يفترض أن المسافة التي تفصل التيار الوطني الحر عن أقرب خصومه في المناطق المسيحية ـــــ القوات اللبنانية ـــــ توازي المسافة الفاصلة بين المرشح السابق للتيار في الكورة جورج عطا الله ونائب القوات اللبنانية في المنطقة نفسها فريد حبيب، أو المسافة الفاصلة بين نائب التيار في المتن إبراهيم كنعان ومرشح القوات في المتن إدي أبي اللمع. لكن لا أحد يشعر بذلك، يفيد أحد الناشطين في التيّار. انتصارات ممنوعة من الصرف نهاية الأسبوع الماضي، سجّل الوزير شربل نحاس للتيار الوطني الحر على باب مركز الاتصالات قبالة العدلية عشر نقاط، لا نقطة واحدة. ولكن أين التيار من انتصار كهذا أو استثماره لتحقيق مكاسب شعبية وسياسية جدية؟ تيار المستقبل يسعى إلى الاستفادة حتى من الكفوف التي يأكلها، فحاول قلب المشهد وملأ مناطقه تعبئة لدعم المدير العام للأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي، فيما مسؤولو التيار يلعبون كرة القدم أو يتابعون المباريات الدولية في هذه الرياضة أو يقلبون حائرين المنشورات السياحية لاختيار البلد الذي سيمضون فيه إجازاتهم السنوية. تجربة ناجحة قبل أشهر اختار العماد عون شاباً اسمه إيلي خوري ليخلف كلاً من أمين سر الهيئة المركزية في التيّار أنطوان مخيبر و«الأستاذ» بيار رفول الذي سمى نفسه بعد عودته من أوستراليا عام 2005 أميناً عاماً للتيار. لا يتمتع خوري بكاريزما رفول ولا بقرب مخيبر من الناشطين في التيار، لكن تجربته الناجحة في لجنة المهندسين في التيار تؤكد أنه مدير جيّد يحسن التنظيم. ... وأخرى فاشلة تجربة النقابات تظهر أن التيار قادر على استعادة انتصاراته الغابرة، إذا بذل الحد الأدنى من الجهد للاهتمام بنفسه. بعد التحسين في بعض النقابات (يفترض استثناء نقابة المحامين التي لم يستقم وضع العونيين فيها بعد)، ينتظر طلاب التيار إصلاحاً وتغييراً على مستوى المدارس والجامعات. وقد وعد الجنرال بعضهم بلجنة طالبية جديدة خلال الأسابيع المقبلة. ويبدو التحدي العونيّ كبيراً على هذا المستوى. ففي مقابل بذل الأحزاب المناوئة للتيار جهداً كبيراً لاستقطاب الطلاب في الأعوام الأربعة الماضية، وقف التيّار متفرجاً. وفي مقابل إعداد الأحزاب الأخرى ناشطين يتقنون المجادلة والمناقشة والتبشير بثوابت أحزابهم، لم يعط التيار ناشطيه فرصة البروز والقيادة كما لم يُهيّئ ناشطيه حزبياً ولا ثقافياً وفكرياً. كل ذلك يدفع بعض طلاب التيار إلى التشكيك اليوم في إمكان إصلاح الوضع الطالبيّ، فمن جهة يحافظ المسؤولين عمّا وصلت إليه أوضاع التيار الطالبية، على نفوذهم في الرابية. ومن جهة أخرى، يقتصر البحث عن الحلِّ على مجموعة لم يسبق لها أن أدت دوراً فاعلاً في الحياة الطالبية. تنظيم التيار أم مناصبه؟ الجنرال يعرف عادة ما يريد. المشكلة أن التيار الوطني الحر لم يحدد هو بعد ما يريد. يفترض بالتيار أن يبحث أكثر عمّن، على طريقة إيلي خوري، يُحسن التنظيم واحتساب أرباحه وخسائره من كل خطوة يخطوها، على الورقة وبالقلم. ويفترض بالغيورين على مصلحة تيارهم أن يحددوا ما يريدون: تنظيم التيار أم مناصبه؟
ولا وجه مقارنة بين حجم الحشد الهزيل أمام منزل الوزير زياد بارود نهاية الأسبوع الماضي وحجم الذين سيتضامنون مع نائب عونيّ، لا وزير، إذا قرر الاستقالة (فعلاً لا قولاً)، يتابع الناشط نفسه. لو تنبه التيّار إلى المسافة التي تفصله عن خصومه المفترضين لأسقط المطالب الحكومية للرئيس في الشارع وعامل القوات اللبنانية كمعاملة تيار المستقبل للرئيس عمر كرامي. ولكن، يقول ناشط آخر، ثمة خلل في الحالة العونية: هناك حزب يمثله في المجلس النيابي منذ سنتين سيمون أبي رميا وإبراهيم كنعان وآلان عون وحكمت ديب وزياد أسود، ولديه جرافتان في زحلة والبترون، لكنه لا يأكل اليابس ولا الأخضر، ولا يكاد يسمع له صوت غير صوت العماد ميشال عون بعد كل اجتماع للتكتل، مردداً العبارات والمواقف نفسها التي يقولها منذ أربعة أعوام. النواب الشباب الذين كان يفترض بهم تكوين نواة الحزب المنتظر، مشغولون: البعض سحره الإعلام، والبعض يلهث لتقديم بعض الخدمات لبعض ناخبيه والبعض ينافس نبيل نقولا في تقليد الجنرال.
وهكذا يكمل التيار. باستثناء زيارة «براد» السنوية لإلقاء السلام على خرائب الموارنة الأولين، ومزاحمة بعض العونيين للقوات في الغوغائية والتخوين على المواقع الإلكترونية، لا نشاط للتيار الوطني الحر. انتهى زمن الانشغال بإعداد تظاهرة أو اعتصام أو حلقة نقاش مع ناشطين من المجتمع المدني أو محاضرة في الجامعات أو سهرة أو نشاط. تنظم السهرات اليوم في أفخم الفنادق، ولا يحضرها إلا المستعد لأن يدفع أكثر من مئة دولار لحجز كرسيه.
منذ عيّن خوري، لا يهدأ i Pod الناشطين في التيّار. لا يكادون ينتهون من قراءة تعميم ليصلهم تعميم آخر. لكن النتيجة الإيجابية شبه الوحيدة حتى الآن لعمل خوري ظهرت في النقابات. هناك، كل نقابة تمثّل مجموعة مغلقة. إنجاز خوري أنه فعل ما وجب على التيار فعله قبل خمسة أعوام: عرف على الورق من يدخل هذه المجموعة ويغادرها، ومن هو معه ومن عليه ومن يحتار بينه وبين خصومه. وبعد تعثر الأعوام القليلة الماضية، بات التيّار أخيراً، بفضل خوري، قادراً على أن يحدد في النقابات الملتزمين سياسياً، المتأثرين بالظروف السياسية والإعلام وغيرها، بائعي أصواتهم والمقايضين أصواتهم بخدمات صغيرة. والأهم أنه وصل ما انقطع لأسباب متنوعة بين التيار وعدد كبير من المهندسين والأطباء والصيادلة وغيرهم، ووضع حداً لخلط بعض النافذين في لجنة النقابات بين مصلحتهم الخاصة من جهة وبين اختيار مرشحي التيار من جهة أخرى، فضلاً عن تفعيل التواصل بين اللجان النقابية في التيّار وهيئات المناطق، للوصول إلى بعض النقابيين عبر الفعاليات العونية في المناطق إذا تعذر على المعنيين في النقابة التواصل معهم.
وبيّنت الانتخابات النقابية الأخيرة، سواء في «المهندسين» أو «الأطباء» أو «خبراء المحاسبة»، ما سبق للانتخابات البلدية أن أظهرته قبل نحو عام: التيار الوطني الحر ما زال يمثل الأكثرية الشعبية وسط الناخبين المسيحيين، وليس للتعثر الذي يصادفه هنا وهناك إلا سبب رئيسي واحد هو سوء التنظيم، الذي ينتج منه تململ داخلي وانقطاع التواصل بين العونيين ومجتمعهم. الأمر الذي يدفع بالناخبين إلى أحضان القوى السياسية الأخرى الجاهزة معنوياً ومادياً لاستقبالهم. ويظهر التجوال في الوزارات حيث الوزراء العونيون، كيف ينظم تيار المستقبل الموظفين المؤيدين له ويكوّن بواسطتهم قوة ضغط، فيما لا يرى الوزير العوني حاجة أو مبرراً للتعرف إلى الموظفين العونيين بأقل تقدير.
ومن الجامعات إلى المناطق، هنا أعطى الجنرال قبل نحو عام فرصة كبيرة للناشطين في التيار الذين عبروا عن تململهم في الأعوام الماضية من طريقة إدارة التيار. حتى الآن، حقق هؤلاء بقيادة نعيم عون إنجازاً شبه وحيد: توحيد التيار في المناطق وتجاوز الخلافات الكبيرة التي كانت تعصف بالمجموعات العونية في بعض القرى والبلدات. وبات مسؤولو التيار قادرين على الجلوس، دون عصي ودواليب، إلى الطاولة نفسها. لكن التنظير لم ينتج بعد استراتيجيا عمل مناطقية تراعي خصوصية كل منطقة، وتضع خطة عمل لها يتفق عليها التيار ونواب المنطقة والفعاليات وحلفاء التيار. وهناك مناطق لا تزال تفتقر منذ نحو عام إلى الهيئات المناطقية، ما أدى إلى تأخر في إنشاء هيئات التيار في كثير من القرى والبلدات.
تجدر الإشارة إلى أن الشباب أنفسهم الذين كانوا ينتقدون احتكار بعض المسؤولين للمواقع وإمساكهم أكثر من بطيخة، يصرون اليوم على تحمل أكثر من مسؤولية وشغل أكثر من منصب، فضلاً عن وقوع غالبية من عينوا منسقي أقضية في الفخ الذي تعثر فيه من سبقهم، وهو الاعتقاد بأن المنسقيّة جواز مرور إلى النيابة. غاب عنهم أن آلان عون وسيمون أبي رميا وحكمت ديب وغيرهم لم يكونوا منسقين في أقضيتهم. واللافت أخيراً أن المعترضين سابقاً على مبدأ التعيين، بوصفه غير ديموقراطي، باتوا أنصاراً للتعيين حين صار يمر بألسنتهم.
على صعيد المناصب، فلتتوضّح الرؤية: زياد عبس، نائب أم وزير؟ طوني نصر الله، مرشح نيابي في عاليه أم المتن؟ إيلي حنا، مناضل نقابي أم رجل أعمال فوزير؟ رولان خوري، مرشح في كسروان أم جبيل؟ سيزار أبي خليل، مسؤول التيار في عاليه أم مستشار الوزير جبران باسيل أم نائب أم وزير؟ أنطوان الخوري حرب، مدير عام أم قائد حزب؟ منصور فاضل، قائد في التيار أم رئيس بلدية الجديدة أم نائب؟ ونعيم عون، ماذا يريد نعيم عون؟