أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الملوحة تجتاح الآبار الارتوازية في الميناء وتهدد مدينة طرابلس

الثلاثاء 07 حزيران , 2011 03:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 4,082 زائر

الملوحة تجتاح الآبار الارتوازية في الميناء وتهدد مدينة طرابلس

وصولاً إلى مشارف وسط المدينة، وذلك نتيجة ضعف ضغط المياه في الحوض المائي الذي تقوم عليه العاصمة الثانية، وانخفاض مستوى المياه الجوفية بفعل استهلاكها الجائر وغير المبرمج، ما أدى إلى دخول مياه البحر إليها، لتصل مالحة إلى المواطنين الذين بدأوا يستشعرون حجم وخطورة الأزمة، في عدم قدرتهم على استخدام المياه التي تصل إلى منازلهم، ويفتشون بالتالي عن بدائل أخرى. 
وكان عدد كبير من المواطنين قد شعروا نهاية الصيف الفائت بملوحة في مياه الآبار الموجودة في أبنيتهم، فظنوا أن الأمر طبيعي ويتعلق بشحّ المياه بعد أشهر من الجفاف، وأن الأمور ستعود إلى ما كانت عليه خلال فصل الشتاء وتساقط الأمطار، لكنهم فوجئوا بأن نسبة الملوحة في المياه ترتفع، ومساحتها تزداد لتشمل شوارع المئتين، والمنلا، ورياض الصلح، على بعد عشرات الأمتار من وسط طرابلس، ما دفع بعضهم إلى الاشتراك في «مؤسسة مياه لبنان الشمالي»، أو اللجوء إلى استخدام الفلاتر المتخصصة بملوحة المياه بكلفة مالية مرتفعة. 
وتشير الدراسات إلى أن الحوض المائي لطرابلس، هو حوض ساحلي متصل بالبحر الأبيض المتوسط، ويتغذى بشكل أساسي من المتساقطات وذوبان الثلوج، وأن ثلاثة ينابيع أساسية تتفجر فيه هي نبع رشعين في زغرتا، ونبع وادي هاب في الكورة، ونبع أبو حلقة في البحصاص عند المدخل الجنوبي للمدينة، إلا أن ذلك الحوض يفتقر منذ فترة طويلة للإدارة المتكاملة التي تعود مسؤوليتها إلى وزارة الطاقة والمياه، التي حصر القانون اللبناني بها إدارة الأحواض المائية. 
وتؤكد الدراسات على أن الحوض المائي في طرابلس تعرض للعديد من الانتهاكات على مدار سنوات طويلة، خصوصاً خلال فترة الحرب، حيث أن النقص في مياه الشفة وعدم انتظام وصولها إلى المنازل، وضعف إمكانيات مصلحة المياه، دفع غالبية المواطنين إلى حفر الآبار الارتوازية المخالفة وبصورة عشوائية. لكن تلك الظاهرة لم تتوقف بعد الحرب، بل استمرت وبوتيرة متزايدة، بفعل غضّ نظر وزراء الطاقة عنها، وكذلك القوى الأمنية بفعل التدخلات السياسية، حيث بات حفر أي بئر في أي منطقة في المدينة يعتبر من أهم الخدمات السياسية، يضاف إلى ذلك الاستخدام المتنامي للمياه في المدينة، والذي يبلغ بحسب الإحصاءات 325 ليتراً يومياً للفرد الواحد، وهو من أعلى المعدلات في مدن العالم، في حين أن المعدل الوسطي للاستهلاك الفردي في كل المدن لا يتعدى 100 ليتر في اليوم الواحد. 
وأدى ذلك الواقع، إلى ضعف الضغط ضمن الحوض المائي، وانخفاض مستوى المياه الجوفية، ما سمح لمياه البحر في الدخول إليها في المناطق القريبة من الشاطئ، لكن الانخفاض المتزايد في مستوى المياه الجوفية يجعل المياه المالحة تجتاح الحوض لتبتعد شيئا فشيئا عن البحر، حيث يؤكد عدد من الخبراء على أن استمرار ذلك التعامل مع الحوض المائي، سيؤدي مستقبلاً إلى وصول المياه المالحة إلى كل مناطق طرابلس من دون استثناء. 
ومما زاد الطين بلة، مشروع تنفيذ شبكة الصرف الصحي الهادفة إلى ربط الشبكات الفرعية، لإيصالها إلى محطة التكرير عند مصب نهر أبو علي، حيث يشير الخبراء إلى أن الشركة المتعهدة تعمل على تمرير القساطل ضمن المياه الجوفية ما يعرضها أكثر فأكثر للتداخل مع مياه البحر. ويشير المواطنون في المناطق الممتدة من شارعي المئتين والمنلا، وصولاً إلى الميناء وأطراف منطقة الضم الفرز، إلى أن ملوحة المياه تشكل لهم أزمة حقيقية، وباتت من هموم الحياة اليومية، حيث لم يعد بالإمكان استخدام المياه لأي من الأغراض المنزلية. 
ويقول المواطن نبيل المصري: «إن ملوحة المياه تزداد يوما بعد يوم، ما يفقدنا القدرة على استخدامها»، لافتا إلى «أنه عمل على تركيب فلتر للمياه بكلفة مالية باهظة تدفع كل ثلاثة أشهر لصيانته وتنظيفه»، مؤكداً على «أن كثيرا من الجيران في الأبنية المجاورة بدأوا يفتشون عن الحلول بعد إحجامهم عن استخدام تلك المياه إلا لدورات المياه». ويشير عمر خليل إلى «أن الأمور لم تعد تطاق بالنسبة لموضوع الآبار الارتوازية التي اجتاحتها المياه المالحة»، لافتاً إلى «أن الحلول محدودة وتتلخص بأمرين، إما تركيب الفلاتر، وإما الاشتراك في مؤسسة مياه لبنان الشمالي»، مؤكدا على «أن مياه الآبار في المناطق القريبة من البحر لم تعد صالحة بتاتا». 
ويؤكد الخبير الدولي في علوم المياه المحاضر في «الجامعة اللبنانية» الدكتور جلال حلواني على «أن ثمة أزمة كبرى اليوم في شوارع عديدة في الميناء وطرابلس، ناتجة عن ملوحة مياه الآبار الارتوازية الخاصة وعدم قدرة المواطنين على استخدامها»، مشدداً على «ضرورة اتخاذ قرار على متسوى الدولة اللبنانية، يمنع منعاً باتاً حفر أي بئر مهما كانت الأسباب، لمدة لا تقل عن خمس سنوات، على أن تقوم وزارة الطاقة خلال تلك الفترة بتطبيق مبادئ الإدارة المتكاملة للأحواض المائية، والتي من بينها وضع عدادات على الآبار التي يمكن الترخيص لها، ووضع تعرفة مالية لاستهلاك المياه، وتحديد الكمية القصوى المسموح بضخها، استناداً إلى الكميات المتجددة والناتجة عن المتساقطات»، لافتاً إلى أنه «لا يعقل أن نسحب من المخزون كمية أكثر من الكمية التي تتجدد، فيصبح حالنا كما هو الذي ينفق أكثر من مدخوله ونعود ونقع بالعجز». وأشار حلواني إلى «أنه في حال تم تطبيق تلك المبادئ، يمكن أن تعود المياه إلى حلاوتها تدريجياً، وصولاً إلى المناطق القريبة من البحر بعد عدة سنوات». 
ويوضح حلواني أنه «من المعروف أن حفر أي بئر، والاستفادة من المياه الجوفية يخضع لضوابط وقوانين، ومن غير الجائز أن يتصرف المواطن على هواه في المخزون الوطني المشترك، لذلك حصر القانون اللبناني صلاحية إدارة الأحواض المائية الجوفية بوزارة الطاقة والمياه، وأوجد شروطاً محددة للترخيص في حفر الآبار، وكذلك في عملية الاستفادة من المياه. وما حدث انه خلال زمن الفوضى والحرب تعرضت المياه الجوفية لانتهاكات عديدة، واستمرت بعد ذلك، ما أدى إلى تفاعل الأزمة ووصلت مياه البحر إلى المياه الجوفية التي انخفض منسوبها بشكل كبير». ويرى أن «حل الأزمة لا يكون سوى عن طريق مؤسسة مياه لبنان الشمالي، فمع وضع القسم الثاني من معالجة المياه في محطة وادي هاب في الخدمة، زادت الكمية المتوفرة بحدود 30 ألف متر مكعب، والتي تستطيع تأمين حاجة المدينة، بانتظار أن تقوم المؤسسة بإعداد دراسة لتأمين كميات إضافية من المياه (50 ألف متر مكعب) للسنوات العشر المقبلة»، معتبراً أن ذلك «ممكن سواء بجر مياه نبع السكر إلى طرابلس بعد الانتهاء من بناء سد بريصا، أو بناء محطة معالجة على نهر البارد وجرّ المياه إلى طرابلس». 
ويشير نقيب عمال ومستخدمي مصالح المياه في لبنان الشمالي، المشرف على إنتاج مياه طرابلس، كمال مولود إلى أن «ملوحة المياه في الآبار سببها سوء استخدام المياه الجوفية، خصوصاً على السواحل، فعندما نستخدم المياه بطريقة عشوائية وبكثافة، سيؤدي الأمر حتماً إلى تداخل مياه البحر بالمياه الجوفية وتخريب ثروة وطنية واستراتيجية مهمة، وذلك من خلال دخول المياه المالحة إلى باطن الأرض». ويرى مولود أنه «إذا استمر المواطنون في طرابلس بالاستخدام الخاطئ للمياه الجوفية، فستنتقل المياه المالحة من شارع إلى شارع»، لافتاً إلى أن «منطقة اوتوستراد الميناء كل مياهها مالحة، وكذلك شارع المنلا المهدد بأن تصبح مياهه مالحة أكثر فأكثر، وصولاً إلى إمكانية امتداد الملوحة إلى وسط طرابلس، في حين أن منطقة الضم والفرز ما تزال في بداية المشكلة، ولكنها، وإذا بقيت الأمور على ما هي عليه، فستلاقي مصير باقي المناطق». 
ويلفت مولود إلى أنه «لا سلطة لنا كمؤسسة مياه على الآبار الارتوازية، فتلك من صلاحيات وزارة المياه والطاقة، ولكن المؤكد أن غالبية أصحاب الآبار الارتوازية غير حاصلين على رخصة من قبل الوزارة لحفرها. وقد بدأت وزارة الطاقة والمياه، عبر النظام الجديد، تتشدد في إعطاء رخص حفر الآبار الارتوازية، أما صلاحيات مؤسسة المياه فهي في إرشاد الناس للاشتراك بمياه الشبكة العامة وتوجيه النصائح لهم بعدم استخدام المياه الجوفية».

Script executed in 0.03917407989502