أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

بين فردان والرابية: العين بالعين والكتاب بالكتاب... والحريري ثالثهما

الثلاثاء 10 أيار , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,173 زائر

بين فردان والرابية: العين بالعين والكتاب بالكتاب... والحريري ثالثهما
في حضرة مجلس النواب، كان اللقاء الثاني الموسّع بمشاركة «ضباط الجنرال» التشريعيين. حديث فضفاض بين عون وميقاتي، عبَر حواجز الماضي التي كانت تحول دون لقاء الفريقين. لمحات عن كتب مرّت على يدي الرجلين. قواسم مشتركة قفزت إلى طاولة العمل، التربية، تنمية الجيل الجديد، الملفات الاقتصادية... مقاربات بدت قبل أسابيع بعيدة بُعد الأرض عن القمر، وإذ بها فجأة تلتحم في قالب واحد. ورادارات «العونيين» لم تلتقط إلا إعجاب «أبو ماهر» بشخص «الجنرال»، وسعة رؤيته، فيما «مرصد» الميقاتيين لم «يأسر» إلا الود في حديث ضيوفه... لتقفل صفحة «السجال بالواسطة».
المتساويان في الترتيب البروتوكولي، متباعدان في نشأتهما. يتحدر الرجلان من عالمين يكادان يكونان متناقضين. الأول ابن المؤسسة العسكرية، خبير المعارك الحربية، وعدته القصف المدفعي. لا يعرف المساومات لا بل ينبذها كما ينبذ «تدوير الزوايا» لأنها ليست من اختصاصنا. الثاني، متدين، ربيب عالم المال والأعمال. وسطي. تسووي في عقله ومنطقه، تجذبه الصفقات المربحة، وفي يده سلاح المفاوضات الباردة وشبكة علاقات لبنانية وعربية ودولية كبيرة.
لم يهلل «البرتقاليون» للعودة الثانية لابن طرابلس إلى السرايا الحكومية، ولو أن «جنرالهم» كان متحمسا لمحمد الصفدي، كما لم يندموا، أقله حتى اللحظة، على «خيار الواقعية» الذي كان متوفراً في تلك اللحظة. يعرفون جيداً طبيعة الحضن السياسي الذي استضافه طوال السنوات الست الماضية. لكنهم مرتاحون للتطمينات التي حملتها «رياح» الحلفاء «التغييرية» في الخامس والعشرين من كانون الثاني الماضي. هي مجرّد تطمينات كلامية، تلقيهم على «وسادة ميقاتية»، قد لا تكون حريرية، تعدهم بعدم الانقضاض على المقاومة أو سلاحها، على اعتبار أن حمايتها خط أحمر في القاموس الميقاتي، ما يعني أن مصير المحكمة الدولية رهن «شهية» قراراتها بـ«الاعتداء» على سلاح المقاومة.
خلال أكثر من مئة يوم من مشاورات التأليف، طغى «مدّ التقاتل» على «جزر التفاهم». العدّاد «البرتقالي» أسقط ساعة الصفر على تاريخ الثالث عشر من آذار. يومها قطع «دولة الرئيس المكلف» الأمل بامكان جمع «أضداد الأمس واليوم» في سلّة حكومية واحدة. ومن تلك اللحظة بدأ العد التنازلي. جبران باسيل المكلّف الرسمي بالتفاوض مع فردان، سلّم سيّدها رزمة مطالب «التيار»، التي بدأت بأربعة عشر وزيراً... وقد تنتهي بعشرة.
وبينهما، جولات من القصف المركّز، و«النيران الصديقة» لم توفّر فردان من لهيبها. تهديد بورقة حكومة الأمر الواقع يقابله ردّ على طريقة «لا أحد يربط له زنده»... أو اعتبارها «حرباً مع الذات».
ولكن الحمم المتسللة من «البركان العوني»، لا تستفز «مقر التكليف» في فردان، الملتحف بجدار من الأعصاب الهادئة. «إذ لكل شخص أسلوبه، والرئيس ميقاتي يحترم وجهات النظر كافة، لا سيما وأن للرجلين مقاربتين دستوريتين مختلفتين. وهو يرفض الدخول في أتون السجالات الإعلامية، شرط أن لا تصل إلى حدود التجني».
في آخر دفعة من «الصواريخ البرتقالية» دعوة لتمثيل المجلس النيابي حكومياً واحترام «الطائف» نصاً وروحاً، «الذي فرض على رئيس الحكومة أن يكون محكوماً بمواقف الكتل النيابية»، ليكون ردّ رئيس الحكومة المكلف، من عيار «أن الدستور لم يأت على ذكر نص يترجم هذا المبدأ، وإلاّ كيف يمكن للحكومات أن تضم وزراء راسبين في الانتخابات النيابية؟»
ميقاتي «المنقلب» على شارعه، يخوض معركته على محورين: تعزيز موقعه بين حلفاء اليوم، والتخفيف من نقمة الجمهور بين حلفاء الأمس. فتراه يصوّب إحداثيات سهامه، نحو الأقربين، كي يتجنّب الأبعدين. يأخذ عليه «البرتقاليون» أنه أسير بيئته، يريد المزايدة على «الشيخ سعد» كي يحسّن وضعيته في الشارع السني، لدرجة أنه يتصرف في بعض المحطات، كـ«حريريّ» أكثر من سعد الحريري!
يخوض مواجهات «غير مسؤولة» مع «تكتل التغيير والإصلاح»، كما يرى هؤلاء، كي يحاكي «كنّته» في الجمهور السني. من هنا انطلق وإلى هناك يعود. مسكون بهاجس الإثبات أنه يرفض إعطاء ما كان سلفه قد منحه، علماً بأن حلفاءه الجدد لم يطلبوا، ولن يطالبوه بالتفريط بصلاحيات الرئاسة الثالثة. ولكنها «عقدة التمثيل» الشعبي هي التي تدير «غرفة التحكّم» في الذهن الميقاتي، كما يرى «العونيون».
أما هو فيردّ على منتقديه، على طريقة «العين بالعين» والكتاب بالكتاب... «هل اكتشفوا راهناً أن ميقاتي ابن الطائفة السنية؟ هلى المطلوب منه التخلي عن بيئته كي يكون مقبولاً من شركائه؟ لماذا يؤخذ عليه حرصه على التمسك بموقع الرئاسة الثالثة، فيما قضية الآخرين هي استعادة حقوق المسيحيين؟؟ وأين هي النصوص الدستورية التي يطالبون باحترامها؟»
الشائعات والأخبار راحت تتكدّس على طاولة الرابية منذ أن سمي «رجل الأعمال» رئيساً للحكومة: صاحب «المليارات» الذي بات واحداً من الشخصيات المصنّفة عالمياً بثقل «جيبها»، «تلاحقه» الالتزمات الخارجية و«يتعبه الخوف على استثماراته الضخمة». «الرجل مغلوب على أمره بسبب شبكة مصالحه المتغلغلة في المنظومة الدولية». لكن مبدأ واحدا يغلب على ما عداه على الأجندة «البرتقالية»: «عندما يلتزم أحدهم بالمسؤولية العامة، يفترض به أن يتخطى حساباته الشخصية. إما الوطن وإما الحساب المصرفي».
قائمة مآخذ «الجناح المسيحي» في الأغلبية الجديدة، على رئيس الحكومة المكلف بدأت تطول، تبدأ بتوصيف الأزمة ولا تنتهي بتصنيف المفاوضات: يريد الإيحاء أن العقدة داخلية في «الداخلية»، معزولة عن كل محيط لها. ولكن ثمة شعورا يتسلل إلى أذهان الرابية بأن ميقاتي في صدد ترقّب جلاء الصورة الخارجية، قبل أن يخطو خطواته الأخيرة المؤدية إلى السرايا الحكومية، وكأن صورة المعادلة الإقليمية ستنتج معادلة داخلية جديدة. يقّرأ «العونيون» عبر الصحف غير ما يسمعون في الجلسات مع «دولته». باختصار هو الخوف من ترسّبات «آذارية» تطفو على سطح أداء رئيس الحكومة المكلف، وتعكّر «صفاوة» اللون الموحّد للأغلبية الجديدة.
في «مطالعته الدفاعية» يعتبر ميقاتي أن لـ«عملة» كلامه وجها واحدا، لكنه ليس مضطراً لتقديم التوضيحات في الإعلام حول خريطة مشاوراته. أنا من أعطاني الدستور الحق بتشكيل الحكومة. أنا غير معني بالإفصاح عن فحوى مفاوضاتي ووجهتها بين الفينة والأخرى، لأن التأليف مسؤوليتي بالتنسيق مع رئيس الجمهورية... أما «كشف الحساب» اليومي، فهو غير وراد في أي نصّ قانوني. أما بالنسبة للتطورات الإقليمية، فهو يكتفي بالتذكير بدعوته أكثر من مرة، للاستفادة من عبرة الأحداث الجارية خلف الحدود لتكون حافزاً لتشكيل الحكومة وضبط الأوضاع المحلية، ليعيد حصر العقد الحكومية وفق المعطيات التي بين يديه، بحقيبة الداخلية، وبكلام أوضح بـ«اشكالية العلاقة بين الرئاسة الأولى والعماد عون».
تلاقٍ غير مرئي بين الرئاسة الأولى والثالثة، يثير الريبة في أذهان «العونيين»: تلوحّان بعصا الدستور متناسيتين أن ورقة «الثقة» هي في يد البرلمان وحده. تغضّان الطرف عن واقع مكرّس على الأرض وهو أن الحالة المسيحية في الأكثرية المسيحية هي في «قبضة» الرابية، وإذا كانتا تريدان التغاضي عن هذا الأمر، فهما بذلك تعيدان إحياء عهد الوصاية لتركيب «دمى مسيحية».
تقاطع المصالح بين بعبدا وفردان يؤرق «البرتقاليين» ويرفع من منسوب الحذر من الأيام المقبلة. يحرصان على بناء جدار من الدعم الممانع، متلطين وراء الرئاسة الأولى لمحاصرة مطالب «التكتل»، فيضرب «دولة الرئيس» أكثر من عصفور بحجر بعبدا: يدغدغ مشاعر الجمهور السنيّ بعدما جهّز «تيار المستقبل» أرضية الخصومة لـ«التيار الوطني الحر»، ويعزّز دفاعات الرئاسة المارونية بمواجهة الزعامة المسيحية.
أما رئيس الحكومة المكلف فيكتفي بالاحتماء بجدار الدستور ليبرر دعمه الرئاسة الأولى كموقع دستوري، من دون أن يعني ذلك رغبته الدخول في لعبة المحاور التنافسية.
تراكمات الخمسين يوماً (على اعتبار أن العداد «البرتقالي» اشتغل منذ 13 آذار)، أفضت إلى نوع من فقدان الثقة النسبي بين «دولة المكلف» و«الجنرال». يحاذر الأول السير بين ألغام تجرّأ سلفه على حملها بيده، فساير «مشاغب المفاوضات» لدرجة إعلانه شبه تركيبة حكومية من أمام دارته. يخشى الخلف من جرّه إلى هذا المربّع المحرق، وإن كان «دفتر الشروط البرتقالي» كما يقول أصحابه، لا يتضمن بنداً من هذا النوع.
يردّ «الميقاتيون» بأن الحرص على موقع رئاسة الحكومة ليس مستجداً أو ابن ساعته. ويكفي فلفشة بعض الأوراق الماضية، للتأكد من أن ابن طرابلس كان أول من انتقد سعد الحريري يوم تقدّم من مجلس النواب طالباً الثقة على «الهفوة الدستورية» التي قام بها إرضاء لـ«جنرال الرابية». وفق نظرته، هي لسيت مزايدة على سلف أو خلف، وإنما تمسك بالدستور. ولكن بالنتيجة، لم يصل التباين في الرأي، وفق المنظور الميقاتي إلى حدود ملامسة زجاج الثقة، علما أن أحد المدافعين عن ميقاتي من «جبهة النضال» يردد «أن من لا يعرف نجيب ميقاتي، عليه أن يتعرف عليه جيدا. هو لن يسمح لأحد بأن يشكل حكومته. هو ليس سعد الحريري ولا عمر كرامي، واذا كان البعض في الأكثرية الجديدة ليس راضيا عنه، ليبحثوا منذ الآن عن رئيس حكومة جديد».
أن يكون ميقاتي وعون سوياً في مركب الأغلبية الجديدة، يعني أن المصير صار مترابطاً، لأن غرق السفينة يهدّد كل الركاب. ولكن لا مكان لعقدة ذنب في «الذهن البرتقالي»، المتأهب دائماً لإطلاق النار. «لقد أثبت انه ليس دمية بيد «حزب الله» أو حلفائه، أو النائب الثالث عشر في «كتلة الوفاء للمقاومة»، وهو يتمتع بكلّ مقومات المناورة السياسية وحريّة التحرك. ولهذا لا خوف عليه من «الرصاص البرتقالي». فليشكّل حكومته ليحقق بها انجازاً في شارعه... أما العبرة بنظر ميقاتي، فتبقى في نيّة شركائه الجدد في تسهيل مهمته.

 

Script executed in 0.034898996353149