أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

إسرائيل بين شقي الرحى: مصر وإيران

الجمعة 03 حزيران , 2011 12:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,109 زائر

إسرائيل بين شقي الرحى: مصر وإيران
حتى إن حاولت اسرائـيل إبقاء هذه الصدمة مخفية في الجانب الاكبر منها، خاصة بعد صدمات وجهتها اليها الســياسة الخـارجية الجديدة لمصر في الاسابيع الاخيرة، فإن إشراك الولايات المتحــدة بــصورة او بأخرى في تكــوين رد فعـل امــيركي ـ صهيوني واحد ازاء الموقــف المصري ليس من شأنه ان يفصح عن عمــق القــلق الذي ينتاب اسرائيل وحلفاءها الاميركيــين مــن هذا الاقــدام من جانب مصر الثورة على التـوجه نحو ايران شعبيا، وبعد ذلك رسميا، لرسم صورة جديدة للعلاقات بينهما.
وليس هذا فقط، لانه لا تزال في مصر بعض القـوى التي تجد مصلحة لها في استمرار العلاقات الايرانية ـ المصرية على الجانب السلبي الذي توقفت عنده طوال ثلاثين عاما هي عمر النظام القديم الذي اطاحت به مصر في هذه الثورة. والامر المؤكد ان اللجوء الى ايفاد وفد شعبي مصري الى طهران كطليعة للتصافح الدبلوماسي الرسمي هو رد عبقري في ثوريته على اعتراضات المعترضين في الداخل الذين ارادوا ان يكون لهم صـوت شعبي ضد هذا التوجه. كانت اسرائيل تحقق فائدة مزدوجة من ابتعـاد مصر النظام القديم الساقط عن علاقات ايجابية مع ايران، اذ كانت اسرائيل ترمي الى اضعاف كل من مصر وايران معاً في وقت واحد بسياسة توسيع الهوة بينهما.
ولولا ان مصر الثورة ـ بما فيــها المجلس الاعلى للقوات المسلحة ـ تدرك اهمية قرار العودة الى علاقات ايجابية مع ايران، ايا كانت تحفظات المتحفظين على ذلك في الداخل او من الخارج، لكــان من اليــسير تأجيل هذه الخطــوة الشعــبية المتــعددة الاطراف التي تكاد ان تمــثل كافة القوى السياسية على الـساحة المــصرية الآن. ولولا ان ايران اظهرت ما يكفــي من اهـتمام بهذه الخــطوة لكان من اليســير ايضا ارضــاء الولايات المتحدة على الاقل، خاصة في وقت تبدي فيه الاخيرة اهتماما بمساعدة مصر اقتصاديا على تجاوز الصعوبات التي جدّت نتيجة احداث الثورة.
وقد تبين هذا بوضوح في تصريح مــهم ادلى به وزير الخارجية الايراني علي اكبر صالحي وصف فيه قضية الدبلومــاسي الإيراني في قسم رعاية المصالح الايرانية في القــاهرة، الذي وجه الــيه اتهام بالتجسس على مصر، بأنها عولجت بسرعة وأنها نتجــت عن سوء فهم، واضــاف ان طهران والقاهرة تسيران على طريق اقامة علاقات دبلوماسية بينهما، وينبغي السير في عملية تحسين العلاقات بين البلدين. واضاف صالحي، على هامش اجتماع لمجلس الوزراء الايراني، «المصريون يواجهون ضغوطا نتفهمها في ظل الظروف الراهنة، لكن وجهة نظر الحــكومة المصرية والشعب المصري العظيم تقوم على تعزيز العلاقات مع ايران بصورة اجمالية».
وما لم يصرح به الوزير الايراني صالــحي، ولكن من الســهل استنتاجه من كلامه، هو ان ايران لن تكون بحاجة الى الاستعانة بأساليب تعتبرها القاهرة غير قانونية حين تقام العلاقات الكاملة بين البلدين. وقد اضطرت سفيرة الولايات المتحدة في القاهرة، لإبعاد شبهة انضمام بلادها الى اسرائيل تلقائيا في الاعتراض على التـقارب الذي بدأ بين القــاهرة وطهران، لأن تصرح بما اثار دهشة الاوساط الدبلوماسية وكذلك الشعبية في العاصمة المصرية، وهو قولها إن الولايات المتحدة لا تعترض على اعادة العلاقات الدبلوماسية بين مصر وايران، وان كانت قد حــرصت علـى التأكيد بان لدى الولايات المتحدة اسبابها للقلق ازاء السياسات الايرانية في المنطقة.
انما يلاحظ ان تصريحات السفيرة الاميركية في القاهرة انها جاءت بعد ان اكدت الخارجية المصرية انه ليس من المنطقي ان تعترض الولايات المتحدة او دول الخليج العربية على اعادة العلاقات بين مصر وإيران بينما هذه الدول تقيم علاقات دبلوماسية كاملة مع طهران بل وتقوم بينها علاقات تجارية مزدهرة لما فيه فائدة هذه الاطراف جميعا (...).
لقد استطاعت القاهرة باتخاذ خــطوة إرسال الوفد الشعــبي الى طهران ان تؤكد حقيقة مسعاها تجاه ايران وانه يتمـتع بتأييد شعــبي داخل مصر، الامر الذي يعطيه كل المشروعية والمصداقـية اللازمة للخـطوات المنتظرة التـالية. ان الخطــوة المصرية تجــاه ايران تعلــن للولايات المتحدة ـ ولإسرائيل ضمنا ـ ان مصر هي صاحبة القرار في علاقاتها الخارجية وبالاخص العلاقات الاقليمية، الثنائي منها والمتعدد الاطراف. والامر المؤكد انه يمكن اعتبار علاقات مصر وايران علاقات ثنائية ومتعددة الاطراف في وقت واحد نظرا لأنها تهم كل بلدان الشرق الاوسط العربية والاسلامية. فضلا عن انها تخلق جواً عاماً في المنطــقة اكــثر ايجـابية وأميل للتعاون الاقليمي منه الى نظرة العداء والخـصومة التي سعت اسرائيل بتأييد من الولايات المتحدة الى بثه كالسم او الهواء الفاسد في المنطقة.
واذا ما وضعنا جانباً هذا الجو العام ـ على اهميته في ظروف الربيع العربي القائمة وما يواكبها من تطورات بعضها حدث وبعضها لا يزال مرتقبا ـ فإننا لا نستطيع ان نتجنب حقائق اساسية بعينها في مسألة العلاقات بين ايران ومصر الثورة. وبداية ليست هناك دول في المنطقة او حولها يمكن ان تعد اكثر تناقضا مع اسرائيل من مصر وايران، خاصة من الجوانب العقائدية والثقافية والاستراتيجية. وهذه حقيقة تاريخية منذ نشأة الدولة الصهيونية. لهذا حرص الغرب وفي مقدمته الولايات المتحدة على ان يفرض علاقات تحالف وثيقة ضد كل الاعتبارات الموضوعية والتاريخية بين اسرائيل وايران الشاه. كان ذلك بمثابة سد في وجه القومية العربية في نضالها ضد التوسع الصهيوني.
وبالمعنى نفسه لا توجد دولة اكثر توافقا مع ايران مثل مصر، خاصة الآن بعد الثورة اي بعد تحرير ارادة مصر السياسية والقومية من الهيمنة الاميركية الصهيونية. هذا على الرغم من ان خلافات صغيرة قابلة للحل يمكن ان تنشأ بين حين وآخر كما بين اي دولتين لهما مصالح كبيرة في منطقة عريضة واسعة الامتداد والثروات وذات اهمية استراتيجية تجعلها محط انظار العالم الغربي. ولقد زال بزوال حكم الشاه في إيران كل سبب للتناقض بين توجهات وسياسات ومصالح ايران والعرب ـ وفي مقدمتهم مصر ـ ولكن وجود نظام «الشاه المصري» حال بسبب الرضوخ الكامل لاسرائيل ولاميركا دون تطوير وإنماء العلاقات والمصالح المصرية - الايرانية وفي كثير من الحالات العربية ـ الايرانية. لكن ما ان انهار نظام مبارك حتى لاحت رغبة ثورية مصرية وعربية بعد ذلك لوئام في العلاقات والمصالح يتجاوز كل التناقضات التي خلقت عمدا بين مصر وايران منذ تفجر الثورة الاسلامية في ايران.
لقد زال كل سبب مختلق او مفروض من الخارج لحساب المصالح الصهيونية لتناقض العلاقات والمصالح بين مصر وايران بزوال العهد القديم ولم تمض سوى شهور قليلة حتى كان وزير الخارجية المصري نبيل العربي يعلن على العالم ان مصر تفكر جديا في تحسين علاقاتها مع ايران. ولم يمض اي وقت بعد ذلك حتى كانت ايران تعلن انها مستعدة بل ومرحبة بهذا التوجه المصري.
اما وقد اتخذت الخطوة الاولى في هذا الاتجاه فإن بالامكان القول من دون اي خشية من الوقوع في المبالغة او حتى الخطأ انه سيــكون من الصعب على اي دولة او كتلة ـ بما في ذلك كتلة الصهيونية الاميركية ـ الاسرائيلية ان تكون ضد ايران ومصر في وقت واحد. سيكون من الصعب ان لم نقل من المستحيل ان تقوم محاولة لعزل مصر في الشرق الاوسط وهي على علاقة ايجابية في الاتجاهين مع ايران، كما سيكون من الصعب الاستمرار في سياسة عزل ايران في الشرق الاوسط بينما هي ترتبط بعلاقة ايجابية متينة مع مصر.
نستطيع حتى ان نقول ان الاتجاه نحو عهد جديد من العلاقات بين مصر وايران سيزيل خطر التهديد الاسرائيلي والاميركي الموجه الى ايران. وهنا نحن لا ندّعي أن تحالفاً عسكـرياً سيـنتج عن استئـناف العلاقات بين طهران والقاهرة. ولكن ثقل مصر في موازين المنطقة مع ثقل ايران كفيلان بإرغام اي مصدر للتهديد على التراجع واعادة الحســابات مرة وثانية وثالثة. ولقد وعت كل من الولايات المتحــدة واسرائــيل ان ايران ليست لقمة سائغة للقوة العسـكرية الامـيركية او الاسرائيلية او هما معا. ولهذا ساد التردد مواقفهما وسادت سيادة ايران على ارضــها وسياســاتها. ولا شك ان توثيق الروابط بين ايــران ومصر في عهد الربــيع العربي يفرض على التحالف الاميركي ـ الصهيوني واقعاً جديدا يضاعف تردده ويجعل من التهديد مشهداً هزلياً امام اعين الشعبين العريقين.
لن تستطيع دول الخليج العربية او الشمال الافريقي المغاربي او الدول الاسلامية غير العربية كأندونيسيا وباكستان وماليزيا وحتى افغانستان، في حضرة الربيع العربي بكل ما يعنيه من اعتبارات، ان تنحاز الى التحالف الاميركي ـ الصهيوني ضد ايران بينما تبقى مصر في علاقاتها الجديدة مع ايران صامتة جامدة. هذا العهد دخل طريق النهاية. كما لن تستطيع ان تنحاز ضد مصر في مواجهة اي خطر يهددها.
يكاد يكون من المؤكد من الآن ان يبحث طرفا التــحالف الاميركي ـ الصهيوني، وأية دول ترتبط به لاعتبارات استراتيجية او اقتصادية او سياسية ممن ترتبط بالدبلوماســية الاميركــية في اندفاعها صوب المصالح الصهيونية وإسرائيــل ـ سواء في اوروبا او الشمــال الاميركي (كندا) او في اليابان او كوريا الجنوبية على سبيل المــثال لا الحصر ـ عن سياسة بديلة تجاه مصر وتجاه ايران بعد ان تنجح الخطوات التالية المنتظرة في اقامة علاقات سوية قوية بين اكبر دولتين في اقليم الشرق الاوسط من حيث وزن كل منهما السكاني والاستراتيجي والاقتصادي والثقافي والسياسي.
ولن تستطيع دول الغرب كلها ـ ونحسب اسرائيل ضمنها ـ ان تستمر في ضوء العلاقات الكاملة السوية بين مصر وايران في انتهاج سياسة عدوانية وتوسعية في مواجهة اي منهما على النحو الذي ساد خلال الاعوام الثلاثين الماضية: محاولة قمع اي سياسة متحررة من جانب مصر عن طريق دعم وتشجيع النظام القديم وفرض سياسات الامر الواقع الاسرائيلي عليه، ومحاولة خنق سياسة الثورة الايرانية بإطلاق اتهامات لا تستند الى اسس صحيحة سواء فيما يتعلق بالملف النووي او بسياسات ايران الخارجية بمحيطها العربي.
سيعمد بعض الاطراف داخل مـصر وفي خارج ايران الى تركيز الحديث على ما يعتبرونه في حده الاقصى القضايا الخلافية التي تفرق بين مصر وايران وفي حده الادنى نقاط الخلاف بين ايران ومصر. وذلك على امل استمرار سياسة الابتعاد والفراق بين القاهرة وطهران. ولكن الدلائل الموضوعية القوية تشير الى ان الجانبين عازمان على التوصل الى اتفاق لا بد منه في رأي الغالبية الشعبية في مصر الثورة والغالبية الشعبية في ايران الثورة على ان مصلحة الشعبين والدولتين والثورتين تفرض الوصول الى نقطة النهاية: الاحرى ان نقول الى نقطة البداية التي تصنع بالفعل شرق اوسط جديداً متحرراً من الأطماع الصهيونية ومن الجشع الامبريالي الاميركي. شرق اوسط تقع فيه اسرائيل كما لم تقع من قبل بين شقي الرحى.

Script executed in 0.03787088394165