اقترن رفض خمسة من الأعضاء السبعة لهيئة مكتب المجلس عقد جلسة عامة للبرلمان الأربعاء المقبل، بتوزيع الأمانة العامة للمجلس، بناءً على تعليمات الرئيس نبيه برّي، جدول أعمالها. بذلك أعدّ النواب الخمسة سلفاً ما ينتظر الجلسة، في ظلّ إصرار رئيس المجلس على عقدها، وهو عدم اكتفائهم بمقاطعتها ـــــ ولا يملكون أساساً نصاب التعطيل ـــــ بل بالطعن في التئامها.
ولا يقتصر انقسام 8 و14 آذار على أسباب دستورية فحسب، وكل منهما يتسلّح بحجّة مقنعة، بل يطول إلى مبرّرات سياسية أدخلت هيئة المكتب تحت وطأة النزاع الناشب في رزمة الأزمات المستفحلة. وخلافاً لواقع الغالبية النيابية الحالية التي انتقلت منذ 24 كانون الثاني إلى قوى 8 آذار بانضمام رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط إليها، لا تزال هيئة مكتب المجلس تمثّل سيطرة قوى 14 آذار عليها انسجاماً مع نتائج انتخابات 2009 عندما حصدت حينذاك الأكثرية النيابية، وأوصلت في 25 حزيران 2009 خمسة من نواب 14 آذار إلى عضوية هيئة المكتب (نائب الرئيس وأمينا السرّ ومفوّضان)، فأمسك هؤلاء بنصابها ووضعوا أيديهم على قراراتها.
كان اجتماع هيئة المكتب أمس صورة معبّرة عن التناقض بين أكثرية نيابية تسيطر على نصاب الهيئة العامة للمجلس، وهيئة مكتب تناوئها وتحول دون اتخاذ قرار بعقد جلسة عامة للمجلس، الأمر الذي يمكّنها من الطعن في انعقاد الجلسة إذا اكتمل نصابها الأربعاء المقبل. مع ذلك، أصرّ برّي على عقد الجلسة، وطلب من دوائر المجلس جردة بمشاريع القوانين واقتراحات القوانين التي أنجزت اللجان المختصة مناقشتها وإقرارها، وأحالها إلى جدول أعمال جلسة الأربعاء، متخطّياً تحفّظ الأعضاء الخمسة، ومعوّلاً على نصاب الهيئة العامة. وهو ما لا تتيحه المادة 8 من النظام الداخلي للمجلس، إذ تُدرج وضع جدول الأعمال في صلاحيات هيئة المكتب مجتمعة. انتهت مناقشات اجتماع هيئة المكتب بتثبيت الانقسام: الأعضاء الخمسة في وادٍ، ورئيس المجلس في واد آخر.
إلا أن التئام المجلس في واقع الحال في يد جنبلاط وحده. من دونه لا يسع قوى 8 آذار تأمين النصاب القانوني، وهو 65 صوتاً. بيد أن مشاركته لا تقلّل وطأة الجدل الدستوري حول جلسة ترقص على حبل دستوريتها أو عدم دستوريتها.
واستناداً إلى بعض ما أثير في الاجتماع، يصطدم التئام جلسة الأربعاء المقبل بمعطيات منها:
1 ـــــ دخل نواب 14 آذار الاجتماع بقرار مسبق، هو رفض انعقاد البرلمان بذريعة أنه ينتقص من صلاحيات دستورية منوطة بحكومة الرئيس سعد الحريري المعنية وحدها بتعيين حاكمية مصرف لبنان طبقاً للمادة 65 من الدستور، التي توجب هذا التعيين بنصاب ثلثي مجلس الوزراء. وطرح هؤلاء اقتراحاً معاكساً وجدوه أكثر ملاءمة يُبقي الصلاحية الدستورية في مطرحها، هو انعقاد مجلس وزراء حكومة تصريف الأعمال لتعيين الحاكم.
كان الردّ على هذا الاقتراح أنه لا يسع مجلس وزراء حكومة تصريف الأعمال الانعقاد تحت وطأة عاملين أساسيين: أولهما أن الحكومة تكتفي بتصريف الأعمال في النطاق الأضيق، وثانيهما وجود رئيس مكلف تأليف الحكومة لم يعد في الإمكان تجاهله.
يذهب أصحاب هذا الرأي إلى تأكيد استحالة تعويم الحكومة، وإن موقتاً لدافع استثنائي، بحجّة جبه استحقاق نقدي كبير. لم يعد يصحّ ما كان كذلك في ظلّ دستور ما قبل اتفاق الطائف، عبر تعويم الحكومة عند إخفاق تأليف حكومة أخرى أو حيال أزمة داخلية في ظلّ استقالة الحكومة القائمة. ذلك أن الاستشارات النيابية الملزمة وضعت فاصلاً قاطعاً بين حكومة استقالت أو أسقطت واقتصر دورها مذ ذاك على تصريف الأعمال، وبين حكومة لم يُصر إلى تأليفها، منذ أصبح اختيار الرئيس المكلف بين يدي الأكثرية النيابية ولم يعد صلاحية حصرية لرئيس الجمهورية.
ما صحّ على تعويم حكومة الرئيس سليم الحص في 15 أيار 1978، لم يعد يصلح تعميمه على حكومة الحريري في ظلّ كيان دستوري للرئيس المكلف نجم عن الاستشارات النيابية الملزمة.
2 ـــــ تسلح رئيس المجلس بالمادة 69 من الدستور التي توجب على البرلمان أن يكون في انعقاد استثنائي عند استقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة حتى تأليف حكومة جديدة ونيلها الثقة. ورغم أن المادة 69 لا تفصح عن مضمون الانعقاد الاستثنائي، وهل يتيح للمجلس صلاحية الاشتراع في غياب حكومة جديدة تمثل أمامه، فإن عبارة «حتى تأليف حكومة جديدة» كافية كي تحدّد مهمة المجلس في العقد الاستثنائي، وهي مواكبة مرحلة التأليف ومراقبة الوضع الداخلي حتى إبصار الحكومة الجديدة النور. يرتبط العقد بالتأليف، لا بصلاحيات المجلس.
3 ـــــ على طرف نقيض من وجهة نظر قوى 14 آذار، لا يتوخى التئام المجلس وضع اليد على صلاحية الحكومة في تعيين حاكم مصرف لبنان، بل استخدامه صلاحياته الدستورية. بتبنّيه اقتراح قانون معجلاً مكرراً أعدّه النائب علي حسن خليل لتعديل قانون النقد والتسليف بما يمكّن الحاكم من الاستمرار في منصبه إلى حين تجديد مجلس وزراء الحكومة الجديدة انتخابه أو تعيين خلف له، يرمي التئام المجلس ـــــ وهو يمارس صلاحيته الدستورية في الاشتراع ـــــ إلى تعديل استثنائي لما ينص عليه قانون النقد والتسليف عندما يضع الحاكمية عند انتهاء ولاية الحاكم بين يدي النائب الأول للحاكم، في وقت يتعذّر فيه على الحكومة الاجتماع. بذلك لا يمسّ البرلمان الصلاحية المنوطة بمجلس الوزراء بموجب المادة 65.
إلا أن المشكلة الأكثر مدعاة للجدل الدستوري مزدوجة: إذا صحّ أن للمجلس أن يعدّل قانوناً تبعاً لصلاحياته الدستورية ولا ينتقص من صلاحيات مماثلة للسلطة الإجرائية، فهل له أن يلتئم في عقد استثنائي مرتبط بمواكبة تأليف الحكومة ليس إلا؟ وهل لحكومة تصريف الأعمال أن تمثل أمامه؟
بالتأكيد يمنح التئام المجلس قوى 14 آذار أسباباً قوية للطعن لدى المجلس الدستوري في قوانين ستعدّ إقرارها مخالفاً للدستور لانعقاد المجلس خارج عقد دستوري، ولعدم مثول الحكومة أمامه.