أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الانـتـخـابـات النـيـابـيـة التـركـيـة غـداً: حـرب الـ330

السبت 11 حزيران , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,447 زائر

الانـتـخـابـات النـيـابـيـة التـركـيـة غـداً: حـرب الـ330
ويشارك في هذه الانتخابات 15 حزبا بعدما انسحب العديد من الأحزاب، حتى عقب انتهاء المهلة المحددة في 12 نيسان الماضي، سيختار الناخبون من بينهم 550 نائبا، وهم مجموع أعضاء البرلمان.
ويقوم النظام الانتخابي التركي على أساس النسبية وفق لوائح مغلقة تعطي أفضلية النجاح لمن ترد أسماؤهم في المراتب الأولى من لائحة كل حزب. وبذلك، يتوجب على كل حزب أن ينال عشرة في المئة من أصوات الناخبين على مستوى كل تركيا وإلا فإنه يخسر كل المقاعد التي فاز في هذه الدائرة أو تلك وتجيّر نسبة الأصوات التي نالها على الأحزاب الفائزة في كل دائرة، كل وفقا للنسبة التي نالوها.
وكان حاجز العشرة في المئة قد وضع سابقا كوسيلة لمنع وصول أحزاب إسلامية أو كردية إلى الندوة البرلمانية، لكن السحر انقلب على الساحر وتحوّل هذا الشرط في عهد حزب العدالة والتنمية إلى كابوس على الأحزاب العلمانية أو المعارضة للأحزاب الإسلامية بحيث تمكن حزب العدالة والتنمية في العام 2002 أن ينال أكثر من 360 من أصل 550 مقعدا (أي أقل بقليل من 65 في المئة من المقاعد)، رغم أن الأصوات التي نالها لم تتعدّ الـ 34 في المئة. وفي العام 2007، نال حزب العدالة والتنمية 47 في المئة من الأصوات لكنه حصل على حوالى 340 مقعدا أي حوالى 60 في المئة من المقاعد.
ومع ذلك فإن البعض يرى في ذلك فوائد سياسية للنظام في تركيا إذ يتيح تحقيق استقرار أطول بدلا من عدم الاستقرار الذي تسبّبه الحكومات الائتلافية، وهو الشعار الأساسي الذي رفعه حزب العدالة والتنمية في حملته الانتخابية الحالية «ليستمر الاستقرار ليصعد النمو».
غير أن أبرز سلبيات حاجز العشرة في المئة أنه يستبعد قوى اجتماعية عديدة عن الندوة البرلمانية، الأمر الذي يحرمها من إيصال صوتها بطريقة ديموقراطية، ما يفتح الباب على سلوكيات غير ديموقراطية. وتكاد تركيا في عهد حزب العدالة والتنمية تتحول إلى نظام الحزبين، وبالكاد يتمكن حزب ثالث من دخول الندوة البرلمانية.
ويتم عشية كل انتخابات نيابية إحصاء عدد المقيمين في الدائرة الانتخابية ليُحتسب على أساسها عدد نواب كل دائرة، إذ أن الناخب يقترع ليس وفقا لمكان نفوسه بل لمكان إقامته في نهاية العام 2010. لذا يتغير عدد نواب كل دائرة صعودا أو هبوطا عشية كل انتخابات نيابية، حيث يترك الكثير من الناس قراهم وينزحون إلى المدن لأسباب اقتصادية فيقلّ عدد سكان الدوائر الانتخابية الريفية تلقائياً ويتناقص بالتالي عدد النواب المقرر لها. ويزداد بالمقابل عدد نواب المدن مثل اسطنبول وأنقرة وبورصة وأزمير وغيرها، وهذا التغيير في خريطة إقامة الناخبين وعدد النواب ليس تفصيلا بل له أثره المهم في تغيير نتائج الانتخابات، وهذا ما سنفصّل اليه لاحقا.
لا تزال تركيا عشية انتخابات 2011 تعيش زلزال نتائج انتخابات العام 2002، التي أسفرت عن زوال أحزاب تاريخية مثل حزب الوطن الأم وحزب الطريق المستقيم واختفاء زعامات مثل مسعود يلماز وطانسو تشيللر.
وتكاد خريطة الحملة الانتخابية وبالتالي البرلمان تقتصر على أربعة اتجاهات أساسية.
الأول حزب العدالة والتنمية الذي تحوّل إلى مركز استقطاب غالبية الاتجاهات الإسلامية واليمينية المحافظة مع مشاركة فئات يسارية وليبرالية، وحقّق مع زعيمه رجب طيب أردوغان أرقاما قياسية في الانتصارات في ثماني سنوات من خلال الفوز في انتخابات نيابية مرتين وبلدية مرتين واستفتاء شعبي مرتين ما يعكس حجم التأييد الشعبي له.
الثاني حزب الشعب الجمهوري العلماني، وهو الاستمرار التاريخي لنهج مصطفى كمال أتاتورك المتحالف مع الجيش والقوى التقليدية في القضاء. لكنه أبدى في عهد زعيمه الجديد كمال كيليتشدار أوغلو مرونة وانفتاحا على بعض القضايا ما قد يساهم في رفع نسبة أصواته من عشرين في المئة إلى 25 أو 30 في المئة.
الثالث حزب الحركة القومية وهو الممثل التاريخي للاتجاهات القومية المتشددة والذي لا يزال صامدا في وجه مدّ حزب العدالة والتنمية.
أما الرابع فهو المزاج الذي تمثله الحالة الكردية من خلال حزب السلام والديموقراطية الحالي، ومن معه من قوى كردية مستقلة تتقاطع مع حزب العمال الكردستاني وزعيمه المعتقل في جزيرة إيمرالي في بحر مرمرة.
ولم تكن سيطرة حزب العدالة والتنمية على الحياة الحكومية والبرلمانية والسياسية مجرّد هيمنة عددية، بل كانت فرصة لتحقيق اصلاحات وتغييرات جذرية طالت نفوذ العسكر والقضاء. وكان الانجاز الأكبر على صعيد التنمية الاقتصادية في جميع المجالات، علماً أن الإنجاز لم يخلُ من بعض الثغرات لا سيما في ازدياد نسبة البطالة. وبينما حفل الكتيّب الذي وزّعه الحزب تحت عنوان «تركيا حاضرة لـ2023»، مع بداية الحملة الانتخابية، بجردة واسعة لانجازاته على جميع الأصعدة، اقتصرت حملة حزب الشعب الجمهوري على كتيّب صغير جدا ومقتضب بعنوان 41 سؤالا وجوابا، في وقت تركّز غالبيّة الوعود الانتخابية لهذين الحزبين على منح المواطنين مساعدات مالية، بحيث بدت الأحزاب جمعيات خيريّة تهدف إلى تحويل الدولة إلى دولة صدقات. علماً أن حزب العدالة والتنمية مارس بنجاح هذه السياسة على الرغم من اتهامه بممارسة الرشوة على المواطنين.
ولا شك أن السياسة الخارجية كانت إحدى المجالات الأكثر نجاحا لحكم حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان وبمشاركة أساسية أيضا لكل من رئيس الجمهورية عبد الله غول ووزير الخارجية احمد داود اوغلو. لذا يأتي حزب العدالة والتنمية محمّلا بسلة واسعة من المكاسب وسلة أوسع من البرامج والمشاريع الكبيرة والمكلفة ماليا، التي يريد أن يحمل بها تركيا إلى مصاف الدول العالمية فيحقق انتصاره الثالث المتوقع خلال تسعة أعوام.
غير أن الأمور تنتهي هنا لتفتح الانتخابات على جملة من المشاهد المهمة والمثيرة التي قد تغيّر، رغم الفوز المضمون لحزب العدالة والتنمية، من التوازنات الداخلية.
العنوان الأساسي لهذه الانتخابات سيكون إعداد دستور جديد يطوي صفحة دستور العام 1982، الذي على الرغم من تعديله أكثر من 27 مرة لكنه يبقى عنوانا لمرحلة ماضية من الاستبداد والقمع والوصاية العسكرية والقضائية.
ويريد «العدالة والتنمية» بهذه الخطوة استكمال وضع اليد على الدولة في تركيا بما يحقق له السيطرة خلال السنوات العشر المقبلة، وهو الذي وضع مشاريعه، التي وصفت بـ«المجنونة» كانشاء مدينة ثانية بجانب اسطنبول الحالية، حتى العام 1923 وليس فقط لمدة أربع سنوات.
والدستور الجديد يعني عقدا اجتماعيا لسنوات مديدة وسيكون لأحكامه تأثير في عملية إعادة تشكيل الحياة السياسية والاجتماعية والحقوقية. وهو شرط أيضا للإتحاد الأوروبي لتسريع مسار انضمام تركيا الى الاتحاد الأوروبي.
لذلك يعلق حزب العدالة والتنمية أهمية بالغة على انتخابات يوم غد، انطلاقا من العوامل التالية:
1- لا يريد حزب العدالة والتنمية الاكتفاء بالفوز بالنصف زائدا واحدا. هذا أمر مضمون بل يسعى ليكسب ثلثي مقاعد البرلمان لكي يتمكن من تعديل الدستور عند الضرورة في البرلمان من دون العودة الى الناس عبر استفتاء شعبي. ومع أن نيل ثلثي المقاعد يحقق له هدف التغيير عبر البرلمان، لكن اردوغان نفسه قال سابقا إنه يريد دستورا في ظل أوسع توافق، ولن تتم أية تعديلات دستورية ذات شرعية كاملة من دون اللجوء الى استفتاء شعبي.
2- إذا لم يتمكن حزب العدالة والتنمية من الفوز بـ367 مقعدا فإنه يضع نصب أعينه ألا تقل مقاعده عن 330 مقعدا، وهوالحد الأدنى من عدد الأصوات التي يحتاجها أي تعديل دستوري يسقط في البرلمان ولا ينال 367 صوتا، لكي يمكن إحالته الى استفتاء شعبي.
3- أما إذا نال الحزب أقل من 330 نائبا فهذا يعني أنه لن يستطيع بمفرده إجراء أي تعديل دستوري ولا إحالة أي تعديل دستوري الى استفتاء شعبي من دون التوافق مع نواب المعارضة غير المستعدة لتسهيل أي تعديل لا يناسبها.
وفي هذه الحال تصبح يد الحزب واردوغان مكبلة ويواجه وضعا صعبا في القضايا الأساسية يكون الأول من نوعه منذ وصوله الى السلطة في العام 2002، الأمر الذي يترك أثراً سلبياً، معنويا وعمليا، على قوة الحزب ومشاريعه وعلى صورة اردوغان كزعيم طامح الى رئاسة الجمهورية بأعلى انتصار رقمي ومعنوي، وما يمكن أن يخلق كذلك دينامية تؤشر الى عد عكسي لظاهرة حزب العدالة والتنمية.
تكتيكات
حزب العدالة والتنمية
يسود القلق الفعلي لدى أوساط «العدالة والتنمية» من ألا ينال الحزب الحدّ الأدنى من عدد المقاعد المطلوب، لذلك سعى في الفترة التي سبقت الانتخابات الى اتباع كل الأساليب الممكنة للوصول الى أهدافه:
1- محاولة تشويه صورة حزب الحركة القومية بزعامة دولت باهتشلي من أجل «سرقة» أصواته والحرص على عدم حصوله على نسبة العشرة في المئة، فيبقى خارج البرلمان ويستولي «العدالة والتنمية» بالتالي على جزء من أصواته. وقد أتت فضائح شرائط الفيديو الجنسية لقيادات من حزب الحركة القومية لتدعم حملة تدمير هذه الحركة. ومع أن أحدا لا يعرف مصدر هذه الشرائط ومع أن باهتشلي اتهم العدالة والتنمية بها واعتبرها أسلحة محرمة وغير أخلاقية في العمل السياسي، فإن الاتهامات وإن لم تطل حزب العدالة والتنمية مباشرة بها فهي تشير إلى معرفته المسبقة بوجودها. وهذه المسألة قد تنقلب على حزب العدالة والتنمية إذ أن التجارب تدل على أن الناخب التركي يحدث ردة فعل معاكسة وبدلا من أن تتراجع أصوات الحركة القومية قد تزداد وينقلب سحر العدالة والتنمية على ساحره. ويبقى لصناديق الاقتراع وحدها أن تحسم ما إذا كانت حملة شرائط الفيديو قد انعكست سلبا أم إيجاباً على حزب الحركة القومية.
2- يعلم حزب العدالة ومسبقا أنه يخوض، من حيث المبدأ، معركة خاسرة في المناطق الكردية، ومهما وعد وحشد فلن ينال الكثير من الأصوات الإضافية الكردية. وبما أن همّه ضرب حزب الحركة القومية فإن من مصلحة العدالة والتنمية ولو الآنية أن يكسب الأصوات القومية التابعة للحركة وهذا ممكن من طريق خطر جدا وهو تسعير الخطاب القومي من خلال التشدد في المواقف ضد المطالب الكردية وهو ما أُخذ على اردوغان أثناء الحملات الانتخابية.
3- ومن أساليب حزب العدالة والتنمية لبلوغ غاياته الانتخابية، ووفقا لمبدأ الغاية تبرّر الوسيلة، مواقفه المحتضنة للمعارضة السورية بهدف كسب المزيد من الأصوات الإسلامية الإضافية تحت شعار أن المسلمين يُذبحون في سوريا.
ليست معركة حزب العدالة والتنمية سهلة هذه المرة فالحزب عرف خطا تصاعديا على صعيد نسب الأصوات من 34 في المئة في العام 2002 الى 47 في المئة في العام 2007، ومع أن عدد نوابه عرف تراجعا من 360 تقريبا في العام 2002 الى 338 في العام 2002 غير أن العدد لم ينزل تحت رقم الـ330.
يراهن حزب العدالة والتنمية على ثلاثة احتمالات ليبلغ مراده. أولا بالحصول على ثلثي المقاعد من خلال فشل حزب الحركة القومية في دخول البرلمان وفي الوقت نفسه أن تبلغ نسبة الأصوات التي ينالها الحزب سقفا عاليا يلامس الخمسين في المئة. وفي هذه الحالة، إن لم ينل الحزب الثلثين فلن يقل عدد نوابه عن الـ330.
ثانيا، في حال نجاح حزب الحركة القومية في الدخول الى البرلمان يراهن «العدالة والتنمية» للحصول على الـ330 مقعدا على أن ينال حزب الحركة القومية أدنى نسبة ممكنة فوق العشرة في المئة وان ينال حزب الشعب الجمهوري نسبة لا تزيد عن الـ25 في المئة وان ينال حزب العدالة والتنمية نسبة قريبة من الـ50 في المئة.
وفي حال اختلال هذه الشروط فإن حزب العدالة والتنمية سيكون أمام خطر انخفاض عدد نوابه الى أقل من 330 وربما أكثر.
ذلك ان حصول العدالة والتنمية على نسبة من 40 الى 45 في المئة وحصول حزب الشعب الجمهوري على حوالى 30 في المئة وحزب الحركة القومية على 15 في المئة تقريبا، فإن عدد نواب العدالة والتنمية قد لا يتخطى الثلاثمئة نائب.
ويساعد على مثل هذا الاحتمال أن عدد النواب في اسطنبول زاد من 70 الى 85، أما في أنقرة وأزمير وبورصة وغازي عينتاب فقد زاد العدد اثنين لكل منها. وفي هذه المدن حقق حزب الشعب الجمهوري نسبة نجاح عالية ما يعني انه لو بقيت نسبة الأصوات التي ينالها كل حزب كما كانت عليه في الانتخابات الماضية، فهذا يعني أن الأفضلية لجهة عدد النواب ستكون لحزب الشعب الجمهوري خصوصا أن اسطنبول وأنقرة وأزمير وحدها ستحمل الى البرلمان أقل من ربع النواب بقليل، في حين ان المحافظات التي نقص فيها عدد النواب هي تلك التي لحزب العدالة والتنمية نفوذ مثل افيون وقونية وطوقات ويوزغات وغيرها الكثير، وبالتالي سيخسر بعض النواب ومعظمها في المناطق الريفية التي تشهد هجرات الى المدينة لأسباب اقتصادية.
وإذا كان الدستور الجديد عنوان الانتخابات النيابية الأول فإن العنوان الثاني والذي يرتبط أيضا بالعنوان الأول هو المسألة الكردية التي تشهد تصعيدا في المواقف غير مسبوق.
ومع أن اردوغان قد حقق انتصارا وحضورا كبيرا في المناطق الكردية عام 2002 غير انه تراجع عام 2007 وبقوة اكبر في الانتخابات البلدية عام 2009.
مع ذلك فإن اردوغان يعاني كثيرا هذه المرة، اذ أن ما سُمّي بالانفتاح الكردي لم يرض الأكراد الذين وجدوا فيه حركة استعراضية تلامس القشور ولا تنزل الى عمق المطالب الكردية وهي التعلم باللغة الأم في المدارس والجامعات واطلاق سراح عبد الله اوجالان ومنح المناطق الكردية الحكم الذاتي، أو ما يشبهه، والأهم أن يتضمن الدستور الجديد إعادة تعريف هوية الأمة بحيث لا تقتصر على الاعتراف بالهوية التركية بل أيضا بالهويات الأخرى وهو ما يرفضه اردوغان كما يرفضه كل من زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كيليتشدار اوغلو وزعيم حزب الحركة القومية دولت باهتشلي.
ويسود الأكراد شعور بأن الدولة التركية، بمختلف اتجاهاتها الإسلامية والعلمانية والقومية، لا تريد تقديم شيء للأكراد خوفا من أن يكون ذلك مقدمة للتقسيم.
قناعة الأكراد هذه تمثلت في اتحاد كردي انتخابي غير مسبوق بين جميع اتجاهاتهم المتشددة والمعتدلة، يهدف الى تحقيق فوز بأكبر نسبة أصوات في مواجهة حزب العدالة والتنمية. وبما أن حظوظ الأكراد ضعيفة في نيل نسبة العشرة في المئة ككتلة واحدة فإنهم ترشحوا بصفة مستقلين. وهذا بالطبع يقلل من حظوظهم في الفوز بمقاعد أكثر. ومع ذلك فإن التوقعات تشير الى احتمال نجاح ما بين 25 و35 من النواب الأكراد المستقلين. وبقدر ما يرتفع هذا العدد بقدر ما تتضاءل فرصة حزب العدالة والتنمية في تحقيق الفوز بـ330 نائبا لأن ارتفاع عدد النواب الأكراد سيكون على حساب حصة حزب العدالة والتنمية وليس الأحزاب الأخرى التي لا وجود مؤثر لها في المناطق الكردية.
ولذا تكتسب المعركة على الصوت الكردي اهمية بالغة. فإذا حقق الأكراد المنضوون أصلا تحت راية أحزاب السلام والديموقراطية ومؤتمر المجتمع الديموقراطي انتصارا كاسحا في مناطقهم سيضعون اردوغان أمام حرج كبير في مرحلة إعداد الدستور المقبل، فيما تحقيق اردوغان اختراقات مهمة هناك سيجعله أكثر تحررا من الضغوطات الكردية. ولا يكتفي الأكراد بخوض تحدّيهم الديموقراطي، بل يلوّحون في الوقت نفسه بانتفاضات بعد 15 حزيران الجاري تفوق انتفاضات العرب ما أدى الى خروج اردوغان من عقاله بالقول إنه لو كان في السلطة عندما حكم على أوجالان بالإعدام لكان نفّذ حكم الإعدام به.
أما على صعيد الصوت العلوي فإن تجربة حزب العدالة والتنمية في السنوات الماضية لم تكن مشجعة. إذ أن المفكر العلوي رها تشامور اوغلو الذي عوّل عليه الحزب تحقيق تقدم في المسألة العلوية ما لبث ان استقال من مهمته «العلوية» لا النيابية بعدما وجد أن الحزب غير جدي بما فيه الكفاية للذهاب أبعد في الاعتراف بالهوية العلوية.
وعلى هذا يفترض أن لا يحصل اردوغان على أي صوت علوي مهم على أن تذهب أصوات هؤلاء الى حزب الشعب الجمهوري كالعادة ليبقى الانقسام المذهبي في تركيا على أشده، وذلك منذ مطلع القرن السادس عشر بداية الاضطهاد العثماني للعلويين في تركيا في عهد السلطان سليم الأول والسلطان سليمان القانوني.
وما يزيد في ابتعاد العلويين عن حزب العدالة والتنمية أن اردوغان نفسه كان يستفز العلويين كلما أشار الى السلاطين العظام وفي مقدمهم الذين اضطهدوا العلويين ونكّلوا بهم مثل سليم وسليمان، كذلك فإن أردوغان كرّر في حملاته الانتخابية الإشارة الى الانتماء المذهبي العلوي لزعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كيليتشدار اوغلو ما أثار استفزاز العلويين.
ويريد أردوغان، ثالثا، من فكرة تحقيق انتصار كبير في الانتخابات أن يضمن منطلقا ومنصة للترشح الى انتخابات رئاسة الجمهورية في العام 2012 او 2014 بعد أن يحسم القضاء ولاية الرئيس عبد الله غول هل هي خمس أم سبع سنوات. حيث سيتم انتخاب الرئيس من الشعب للمرة الأولى.علما ان اردوغان يسعى أيضا الى تعديل النظام السياسي في تركيا ليكون نظاما رئاسيا فيأخذ صلاحيات رئاسة الحكومة معه الى رئاسة الجمهورية في حال قرر الترشح. وبقدر ما يحقق نتائج عالية غدا الأحد تكون مهمته في تحويل الصيغة الى نظام رئاسي عبر استفتاء شعبي أسهل وبالتالي وصوله الى رئاسة مع التذكير بأنها الانتخابات النيابية الأخيرة التي سيخوضها اردوغان كرئيس للحزب حسبما ما أعلن سابقا.
وفي اختصار لخريطة المشهد الانتخابي فإن غالبية الإسلاميين، خلا نسبة قليلة تؤيد حزب السعادة، ومعظم القوميين وبعض الليبراليين سيصوتون لحزب العدالة والتنمية فيما سيفقد أصوات العلويين والأكراد وجانب من القوميين ومعظم اليساريين وجزء من الليبراليين، ليتحول حزب العدالة والتنمية الى حزب محافظ ـ قومي.
أما على صعيد السياسة الخارجية فلا يتوقع أن يحدث أي تغيير جذري لجهة استمرار إعطاء الأولوية للانضمام الى الاتحاد الأوروبي مع عدم توقع اتخاذ خطوات جذرية بشأن القضية القبرصية واستمرار سياسة تصفير المشكلات رغم ما تعانيه هذه الأيام من صعوبات وتحدّيات في بعدها العربي (السوري خصوصا) والأرمني، كما الاستمرار في سياسة التوازنات بين الغرب (الأطلسي وإسرائيل) والشرق والاستمرار في التفاعل الاقتصادي مع مراكز القوى العالمية وممارسة ادوار الوساطة حيثما تيسّر.

Script executed in 0.035174131393433