار في النهار نفسه للعملية الى أن "حزب الله غيّر أساليب عمله، ولم يعد على استعداد لتلقّي ضربات من جانب جيش لبنان الجنوبي داخل قراه ، وبات إصبعه رخوا على الزناد".
وعليه، أحدثت العملية ارباكا عند القادة الصهاينة، ووسائل اعلامهم تنقل عنهم أنهم "لا يستطيعون منع السيارات المفخخة من العبور الينا".
اذا ، ساهمت العملية النوعية هذه للاستشهادي صلاح غندور في تسريع العد العكسي لاحتلال جنوبي لبنان وتقريب موعد الاندحار الصهيوني وسطوع شمس التحرير لاحقا في العام 2000.
وصية الشهيد
للشهيد ملاك نداءُ وجّهه قبيل تنفيذه العملية البطولية ، قال فيه :
أسأل الله أن يوفقني إلى لقاء سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين (ع)، هذا الإمام العظيم الذي علم جميع الأحرار كيف ينتقمون من ظالميهم. إنني إن شاء الله بعد قليل من هذه الكلمات سوف ألقى الله معتزاً، مفتخراً، منتقماً لديني ولجميع الشهداء الذين سبقوني على هذا الطريق.
بعد قليل سوف أثأر لجميع المظلومين والمستضعفين من أبناء جبل عامل وأبناء الانتفاضة في فلسطين المغتصبة، سوف أنتقم لجميع المعذبين في الشريط المحتل المعذب، إنني إن شاء الله مجاهد من مجاهدي المقاومة الإسلامية، تلك المقاومة العظيمة التي لم ترهبها طائرات العدو ولا دباباته وكل الأسلحة التي يمتلكونها ولا كل الدعم الذي يتلقونه من دول الكفر كافة.
سوف يكون لقائي القادم درساً جديداً، درساً كربلائياً ويكون فخراً للمسلمين وناراً ووبالاً على هذا العدو المتغطرس، الذي كسرت هيبته على أيدي أخواني المجاهدين من قبلي، والذين كسرت هيبته على أيدي الشهداء أحمد قصير والحر وأبو زينب وهيثم دبوق والشيخ أسعد وجميع الشهداء.
اخواني المجاهدين، فليكن بمعلومكم علم اليقين أننا إن شاء الله بكل تأكيد منتصرون، وهذا لا شك فيه مادمنا نعمل لله ونعرق لله ونستشهد لله. فإن الله لا شك منجز وعده وناصر عبده وإنه لا شك معز المؤمنين ومذل الكافرين، وهذا على أيديكم يا أبطال المقاومة الإسلامية.
كما للاستشهادي السعيد وصية وهي التالية :
بسم الله الرحمن الرحيم
{من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً} ( الأحزاب/23).
وصيتي إلى اخواني المجاهدين
بعد الصلاة والسلام على سيدنا ومولانا وحبيب قلوبنا أبي القاسم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعلى الأئمة الأطهار من بعده ولا سيما سيدنا ومولانا صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف وجعلنا من جنده والمستشهدين بين يديه.
والسلام على ولي أمر المسلمين السيد الخامنئي حفظه الله، وعلى السيد القائد حسن نصر الله، وعلى أمة حزب الله، وعلى الاخوة المجاهدين الذين يسطّرون كل يوم أروع الملاحم ويعلّمون الثوار طريق الثورة والشهادة.
أنتم تعلمون أن طريقنا طريق ذات الشوكة والصعاب فلا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم... وإن الله وعدنا بالنصر والعزة ووعده حق إنه لا يخلف الميعاد، فأرجو منكم المحافظة على وصية الشهداء وعدم التخلي عن هذا الخط ولو قطعنا إرباً إرباً.
وتذكروا دائماً الشهداء والأسرى، وقتال اليهود وإخراجهم من أرضنا وكل أرض اغتصبوها، وهذا ما قطعناه على أنفسنا لتحرير الأرض والإنسان.
بسم الله الرحمن الرحيم {ولتجدن أشد الناس عداوة ...}.
اخواني: لقد عاهدت نفسي على أن لا أواجه الله وسيدي أبا عبد الله إلا وأنا مقطع الأوصال والأشلاء بدون رأس ولا يدين حتى يكون لي قدم صدق عند مليك مقتدر، وأن يثبت لي قدم صدق مع الحسين وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين (ع).
أوصيكم بتقوى الله ونظم أمركم والسير على نهج الأئمة الأطهار (ع) المتمثل بالسيد القائد الخامنئي أعزه الله، وطاعة السيد العزيز حسن نصر الله، والسير في خط حزب الله إنه يمثل الصراط المستقيم في عالم الدنيا.
وأطلب منكم المسامحة، فرداً فرداً وبالخصوص الأخوة الذين عملوا معي وبدر مني أي تصرف أساء لهم بدون قصدي فإنكم تعلمون معزتكم عندي وانكم تمثلون شعلة الدرب المضيء التي تنير دربي، وأسأل الله ربي ولكم السعادة والشهادة.
أخوكم العبد الفقير إلى الله العزيز الجبار
__________________________
وصيته إلى أهل بيته
السلام عليك يا والدي العزيز
إني متأسف ومخجل منك على عدم اخبارك عند توجهي لعملي الأخير، فأرجو منك المسامحة على ذلك وعلى أي سوء بدر مني أو أي فعل أو حركة أساءت لك فأنت تعرف إني قد أخترت هذا الطريق طريق سيدي أبي عبد الله، طريق الشهداء فأرجو منك مسامحتي، وأنا أقول لك يا والدي بأن تتمسك بهذا الخط لأنه خط الرسول، وخط الأمير، وخط الأئمة الأطهار، وأرجو منك مسامحتي لقلة تواجدي معكم وبينكم، وأتمنى عند سماعك خبر شهادتي أن تكون لك فخراً وعزاً في الدنيا والآخرة وأن تكون صبوراً وتتذكر سيد الشهداء أبا عبد الله كيف قطع رأسه وهو بين أهل وما أعظمها من مصيبة. وصيتي لك أن لا تنساني من الدعاء وأرجو منك أن لا تنسي مسألة الخمس والحج إني أريد ان أراك بجانبي يوم القيامة.
ولدك العبد الفقير إلى رحمة ربه
والدتي الحنونة أيتها الصابرة، أيتها الصديقة العزيزة على قلبي:
تعبت كثيراً معنا وكنت خير أم وصديق، فأنت الصابرة الوفية، وكم كنت أتحدث معك عن مصيبة أبي عبد الله، والسيدة زينب، قصتها وتحملها المصيبة وكم كانت قوية في مجلس يزيد لعنة الله عليه، فقد كانت مقولة كل النساء على مدى مر العصور فأرجو منك أن تصبري، وتكوني يوم القيامة مع الزهراء، فأرجو منك المسامحة وأرجو أن لا تحزني ولا تلبسي السواد بل أرجو أن يكون يوم فرحة وعز لا يوم حزن وسواد، وأرجو منك مسامحتي على أي شيء حصل مني أو أي تقصير فإني لا أقوى على (زعلك).
المهم التمسك بهذا الخط يا والدتي لأنه خط أهل البيت، أرجو منك المحافظة على المسائل الشرعية.
ولدك العبد الفقير إلى الله صلاح
إلى زوجتي العزيزة، أيتها الطاهرة الصابرة والأم الحنونة:
لقد صبرت معي وتحملت الكثير من المصاعب والمعاناة فأرجو منك أن لا تحزني فإني ذاهب إلى المكان الذي أنت تعرفينه، إنه هو الخط الذي كنت أرجوه من العزيز الجبار وقد تركت أمانة وهي الأولاد ولتحفظي هذه الأمانة وترعيها وأنا أعرف أن المسؤولية صعبة وشاقة عليك، أعانك الله على ذلك، وأن لا تنسي أن تربيهم على خط أهل البيت كأبيهم نذر نفسه لله لرفع راية أمة حزب الله تحت قيادة وولاية السيد العزيز آية الله السيد الخامنئي حفظه المولى.