أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

تيه السنّّة: مراوحة لأعوام مقبلة

السبت 04 حزيران , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,412 زائر

تيه السنّّة: مراوحة لأعوام مقبلة
 ليس الرئيس المكلف نجيب ميقاتي ضعيفاً، بل انتماؤه إلى الطائفة السنّية في لبنان هو نقطة الضعف الرئيسية. هذا الانتماء نفسه هو الذي سمح لمعارضي سعد الحريري بإسقاطه أمام أقوى سلطة على الكوكب، رغم أن الحريري يمتلك اكبر كتلة برلمانية. وليس انتماء فؤاد السنيورة هو ما سمح له بممارسة العناد طوال أعوام، بل على العكس، بدا السنيورة وحيداً في السابع من أيار، وضعيفاً في كل حين. وحدها السفارة الأميركية قدّمت له ما يكفي من أسباب القوة، إضافة إلى خبثه وعناده ومواصفاته الشخصية الأخرى.
ولم يكن رفيق الحريري قوياً لأنّه من خلفية سنّية، ولا لامتلاكه كتلة برلمانية كبيرة. فطوال عقدين من السلم الأهلي الهش بقي السنّة يحافظون في لبنان على حالة من انعدام الوزن السياسي. رفيق الحريري نفسه لم يحتج إلى طائفته إلا بصفتها عدداً في صناديق الاقتراع، لكنّه احتاج إلى لوبي ليمارس سلطاته، والكثير من الدعم السعودي ومن غضّ النظر السوري ومن رضى أقطاب الطوائف الأخرى.

الطائفة المنسيّة

السنّة اليوم هم الأكثر عدداً بحسب لوائح الشطب، والأكثر فقراً على مستوى الكتلة المالية والمداخيل. وهم لا يرون أنفسهم ينتمون إلى هذه البلاد كما باقي الطوائف، فلا يرعبهم أن يحصل أيّ تغيير في البيئة السياسية المحلية، أو في المحيط العربي، بل بالعكس هم يشعرون بالظلم في المنطقة وليس في الداخل اللبناني، وما زالت عقلية السلطة العثمانية والبعد العربي (ضمناً السنّي) تسيّرهم في وعيهم ولا وعيهم على حد سواء. تبقى مقولات الدخول في الدولة والحداثة مجرّد كلام يلهج به كتّاب ومنظّرون ودعاة سياسيون.
لكن، حين يدخل السنّة إلى دهاليز السلطة في لبنان، يرتبكون، فيقارعون الطوائف الأخرى بصفتهم السلطة. إلّا أنهم يقابَلون بأخصام يعاملونهم بصفتهم الواقعية، أي مجرد طائفة أخرى من طوائف البلاد. المشكلة أن السنّة لا يملكون أياً من مستلزمات اللعبة الطائفية في البلاد. فلا قدرات مسلّحة، ولا كتل جماهيرية مطيعة كما يجب، ولا نفوذ ماليّ داخليّ موظف في مناطقهم، وحتى مؤسسات الرعاية الاجتماعية والتربية وكل ما يكوّن عناصر قوة اجتماعية لدى الطوائف الأخرى عمل رفيق الحريري طويلاً على ضربه وتحطيمه. لكن زمنَ رفيق الحريري كان التوافق السوري ـــــ السعودي يحكم، فلم يحتج الحريري الأب إلى كتلته الطائفية (إلا لماماً)، أمّا في المراحل التالية، وخاصة منذ عام 2000 إلى اليوم، فقد اختلف الأمر.

الابن النموذج

يمكن أخذ حالة سعد الحريري الصعبة نموذجاً. فلم يكن كافياً دعم السعوديّة له، إذ سرعان ما اكتشف أن السعودية لا تملك مشروعاً، وأنّ الالتحاق بمشروع جدّي يسمح له بالحكم يعني انحيازه إلى الأميركيين، وليس إلى ملك السعودية عبد الله بن عبد العزيز. وذلك من دون أن يتمكّن في اية لحظة من لحظات حكمه من مصارحة جمهوره بهذا الانحياز، بل اضطر دائماً إلى رفع صورة الملك عبد الله لكون الأخير هو من يعطي الشرعية للحريري الابن في تمثيل السنّة في لبنان.
السعودية لا تملك مشروعاً في المنطقة، وهي صارعت مصر لأعوام طويلة حتى انتزعت منها في أيام أنور السادات القرار العربي، فراحت تضرب خبط عشواء، معمِّمة الوهابية بدل الأزهرية المصرية، وموزِّعة النقود بدل العروبة، فصار المال يأكل المال والمملكة تسير في كل المشاريع إلا مشروعها الخاص المفتقد. ولو كان لدى المملكة أي اتجاه سياسي فعلي، لكنّا شهدنا مشروعاً معادياً لسوريا في لبنان بعد نهاية حقبة التوافق السعودية ـــــ السورية ـــــ الأميركية، أو لكنّا شهدنا مشروعاً لمصالحة سعوديّة سوريّة (وضمناً لبنانيّة) دون العودة إلى المصالح الأميركيّة ومتطلّباتها في لبنان.
حقبة طويلة انتهت وبدأت مرحلة الثورات العربية. اليوم حين تناقش الإخوان المسلمين في مصر يقولون لك «نحن بحاجة إلى ثلاثة أعوام، وربما لخمسة، حتى نشهد تعافي مصر، وبعدها (بإذن الله) نعود إلى الساحة العربية الإسلامية ونستعيد المشروع الإسلامي في المنطقة». لكنّ المنطقة لن تنتظر خمسة اعوام لتتعافى مصر، ولن تقوم المنطقة من دون مصر، فإيران لديها مشروعها الخاص، وتركيا أيضاً، والمنطقة محكومة بعوامل الضعف، وسوريا قد تسقط قريباً في الشلل، ما يعطي فرصة للشيخ عدنان العرعور من على قناة «الوصال» الفضائية لأن يتخيّل أنّه البديل، وهناك من يرحّب بذلك فيما تنظر مصر إلى كلّ من ليبيا (النفط والطاقة) والسودان (الأمن الغذائي الاستراتيجي) وغزّة (الشرعية وبداية النهضة القومية) حائرة: من أين تبدأ؟
والسؤال الذي لن تجد إجابة عنه لدى الإخوان هو عن ماهية المشروع الإسلامي في المنطقة. فلا هم يحكمون بما أنزل الله، كما يطالب السلفيون الجهاديون ويقول آل سعود، ولا هم قوى تحرّر وديموقراطية كما يدّعي المعتدلون العرب، ولا هم بقادرين على إدارة دولة على النموذج التركي حيث أتى الإخوان على خلفية أعوام طويلة من السلطة المدنية في دولة ـــــ أمّة. سيزيد الإخوان التيه السنّي حيرة.
نموذج الحريري الابن هو الأجلى. فلا يمكنه تبنّي ردود فعل جمهوره تجاه زعيم القاعدة، ولا السير خلف المملكة، ولا يمكنه الحكم بمفرده، ولا يستطيع الوقوف ضد سوريا ولا معها، وهو يتحالف مع المسيحي الضعيف الخائف منه، وينظر إلى المدى العربي بانتظار المدد والعون، ويخشى إيران، ويحاور تركيا بصفتها راعية ولكن من جلدة مختلفة، فيبقى حواره معها في أطر سرّية.

أوهام وخيبات

لم تكن يوماً أزمة سنّة لبنان هي أزمة القائد، ولا أزمة السنّة في المنطقة هي كذلك، بل هي دائماً أزمة نهاية مصر عام 1967، وبداية أخرى عام 1977. وقبل نهاية مصر القائدة في مشروع التحرر والتحرير، كان ضغط الخيبة من سقوط السلطنة وتشظّي المنطقة الإسلامية لا يزال جاثماً على عقول السنّة، وبقي السنّة في لبنان يتعاملون مع السياسة كأنّها لعبة الطاولة «المحبوسة»، بانتظار تغيّر الأحوال، وانتهاء مفاعيل «سايكس ـــــ بيكو» وكل ما تلاه.
واليوم يقف رئيس حكومة مكلّف، لا يملك إلا تكرار خطأ خصمه السياسي سعد الحريري. فهو يتحالف مع المسيحي الضعيف بدل التحالف مع المسيحي القوي، وهو لا يملك الاعتراف بقوة نفوذ الشيعي القوي، ويفضّل عليه الشيعي في السلطة، ويبحث في الثنايا عن القوى الأكثر فاعلية في الشكل، بينما ينسى أنّ الحراك يكون بفعل موازين مختلفة. إنها رهانات تيار المستقبل نفسها، وهي ليست عدوى بل طبيعة موقع السنة في السلطة وفي الحياة العامّة في لبنان.
ومن يرد أن يبتعد عن هذه الطبيعة، فعليه أن يتوقّع مصيراً مشابهاً لمصير سليم الحص الذي حكم فعدل وانطلق من القوانين والدستور فذهب إلى المنزل. ومن يرد أن يحكم في لبنان، فعليه أن يعلم أن السنّة فيه حضور تمثيليّ لواقع محيط من الكتلة الغالبة في المنطقة، لكنّ هذه الكتلة التاريخية والمستقبلية تعيش اليوم وضع الحياد والانتظار، وهي لذلك لا تكاد تملك أي وزن في الفاعلية السياسية اليومية.
انقضت الأعوام وراكمت الخيبات أمام هذه الكتلة السنية في المنطقة وفي لبنان، وعجزت في كل مرة عن أن تكون في دور الفاعل، وأن تحوّل ثقلها إلى وزن في الصراعات الكثيرة. وفي لبنان، كانت هذه الكتلة السنّية التائهة تشاهد من ينهض ويأخذ دورها بعد ترددها الطويل وانتظارها اللانهائي. مرة ينهض الشيعة ويحسنون المقاومة، ومرة ينقضّ الكل على السلطة فيبقى السنّة ينتظرون مواقع شكلية، وفي كل مرة يبقون تائهين: أيطلقون المارد السنّي فيختنق في دخان إطارات السيارات في طريق الجديدة وساحة النور في طرابلس، أم يفاوضون ميشال عون ويتحالفون مع وليد جنبلاط وميشال سليمان؟
بانتظار تعافي مصر وعودة سوريا، ستبقى الأعوام المقبلة شبيهة بتلك الماضية.

الأزمة مصغّرة

لا يمكن تجاوز نجيب ميقاتي بما هو رئيس حكومة مكلّف، رغم ضعف موقع السنّة السياسي، ولا يمكن ميقاتي نفسه أن يوافق على أن يحصل على أقلّ من أيّ طرف آخر، كما لا يمكنه أن يوافق على اتّفاق لا يشمله. وهذا أحد الأسباب المعلنة للأزمة. فميقاتي لا يرى في موقعه إلّا تمثيلاً لطائفة تمتدّ في المنطقة، وليس تمثيلاً لثقله النيابي. وبالتالي، في اللحظات الأولى من المفاوضات، كان طبيعيّاً أن يعتقد ميقاتي بصدق أنّ الحدّ الأدنى لحصّته الوزاريّة هو كلّ السنّة وبعض المسيحيّين، لكنّ معادلات القوى الفاعلة، مقابل قوّة السنّة الكامنة، أدّت في النهاية إلى تقلّص هذا الطموح.
وكان من الطبيعي أن يؤدّي ميقاتي دوراً آخر في توحيد الأقلّيات ضدّه. وهذه، وإن كان اسمها «الأكثريّة النيابيّة»، تبقى أقلّيات محلية بالنسبة إلى السنّة. لكن، في المقابل، لا أحد من الممثّلين الثلاثة للسنّة يملك أن يقول إنّ اتجاه السلطة سيكون من هنا أو إلى هناك، فهذا شأن لم يصل إليه السنّة بعد.

Script executed in 0.18793702125549