تكثفت اللقاءات والمشاورات خلال الساعات الماضية، بما يوحي ببدء دورة مساعٍ جدية لوضع الحكومة الميقاتية على سكة التأليف، ترافقت مع تطاير عبارة «الأجواء إيجابية» من مختلف المقارّ المعنية، مع حرص واضح لدى الجميع على التعاطي الحذر مع تطورات هذا الملف.
المعلن من لقاءات أمس تركز في قصر بعبدا ومنزل الرئيس المكلف نجيب ميقاتي في فردان. وأظهر تسلسل هذه اللقاءات أن كلاً منها أنتج معطيات أدت إلى الثاني فالثالث. والبداية كانت بين رئيسي الجمهورية ميشال سليمان ومجلس النواب نبيه بري الذي وإن خرج من القصر الجمهوري صامتاً، إلا أنه وصل إلى ساحة النجمة منشرحاً وباسماً، وقال للصحافيين: «إربت تنحل»، قبل أن يستدرك بتحفّظ «عم بمزح». ثم نقل عنه النواب الذين التقاهم في إطار لقاء الأربعاء النيابي تأكيده وجود إصرار قوي على الإسراع في تأليف الحكومة، وأن العمل يجري ساعة بساعة للوصول إلى النتائج المرجوة، معلناً أنه لمس تقدماً في عملية التأليف. ووصف الأجواء بأنها أفضل وأحسن، لكنه لا يستطيع أن يقول «فول تيصير بالمكيول».
وبعد مغادرة بري، وصل إلى قصر بعبدا الرئيس المكلف نجيب ميقاتي الذي علم أنه أرجأ أو ألغى موعداً في فردان، وتوجه للقاء سليمان بناءً على طلب الأخير. وأفيد بأن أجواء هذا الاجتماع كانت إيجابية. وتأكد ذلك من خلال لقاء رباعي عقد في دارة ميقاتي جمعه والوزير جبران باسيل والنائب علي حسن خليل والمعاون السياسي للأمين العام لحزب الله حسين الخليل.
وكشفت مصادر متابعة للقاءات والمشاورات أن الأسماء الثلاثة المقترحة ليتولى أحدها حقيبة الداخلية، هي: الضابط المتقاعد في قوى الأمن الداخلي مروان شربل، القائد السابق للدرك أنطوان شكور والنقيب السابق للمحامين شكيب قرطباوي، معلنة أن الأمر حسم لشربل، لأنه يمثّل تقاطعاً بين رئيس الجمهورية والعماد ميشال عون، فهو صهر أدونيس عكرة القريب من عون، وسليمان يعرفه من مدينة جبيل لسنوات وتربطه به صداقة، وكان يدعوه معه ضيفاً في أسفاره الرسمية إلى الخارج.
كذلك أكدت المصادر حسم حصة كل طرف من الحكومة الثلاثينية، بحيث يحصل الثلاثي سليمان وميقاتي والنائب وليد جنبلاط على 11 وزيراً، أي الثلث المعطّل، لكنه ثلث يتضمن ما يشبه الوديعة، هو وزير الداخلية المحسوب من حصة سليمان والمتوافق عليه مع عون. وتشمل حصة رئيس الجمهورية من الـ11، مارونيَّين وأرثوذكسياً، وحصة ميقاتي 4 سنّة بمن فيهم هو وأرثوذكسي، فيما يحصل جنبلاط على وزيرين درزيين وواحد سنّي. وتبلغ حصة تكتل التغيير والإصلاح ككل 11 وزيراً: 6 لكتلة عون، 2 لحزب الطاشناق، 2 للنائب سليمان فرنجية وواحد للنائب طلال أرسلان. ويتقاسم المقاعد الشيعية الستة: حركة أمل 3 وزراء، حزب الله 2 والحزب القومي واحد، إضافة إلى مقعد للنائب نقولا فتوش وآخر للمعارضة السنّية.
وإذ لفتت المصادر نفسها إلى أن السوريين مستعجلون على التأليف، ذكرت أن الجلسة الرباعية في فردان أمس كانت الأولى التي تبحث في الحقائب والأسماء، حيث طرح كل واحد من الحاضرين ما عنده ومطالبه، متوقعة حسم أمر التأليف بعد جلستين مماثلتين «إذا استمرت الأجواء نفسها».
لكن هذه الأجواء الإيجابية تراجعت ليلاً، حيث ذكرت مصادر مطّلعة على المشاورات أن ميقاتي أبدى انزعاجه الشديد من تسريب اسم شربل مرشحاً توافقياً لتولّي وزارة الداخلية، ونقلت عنه قوله: «إن من يريد جدياً تأليف الحكومة لا يحرق اسم الرجل بهذه الطريقة». وجرت اتصالات بين ميقاتي وعدد من الشخصيات السياسية، في محاولة لتهدئة الأجواء والحفاظ على ما تحقق خلال اللقاء الرباعي المسائي. ونفت مصادر معنية أن تكون الأجواء قد اتّسمت بالإيجابية التي جرى تسويقها بعد الاجتماع الرباعي.
وكان المنسق الخاص للأمم المتحدة مايكل وليامز، قد أكد الأجواء الإيجابية النهارية، بعدما زار العماد عون والوزير محمد فنيش، إذ أبدى بعد لقائه الأول سروره بما سمعه منه عن «أن هناك تقدماً في المسار الحكومي». ونقل عن فنيش أنه متفائل بحذر «بأننا سنرى الحكومة في وقت قريب»، واصفاً نقاشه معه بأنه جيد وشمل الوضع الداخلي وأوضاع المنطقة. وشدد وليامز على ضرورة تأليف الحكومة «في أقرب وقت ممكن لمواجهة التحديات التي من الممكن أن يواجهها لبنان»، مبدياً قلقه من أن «ما يحدث في بعض البلدان من اضطرابات، قد ينعكس على لبنان».
كذلك، رأى سفير فرنسا دوني بييتون، بعد لقائه ميقاتي أمس، أن بقاء لبنان بدون حكومة في ظل «تقلبات عميقة» في المنطقة، يجعله «في وضع غير محصّن». وقال إنه لا يعود للمجتمع الدولي أن يتدخل في شكل الحكومة المنتظرة، لكن يحق لهذا المجتمع «أن يقلق من إضعاف بلد يمثل الكثير على صعيد الحريات وإرادة العيش معاً، وهو بلد يهمنا استقراره».
وتلقّى ميقاتي أمس اتصالاً من رئيس وزراء الأردن معروف البخيت، تناول التطورات الإقليمية. وأمل البخيت تأليف حكومة جديدة «تضطلع بمواجهة التحديات والحفاظ على أمن لبنان واستقراره وتلبية تطلعات الشعب اللبناني».
في هذه الأجواء، ترددت معلومات أمس عن أن مساعد وزيرة الخارجية الأميركية، جيفري فليتمان، سيصل إلى لبنان في الساعات الثماني والأربعين المقبلة. فهل تسبقه الحكومة أم يسبقها وينسفها؟
تركيا وإيران
أعلن النائب السابق فارس سعيد أن الأمانة العامة لقوى 14 آذار تنظر إلى التطورات في المنطقة بأمل كبير، وأنها ستقدم الأسبوع المقبل ورقة عن قراءة 14 آذار لهذه التطورات وانعكاساتها، متحدثاً عن «دخول جدّي للجانب التركي في قضايا الداخل العربي، وتراجع ملحوظ للنفوذ الإيراني في المنطقة».