أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

عاصفة «الداخلية».. زوبعة في فنجان «الجنرالين»

الثلاثاء 17 أيار , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,048 زائر

عاصفة «الداخلية».. زوبعة في فنجان «الجنرالين»
كاد اللبنانيون يصدقون في لحظة أن العقدة التي تؤخر تشكيل الحكومة هي «الداخلية»، وحتى الوزير زياد بارود راوده شك في نفسه، وكاد يقتنع انه استحال عقبة امام التأليف، الى ان قرر ان «يتنحى»، مفسحا في المجال أمام التوافق الأولي على اسم آخر لهذه الحقيبة. عندها، سقطت الأقنعة، وتبدد الغبار، ليتبين ان مشروع تشكيل الحكومة مسكون بالكثير من الشياطين التي تقيم بين تفاصيل العديد من الحقائب الاخرى.
ولعله من غرائب هذه المرحلة، ان شخصية كزياد بارود باتت غير مقبولة، داخل حكومة يفترض انها ستحمل شعار تحقيق الاصلاح ومواجهة الفساد. والأغرب، ان مفعول التسوية الهشة التي تمت بين الجنرالين ميشال سليمان وميشال عون حول «الداخلية» اقتصر على استبدال اسم بآخر فقط، ما يستدعي طرح تساؤلات من نوع:
لماذا استبدال بارود أصلا ما دام الوزير الجديد أتى على قاعدة المعيار ذاته الذي حمل سلفه الى الوزارة، وهو التوافق بين سليمان وعون؟ وما هي الإضافة النوعية التي يمكن ان يقدمها قياسا الى تجربة بارود، إذا كان سيضطر في سلوكه الى مراعاة الجنرالين معا، كونهما شريكين في تسميته، وهذه معادلة ستكبل حرية الحركة والقرار لديه وستحد من فعاليته في مواجهة الملفات الحساسة، تماما كما حصل مع سلفه؟ ولماذا الاضاءة فقط على الخلل الذي تشكو منه «الداخلية»، في حين ان معظم الوزارات الاخرى تعاني أيضا من مشكلات مشابهة، ولماذا تحميل بارود وحده كل المسؤولية عن نقاط الضعف في وضع «الداخلية»، في حين ان مجلس الوزراء مجتمعا بدءا من رئيسه «المنصرف» سعد الحريري لم يقدم له الدعم المطلوب؟
والى ان تحمل الايام المقبلة الاجوبة الشافية، لا يبدو بارود نادما على التجربة التي خاضها، من دون ان يعني ذلك انه لا يشعر بالاشمئزاز من طريقة التعامل معه ومع الملفات الحارقة التي حملها بين يديه، وأُريد لها في نهاية المطاف ان تحرق كل أصابعه.
والمفارقة، ان بارود وصل الى موقعه، في الاساس، بناء على رغبة أو اقله موافقة الطبقة السياسية التي أخرجته اليوم من المعادلة. في البداية، كان المطلوب منه تنظيم الانتخابات النيابية ثم البلدية، بأعلى درجة ممكنة من الحيادية، لطمأنة القوى المتصارعة، على الساحة الداخلية. وليس خافيا ان الاختيار وقع عليه، لما يمثله من شخصية وسطية وموثوقة، تستطيع الوقوف على مسافة واحدة من الجميع، ولكن عندما أنجز المهمة بنجاح مقبول، وفقا للمواصفات التي وضعتها القوى السياسية نفسها، بدأ إطلاق النار عليه من جهات مختلفة.
وربما كان من أهم الدروس التي تعلمها بارود، ان الحيادية هي سيف ذو حدين، وانها بقدر ما تكون امتيازا لصاحبها في لحظة تقاطع محلي او إقليمي، تستحيل بالقدر ذاته عبئا عليه في مرحلة لاحقة، متى تغيرت قواعد اللعبة ومصالح اللاعبين. ولعل الرجل أصبح يشعر بانه من الافضل، عندما تقرر ان تمارس السياسة في لبنان، ان تكون خلفك وأمامك جهة حزبية، وإلا من الممكن ان تصبح ضحية رصاصة سياسية طائشة، في أي وقت.
يؤكد بارود في مجالسه الخاصة انه لم يتعاط بفئوية او بكيدية مع أحد، ولذلك تفاجأ بالحملة الشرسة التي تعرض لها، وخصوصا من بعض ذوي القربى، علما ان بعض «المحبين» كانوا يهمسون في أذن رئيس الجمهورية من حين الى آخر: انتبه من زياد بارود، فهو في قرارة نفسه ليس الى جانبك، بل مع العماد ميشال عون.
لا ينكر بارود حصول إخفاقات في تجربته، لكنه يدعو الى عدم تجاهل النصف الثاني من الحقيقة، وهو ان ما لم يستطع تحقيقه ليس مرتبطا بقصور شخصي او بأجندة خاصة، وإنما بظروف موضوعية، سيأتي الوقت المناسب للكشف عنها وتفنيدها بالتفصيل، لاسيما وان خروجه من السلطة سيحرره من قيود عدة، وسيجعله قادرا على الرؤية بشكل أوضح، والكلام بصراحة أكبر.
وما يعزي بارود انه اختار الخروج من الحكومة، بإرادته ووفق توقيته، وسبق له ان أبلغ رئيس الجمهورية بقراره هذا منذ قرابة ثلاثة أشهر، أي قبل ان يبدأ البحث عن إسم بديل لـ«الداخلية»، وهو كان قد صارح المقربين منه انه لن يعود الى الوزارة من دون تأمين «عدة الشغل» الضرورية وخريطة طريق واضحة، الامر الذي لا يبدو انه اصبح متوافرا.
وجد بارود الكثير من التعاطف الشعبي معه، بعد قراره بمغادرة «الداخلية»، علما انه يصنف نفسه وزيرا غير خدماتي، امتنع عن تقديم الخدمات الشخصية، لان الامر مخالف لثقافته وشخصيته. وقد تنادت مجموعات من الشباب عبر الـ«فايسبوك» الى تنظيم مظاهرة لتأييده ومطالبته بالبقاء في منصبه، كان من المفترض ان تنطلق في 1 ايار من أمام فندق الـ«سان جورج» الى مقر الداخلية، ولكنه تدخل لوقفها وبعث برسالة الى منظميها ابلغهم فيها انه يعارض شخصنة الامور، وانه سيستكمل وإياهم مسيرة الاصلاح والديموقراطية عبر دروب أخرى.
وقد وصلت الحماسة ببعض مؤيدي بارود الى حد لومه على رفضه تولي أي حقيبة وزارية، وقالوا له: لا مصلحة لك في ان تخرج من الحكومة كليا. إذا صممت على مغادرة «الداخلية»، طالب بالحصول على حقيبة أخرى. المهم ان تبقى موجودا حول طاولة مجلس الوزراء، لأنك ستكتشف في حال أصبحت خارج الحكومة ان أحدا لن يتصل بك، ولن يسأل عنك.. هذا لبنان، يا معالي الوزير.
أصر بارود على موقفه، إلا ان ذلك لم يمنعه من مواصلة عمله، في المرحلة الانتقالية، وكأنه ما يزال وزيرا أصيلا وليس عضوا في حكومة تصريف أعمال. وهكذا، فانه يستعد للإعلان هذا الاسبوع عن مشروع قانون للانتخابات النيابية، بعدما يكون قد وضع اللمسات الاخيرة عليه وانتهى من الصياغة النهائية له، على ان يرفعه الى الامانة العامة لمجلس الوزراء في حال لم تتشكل الحكومة خلال الايام المقبلة، أما إذا تشكلت فانه قد يسلم نسخة من المشروع الى وزير الداخلية الجديد، ليكون في تصرفه.
وعلم ان المشروع، الذي أنتجته ورشة عمل موسعة للوزارة، ينص على اعتماد النسبية استنادا الى دائرة ليست صغرى ولا كبرى الى حد جعل لبنان دائرة واحدة، كما يلحظ تشكيل هيئة مستقلة للانتخابات النيابية والبلدية، تحل مكان «الداخلية»، على ان تكون دائمة ولها هيكليتها الادارية الخاصة، وتتمتع بصلاحيات واسعة، ويضع المشروع ضوابط وقيودا على الانفاق المالي، ويحدد قواعد لتنظيم الاعلام الانتخابي.
هل يمكن ان يترشح بارود الى الانتخابات النيابية المقبلة؟ يؤكد المقربون منه انه ليس بهذا الوارد حتى الآن، بسبب غياب الشروط الموضوعية التي تجعل لوجوده في مجلس النواب جدوى فعلية، ومن أهم هذه الشروط القانون الانتخابي العصري، والتحالفات المنطقية، وهو يضحك كثيرا عندما يقرأ اسمه الى جانب اسماء لا يعرفها في لوائح افتراضية يضعها بعض من يحاولون ملء الفراغ على طريقتهم.

Script executed in 0.039848804473877