أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

كلمة الدكتور مصطفى بزي في الحفل الشعري والتكريمي لشعراء من عيناثا وبنت جبيل في بلدة عيناثا

الأربعاء 15 حزيران , 2011 08:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,658 زائر

كلمة الدكتور مصطفى بزي في الحفل الشعري والتكريمي لشعراء من عيناثا وبنت جبيل  في بلدة عيناثا


الحضور الكريم ، السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته .

يستوقفني في هذا المهرجان التكريمي ، الشعري ، المتميز والرفيع ، أمور ثلاثة هي :

الزمان والمكان والانسان ، وأنا الحامل إليكم كلّ محبتي وإحترامي وشكري ، خاصة لأولئك الذين دعموا ونظموا وأخرجوا، لأن هذا الحفل هو ظاهره حيّه ، وهو يستحيل منذ اللحظة حدثاً تاريخياً ، آتية بكل حواسي وجوارحي .

في الزمان نقول : في الخامس والعشرين من أيار سنة 2000 ، خلعت منطقتنا وأرضنا العزيزة ، ثوب الذل ، الذي ارتدته قهراً وعنوة وظلماً طيلة أكثر من اثنين وعشرين عاماً ، في ذلك اليوم المجيد نهضت أرضنا من فراش كبوتها لتستقبل العائدين إليها ، قائلين مع المتنبي :

فكيف إلتذاذي بالأصائل والضحى         إذا لم يعد ذاك النسيم الذي هبّا .

لقد حمل إلينا هذا التاريخ ، بشائر النصر ، وأذا قنا طعم الحرية الحقيقية والإنتصار ، بعد سنين من القهر والأسر والسجن والأذى والذل والعدوان .

هذا النصر الذي تحقق ، كان بفعل المقاومين الأبطال ، الذين آمنوا بربّهم وقضيتهم المبدئية ، وهجروا مضاجعهم ، وزهدوا بمباهج الدنيا ، وباعوا جماجمهم لله ، وحملوا المُهج على الأكف ، كما كان باحتضان جيشنا الوطني الباسل لهذه المقاومة ، ومساندته لها ، وحمايته للأرض ، وتقديم الشهداء ، وكذلك بشعبنا الأبي الصابر الصامد ، الذي حمى المقاومة برموش العيون ، واقتنع بخطّها ونهجها ، ولم يبخل بتقديم الغالي والنفيس في سبيلها ، وكذلك بدماء الشهداء الأبرار ، الذين ضحوا بأنفسهم من أجل المبادىء السامية والرفيعة ، وأعطوا وما بخلوا ، مؤمنين أنّهم باستشهادهم يحيون من جديد .

هكذا كان الإنتصار سنة 2000 صرخة عنفوان في أذن الأمّة النائمة في سُبات عميق ، وإذا كانت المقاومة ، انطلقت بدون إذن من أحد ، إلاّ من أهلها وشعبها ، فاستمرارها مرهون بهؤلاء ، وليس بغيرهم من المتربصين في الداخل والخارج ، والمراهنين على الدوائر الاستكبارية  في العالم ، وهم الذين تموت ضمائرهم ، وتتخبط عقولهم وتعمى بصائرهم ويتمادون في غيّهم ، ونقول لهؤلاء ما قاله المتنبي أيضاً :

جود الرجال من الأيدي وجودهم         من اللسان فلا كانوا ولا الجود .

أما في المكان ، فنحن في عيناثا ، بلدة العلم والعلماء والأدباء والشهداء والمقاومين والشعر والشعراء.

عيناثا سارت والجهاد والنضال جنباً إلى جنب ، في كلّ تاريخها ، قاوم أبناؤها كلّ المحتلين والدخلاء، وقدّمت الشهداء الأبرار منذ سنة 1936 ، امتداداً حتّى التحرير ، وصولاً إلى حرب تموز سنة 2006 والوعد الصادق ، حيث أعطت كوكبة من المجاهدين ، الذين أفتدوا الأمّة والأرض بأرواحهم وقلوبهم وعقولهم وأفئدتهم ، وساهموا في تحقيق النصر الموعود ، وفي تحقيق الحرية والسيادة والإستقلال عملياً ، بينما الآخرون يتآمرون على المقاومة ، وكانوا ينتظرون هزيمتها .

عيناثا وقفت في وجه العدوّ الغاشم ، ولم يستطع هذا العدو إذلالها ، فحطّمت جبروته ، فتراجع عن مشارفها مكلّلا بالعار ، واستمرت عيناثا مكلّلة بالغار .

عيناثا والشعر توأمان ، وهي والأدب صنوان ، فيها كان للجلسات الشعرية والأدبية ، في البيوت والدواوين صولات وجولات ، لشعرائها  الذين قالوا الشعر ، وارتجلوه ، وحفظوه كالآيات .

لقد سكنت عيناثا قلوب أبنائها ، كما سكنت قلوب محبيها ، ممن عرفوا قيمتها ونضالها وجهادها .

 أما في الإنسان ، فكانت أمنيتي التحدث عن كلّ المكرّمين في هذا الإحتفال ، فهم أساتذتي وزملائي وأحبائي ، لكن التنظيم فرض أن يقتصر كلامي على واحد من هؤلاء ، عنيتُ به أستاذي الدكتور الحاج يحيى شامي أطال الله في عمره ، ففي هذا اللقاء المفعم بالمحبة والصدق والإخلاص ، لك أجمل الشمعات وأحلاها بمناسبة عيد التحرير ، نهاجر إليك من كلّ الدروب ، وعلى كلّ الدروب ، لنسكن في حينن صدرك الذي يتسع للحب والحنين .

لك يا حاج في هذه المناسبة تصدح بلابل الأقلام ، بالكلام المسكون في قلوبنا ، وأفراح شهادتنا وإنتصار مقاومتنا .

تذوّقت طعم الحبر بأصابعك منذ نعومة أظفارك ، ولمست الحروفَ المنضدةَ روحُك منذ تفتّح ذهنك وعقلك ، ورحت تغرف من نبع دافق ، ومن معجم مليء بالعلم والصفاء والعطاء .

وأخذت من تلك المجالس المميزة ، التي كانت تزخر بالأدب والشعر ، والتي كنت شاهداً على بعضها في منزل المقدس السيد عبد الرؤوف فضل الله ، وحضور الشاعر الرقيق العذب المقدس المرحوم السيد عبد اللطيف فضل الله نحن والحاج أصبحنا معاً في وقار الشباب ، ثمّ تابع ، وبقينا معاً في تحدي الزمن الصعب ، بل الأصعب ، ومعاً كذلك في المعاناة .

ها أنا آتيك يا حاج يحيى ، وفي عينيّ دموع فرح ، وفي قلبي كلّ المحبة والتقدير ، وفي عقلي الإعجاب والإكبار ، نحن متشوقون لبعض نسم دافىء يحرّك النُهى ويُشعل الألباب ، فالحاج يحيى واحد من المبدعين ممّن أسرجوا أقلامهم ، وشحذوا عقولهم ، وشمّروا عن سواعدهم ، وعقد العزم منذ البداية ، في التعليم الرسمي ثم الجامعي ، وفي الكتابة المستفيضة في أكثر من مجال ، وفي إعلاء راية العلم والمعرفة .

وأقول فيه ما قاله الشاعر :

شرفت بالقدر والأفعــال ماثلـة           وما شرُفت بجني المال والذهب

والمجد في الناس أفعال تليق بهم         وليس سعياً إلى الألقاب والرّتب

من عاش في كنف الدنيا وما شرُقت    في أرضه نبتة الإبداع والعجب

فلن يكون له في الأرض مأثرة          تحيي النفوس وتُذكي جذوة اللهب .

 

طوبى لكم أيّها المكرمون ، حملة الأقلام ، على سموّكم ، فاخروا أهل زمانكم ، وأهل كلّ زمان ، فأسماؤهم ستبقى على شفاهنا وفي عقولنا ، ألا إنّ أبواب المجد مشرّعة للعالمين وموصدة للجاهلين .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

 

عيناثا السبت 4/6/2011

                                                                                       د. مصطفى بزي

Script executed in 0.042114019393921