بمقدار إصرار الرئيس نجيب ميقاتي على التمسّك بصلاحياته في تأليف الحكومة، وإصرار الرئيس ميشال عون على الحصول على مقاعد وحقائب مطابقة للقوة التمثيلية له، كأكثرية في قلب الأكثرية النيابية الحالية، يسبّب كل منهما تكريس سوابق غير مألوفة:
ـــــ لم يسبق أن طلب رئيس مكلف تأليف الحكومة من القوى التي يرغب في ضمّها إلى الحكومة التي يرأس، تزويده لائحة بثلاثة مرشحين محتملين يختار أحدهم للحقيبة التي يعتقد بأنها ملائمة لتمثل هذه القوى في حكومته.
بذلك، تبعاً للصلاحية الدستورية، يحصر به وبرئيس الجمهورية وحدهما التسمية وتحديد الحقيبة، ولكن من دون قرنها بتطبيق فعلي، بحيث يُصدر مع الرئيس مرسوم التأليف، في انتظار التفاهم مع الفريق الآخر على مسوّدة التأليف. ويترجّح المأزق الذي يتخبّط فيه التأليف بين إصرار على صلاحية دستورية لا تمكّن الحكومة من المثول أمام البرلمان لنيل الثقة، وبين التخلي عن بعض هذه الصلاحية والتسليم بشركاء آخرين للرئيسين في التأليف. يقال ذلك عن عون، وعن الزعماء الباقين.
ـــــ لم يسبق لفريق سياسي أن قرن الموافقة على دخول حكومة، وكي يمنحها الثقة في المجلس، بحصوله على عدد المقاعد والحقائب التي يشترطها للمشاركة. لم يسبق أيضاً لفريق سياسي أن أصرّ على حقائب معينة، وعلى أن يُسمّي هو وزراءه في هذه الحقائب.
الواضح أن الجدل الدائر حول تأليف الحكومة يرسي أعرافاً سيكون من المتعذّر مستقبلاً تأليف أي سلطة إجرائية من دون التناحر عليها. بل تشير التجربة المستمدة من تطبيق اتفاق الدوحة في تأليف حكومتي 2008 و2009، إلى أن الأفرقاء الشركاء في التأليف يتوسّعون في الاجتهاد فيه. وإلى تناقضها مع الدستور، يثبّت هؤلاء سوابق تضع قواعد جديدة لتأليف حكومة لن يكون في مقدورها إبصار النور ما لم يتوافق الأفرقاء المعنيون على فرضها.
تجاوَزَ اتفاق الدوحة، كتسوية موقتة توخّت استعادة الاستقرار وتفادي فتنة مذهبية سنّية ـــــ شيعية، الدستور عندما حدّد مواصفات حكومة الوحدة الوطنية وقسّمها على الأفرقاء مقاعد وحقائب ونصاباً، وعندما لحظ حصة لرئيس الجمهورية بغية فكّ اشتباك بين قوى 8 و14 آذار بوضع الحقائب الأمنية لديه، وعندما عيّن مهمة النصاب المعطّل تارة لمنع التصويت في مجلس الوزراء وطوراً لعرقلة انعقاده، فدافع رئيس الحكومة عن صلاحياته، كما فعل الرئيس سعد الحريري، بالتحكم في جدول أعمال الجلسة أو بالتهديد بالتغيّب عنها.
ورغم أن اتفاق الدوحة ربط هذه المواصفات بحكومة الوحدة الوطنية، وكذلك توزيع النصاب بين نصف +1 وثلث +1 كي يمنح كلاً من فريقي الحكومة قدرة مشابهة على التعطيل، ونظر إلى هذه المواصفات على أنها اختبار انتقالي موقت لا يحلّ محل الصلاحيات الدستورية لرئيسي الجمهورية والحكومة في التأليف، إلا أن الطريقة التي يتبعها الأفرقاء المعنيون تجعل من المتعذّر بلوغ مسوّدة حكومية، إذا كان لا بد من تصديق الاعتقاد بأن عراقيل التأليف محلية. ويتحكّم في تعثّر التأليف حالياً التناقض الذي يقارب به ميقاتي وعون هذا الاستحقاق:
1ـــــ يسعى ميقاتي إلى تصويب موقع رئاسة الحكومة بإعادة الاعتبار إلى صلاحياته الدستورية في التأليف. وما لم يقم به سلفاه، السنيورة عام 2008 والحريري عام 2009 عندما سلّما بقواعد تأليف كَثُرَ فيها شركاؤهما، يحاول اليوم وضع الصلاحية الدستورية بين يديه ورئيس الجمهورية مهما أطال أمد التأليف: يؤلف وفق صلاحياته، أو لا حكومة. وبالتأكيد لا أحد يسعه إرغامه على التأليف ولا على الاعتذار.
يرفض إصرار عون على حقائب لا يريد إعطاءه إياها كحقيبتي الاتصالات والطاقة معاً، ويرفض أن ينكث بتعهّد قطعه للنائب وليد جنبلاط بوضع حقيبة الشؤون الاجتماعية عند الوزير وائل أبو فاعور، ويرفض أن يرسل إلى عون الحقائب وينتظر الأخير أن يُسقط فيها أسماء وزرائه كما يرتئي الجنرال. بل يرفض ميقاتي استعادة مشهد غير مألوف في تأليف الحكومات اللبنانية عندما أعلن عون، قبل ساعات من صدور مراسيم حكومة الحريري في 9 تشرين الثاني 2009، أسماء الوزراء الخمسة في تكتّل التغيير والإصلاح وحقائبهم من الرابية. أعلن الجنرال ـــــ لا الرئيس المكلف ـــــ توزير أقل من ثلث الحكومة من منزله.
2ـــــ ما يشترطه ميقاتي على عون لا يطلبه من الرئيس نبيه برّي ولا من جنبلاط والنائب سليمان فرنجية، وهو أن يرسلوا إليه لوائح بثلاثة أسماء عن كل حقيبة محتملة لكل منهم، ثم يتولى ميقاتي مع الرئيس سليمان اختيار أحد الأسماء الثلاثة في الحقيبة المناسبة.
بكّر برّي في تمسّكه بحقيبتي الخارجية والصحة أما الحقيبة الثالثة فلا تبدو ذات أهمية. لم يقل ميقاتي لبرّي إنه ينتظر منه لائحة بثلاثة أسماء كي يحدّد له حقائبه ويختار هو وزراءها. لم يقل ذلك لجنبلاط الذي حدّد سلفاً حقائبه ووزراءه الثلاثة رافضاً مسّ الحصة برمتها: غازي العريضي للأشغال العامة والنقل ووائل أبو فاعور للشؤون الاجتماعية وعلاء الدين ترو وزير دولة. يصحّ ذلك أيضاً على فرنجية وقد حدّد حصته: فايز غصن وزيراً للدفاع وسليم كرم وزير دولة. بالتأكيد لم يطلب ذلك أيضاً وأيضاً من حزب الله.
3ـــــ يسعى عون إلى تثبيت قاعدة تضع حداً لاستثناء أرسته دمشق في مرحلة سيطرتها على الحياة السياسية اللبنانية، عندما قضت قاعدة حقبة التسعينات بأن يُسمّي زعماء السنّة والشيعة والدروز وزراءهم وحقائبهم ويتقاسمون معاً، ورئيس الجمهورية، الوزراء المسيحيين. كان ثمّة وزراء مسيحيون استمدوا الحيثية من زعامة تقليدية أو من التحالف مع دمشق، أما الباقون فأدمجوا في الحصة السنّية والشيعية والدرزية. واقتدت حكومة السنيورة عام 2005 بالتقليد السوري.
على نحو كهذا يريد عون تنظيف القاعدة من الاستثناء: يُسمّي زعماء المسيحيين وزراءهم وحقائبهم، ومن دون هذا الخيار لا حكومة أيضاً.