أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

«ربيـع الشعـوب العربيـة» فـي مركـز «مهـدي عامـل»: نخـب اليسـار تبحـث عـن مكـان فـي «ثـورة الممكـن»

الإثنين 13 حزيران , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,380 زائر

«ربيـع الشعـوب العربيـة» فـي مركـز «مهـدي عامـل»:  نخـب اليسـار تبحـث عـن مكـان فـي «ثـورة الممكـن»

بعضهم أقرّ بعجز جيل الستينيات والسبعينيات عن إحداث التغيير الذي اجترحه الشباب التونسي والمصري في أقل من شهر، والذي وصفه المفكر التونسي الطاهر لبيب بـ»ثورة الممكن». آخرون عبرّوا عن اعتزازهم بما حدث مشددين على أنه أظهر مفاهيم جديدة ينبغي على اليساريين أن يستفيدوا منها. لكن كثيرين تعاملوا مع عفوية الشارع وتلقائيته بنوع من الاستعلاء الفكري، سواء عبر التشكيك في استحقاق الحدثين التونسي والمصري لصفة «الثورة»، أو عبر إسداء نصائح بديهية على جبهات مختلفة، متناسين أن الشعوب العربية قد سبقت منظريها. 
شابا ثورتي مصر وتونس، خالد تليمة (عضو ائتلاف شباب الثورة في مصر) وأكرم الفاهم (عضو التكتل الديموقراطي من أجل العمل والحرية في تونس)، كانا الأكثر انسجاماً مع نبض الشارع العربي. بعفوية ميزت ثورتي شعبيهما، تحدثا عن تجربتهما الميدانية التزاماً بالطابع الأساسي للندوة، والذي أراده منظموها بعيداً عن التنظير. 
«ثورة الممكن» 
الطاهر لبيب، الذي تولى إدارة الحلقة الحوارية، وصف ما تشهده المنطقة العربية بأنه «ثورة الممكن التي ضحى من أجلها جيل اليسار العربي في الستينيات والسبعينيات، والذي كان مهدي عامل أحد أبرز معالمه وأعلامه، بعدما كتب مقدمات نظرية لهذا الممكن، وأوجد جدليات بين نظرياته وممارساته، وحيّد البرجوازيات العربية والطائفية، وكتب تقاسيم زمان هذا الممكن، قبل أن يكسر الرصاص الغبي نصه عن الفكر اليومي». 
وفي حديثه عن «ثورة الممكن» تلك، أشار لبيب إلى أن «العرب بعدما استبطنوا استحالة التحولات، وعبروا عن خروجهم من التاريخ قبل ان يقولها فوكوياما، تبين لهم أنهم قادرون على أن يثوروا، وأنهم إذا ثاروا أنجزوا بأقل التكاليف». 
وأشار لبيب إلى ان «الثورات العربية افتتحت القرن الحادي والعشرين بطريقة غير معهودة في الثورات الكبرى، من جملة ما ليس معهوداً غياب القيادات»، لكنه رأى أن «التلقائي لا ينفي التراكم السابق»، كما أن «تغييب البعد الفكري لن يكون في مصلحة الثورات»، لأنها في حاجة إلى «خطاب ثوري». 
تجربتان ميدانيتان 
أكرم الفاهم، ابن بلدة سيدي بوزيد التي انطلقت منها شرارة الثورة التونسية، رأى أن «الفريد والاستثنائي في الثورة التونسية، أنها انطلقت انتفاضة من دون فكر أو قيادات، بمعنى أنها لم تكن تعبيراً ايديولوجيا». 
وأشار الفاهم إلى أن الثورة التونسية حملت في البدء شعارات مطلبية، كالحق في العمل ومحاكمة «عصابة السارقين»، لكنها رفعت في ما بعد شعار إسقاط النظام، بعدما تبين للمحتجين أن واقعهم المتردي سببه النظام مباشرة. 
كذلك، لفت الفاهم إلى أن «الثورة بدأت شبابية، ولكن شيئاً فشيئاً، التحق بها قطاع واسع من النقابيين والسياسيين والناشطين في بعض الأحزاب، ممن حرموا طويلاً من العمل السياسي وحرية التعبير». 
وفسر الفاهم غياب القيادات عن الثورة التونسية بانعدام الحياة السياسية في البلاد، فضلاً عن غياب أي شخصية معارضة تحظى بثقة القوى السياسية والشبابية، واتصاف العديد من القوى المعارضة بـ»انتهازية سياسية» تجعلها موضع نفور من جانب شباب الثورة. وتساءل «صحيح أنه ليس من مصلحة الثورة أن تتجاهل النخب الفكرية والسياسية... ولكن أي نخب يمكن الاستعانة بها؟». 
من جهته، رد تليمة على ما يوجه للثوار من اتهامات بإنكار التراكم النضالي، إذ تحدث عن مقدمات ثورة 25 يناير، بدءاً بحملة «كفاية» لرفض التوريث (2005)، مروراً بإضراب عمال المحلة (2008)، وحملة التوقيعات لمطالب التغيير التي أطلقها الدكتور محمد البرادعي (2010)، وصولاً إلى التحركات الشعبية التي تلت استشهاد الشاب خالد سعيد والانتخابات التشريعية المزورة وتمديد حالة الطوارئ... إلخ. 
وأشار تليمة إلى أن الشارع المصري كان مهيأً للثورة بالنظر إلى تفاقم الأوضاع على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، وتصاعد حملة القمع الأمني وانتهاك الكرامات التي اتخذت وتيرة شبه يومية، لكنه أقرّ بأن استجابة الشارع المصري للدعوات إلى التظاهر قد فاجأت الداعين أنفسهم، سواء في ما يتعلق بحجم المشاركة الشعبية في التظاهرات، أو في تفاعل الناس مع الثورة، إن في إطلاق الشعارات الثورية تلقائيا (على غرار شعار «الشعب يريد اسقاط النظام» الشهير، الذي خرج من تظاهرة في شارع رمسيس)، ودفاعهم عن الثورة في أحلك الظروف، وخصوصاً من خلال تفاعلهم مع «موقعة الجمل» الشهيرة. 
ثار.. يثور.. ثورة! 
كان يفترض بالمشاركين في الحلقة الحوارية أن يستفيدوا من التجربتين الثوريتين في مصر وتونس، واستخلاص العبر منهما، لكن كثراً منهم انزلق، كعادة معظم منظري اليسار، إلى نقاش أيديولوجي لم يسلم منه أي من ملفات الثورات العربية، واتسم، خلافاً للمصطلحات النظرية التي نمقت بها المداخلات، إلى بديهيات أدركتها الشعوب الثائرة منذ انطلاق حراكها التغييري، بذلك، انبرى أحدهم إلى التحذير من خطوة الرهان على الجيش لحماية الثورة، وآخر لضرورة أن تركز الثورة على المسألة الاجتماعية والطبقية (متناسياً شعارات رفعها الشارع بعفوية من مثل «عيش... حرية... كرامة انسانية»)، والتشديد مجدداً على عدم إهمال التراكم النضالي التاريخي، فيما ذهب البعض إلى ضرورة أن تكون تلك الثورات «ثورة اشتراكية»، مع إقراره بشكل غير مباشر بعدم وجود البديل الطبقي عن تحالف الطبقة الكادحة والطبقة الوسطى، في حين شدد آخرون على ضرورة ألا تبقى النخب الثقافية مكتوفة الأيدي، لأنها هي من يملك القدرة على جمع القوى المطالبة بالتغيير... الخ. 
لكن الأغرب، كان في اعتراض إحدى المشاركات، ضمن إطار «الحرص على النصوص والمفردات»، على استخدام كلمة «ثورة» لوصف ما جرى في تونس ومصر، مشددة، خلافاً لتوجه «شباب الثورة» أنفسهم، على استخدام توصيف «حركات احتجاج أسقطت رأس النظام ولم تغير النظام بالكامل»، وهو ما ذهب بالحلقة النقاشية إلى جدل عقيم حول المفردات، استخدمت فيه كل أنواع الأسلحة بدءًا باللغة (تفسير لكلمة ثورة المشتقة من فعل ثار)، وصولاً إلى التاريخ. 
برغم ذلك، ثمة من سعى إلى إعادة النقاش إلى سياقه الطبيعي، من خلال التركيز على ضـــرورة الاستفادة من ثورتي مصر وتـــونس للخروج بـ»خطاب ثوري» يسهـــم في الدفـــع قدماً بـ»القضية الاجتماعية»... لعل ذلك يبدو منطـــقياً، ولكن الأكثر منه منطقية، هو أن يخرج هذا «الخطاب الثوري» من لدن شباب الثورة أنفسهم، بعـــدما أثبـــتوا أنهم أكثر ثورية – نظرية وتطبيقاً – من النـــخب الفكرية المصرة على البــقاء أسيرة، حتى لمفرداتها.

Script executed in 0.029055833816528