أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

أردوغــان يتـحــرش بســوريا... لمـاذا ؟

الخميس 16 حزيران , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 6,294 زائر

أردوغــان يتـحــرش بســوريا... لمـاذا ؟
كان الأتراك، يتحدثون بفخر عن الابواب التي فتحت لهم والسجاد الاحمر الذي فرش امام مسؤوليهم في كل عاصمة عربية طرقوا بابها، باسم السياسة والعلاقة التاريخية ومصالح الاقتصاد وروابط القربى والثقافة والموسيقى...
إن حكيت عن فلسطين لمعت عيون المسؤولين فخرا. وإن حكيت عن العراق، بدت الاسنان خلف ابتسامات الدهاء التي تقول إن ما فعلناه قبل الغزو الاميركي، برفضنا المشاركة فيه، حنكة ما بعدها حنكة، تجمع بين المبادئ والأخلاق.
وإن حكيت عن سوريا، فحدث ولا حرج....آلام التاريخ طويت، وجسور التواصل مدت، في السياسة والامن والاقتصاد والعسكر والمياه، وفي العلاقات العائلية بين الرؤساء وزوجاتهم، وروابط الدم التي تجدد جريانها بين آلاف الاتراك والسوريين الذين فرقتهم خطوط الحدود وانهيار السلطنة وقيام تركيا الحديثة، والأهم، ضعف العرب.
تركيا هذه المرة، بدت قلقة، مرتبكة ومنفعلة، والأخطر متعثرة كما يقول محللون ومعارضون. سوريا هذه التي شكلت رمزا ناجحا لما يمكن لتركيا ان تجنيه في المنطقة، ولما يمكن أن يعيد انتاج صورتها بما هو أجمل وأكثر قبولا بعيون العرب، صارت، بإرادتها الذاتية أو رغما عنها، نقطة الانكسار المحتمل لهذا الصعود الباهر.
لم يكن انفتاح أنقرة على العرب منة منها.. في جولة قبل ثلاثة اعوام على عدد كبير من المدن التركية، كان يخرج ممثلوها لاستقبال الوفد الاعلامي، السوري بغالبيته، لتكريمه، ويستعيدون امامك اواصر العلاقات التاريخية، ويتحدثون بأسى عن الفراق القسري الذي أبعدهم عن الأشقاء السوريين والعرب طويلا. يرتلون آيات من القرآن، يخرجون بأبيات شعر عربي قديم، ويتندرون بلحظات سنحت لهم فيها فرصة زيارة دمشق او حلب او بيروت.
ولا كان عزفا منفردا من جانب أنقرة... بادلها السوريون الكثير. في لحظات التشوش الحاصلة الآن، نسي رجب طيب اردوغان ان بشار الاسد منحه من الارض ما ظلت سوريا ترفضه منذ اكثر من 40 سنة في الجولان. هذه شقيقة، وتلك عدوة، قال الرئيس السوري بالتأكيد.
فماذا جرى؟ ما الذي جعل الحلوى التركية تصبح مرة؟ ما الذي جعل المرارة حادة في طعم التصريحات الصادرة بين انقرة ودمشق، ولو على استحياء دبلوماسي؟
ما الذي جعل هذا السياسي ذاته يتململ في مقعده عندما يتحدث عن سوريا، بينما كانت ابتسامة عريضة ترتسم على وجهه، عندما كان في الماضي القريب يحكي عنها بفخر على قاعدة ان ما بين سوريا وتركيا من اواصر، صنعه الله.
التفسيرات كثيرة، ومتنوعة، فيها «السياسي»، وفيها «الانساني»، وفيها ايضا «الاسلامي»، وفيها «الاخواني»، مثلما فيها «الانتخابي» وفيها «التآمري» و«الاميركي». فيها تقارير عن خلوي تركي مشبوه، كشبكة الخلوي الثالثة في لبنان التي شاع لها دور في اضطرابات سوريا!
في حوارات اجرتها «السفير» مع العديد من الشخصيات التركية، من أطياف الحكم والمعارضة والاعلام والخبراء، كان السؤال المركزي: لماذا يتحرش اردوغان بسوريا في وقت تبدو هي بحاجة الى «الصديق»، الذي قالوا قديما، انه لوقت الضيق؟
يقول كبير مستشاري الرئاسة التركية ارشاد هورموزلو ان تركيا «ليست طرفا في ما يجري في سوريا.. ولا نفرق بين دم رجل الامن، ودم المتظاهر في الشارع». ويختصر الموقف التركي حتى الآن بأمرين طرحهما شخصيا على القيادة السورية: أولا الدعوة الى اصلاح يلبي المطالب، وتسريع عملية الاصلاح ثانيا».
وفي المقابل، يقول الصحافي جنكيز شاندر، المحلل في صحيفة «راديكال»، والمقرب من اوساط السلطة، ان الانتخابات «اثرت بالتأكيد على مواقف اردوغان من سوريا، لكنها ليست كافية وحدها لتفسير طبيعة الموقف التركي من الاحداث السورية».
ويتابع شاندر ان اردوغان «زعيم يتمتع بالشعبية ومواقفه نابعة من الناس، وهو لهذا نال 50 في المئة من الاصوات... هؤلاء الناس انفسهم كانوا متعاطفين مع تونس، ومع متظاهري ميدان التحرير في القاهرة، ومشاعر التضامن ذاتها مع الفلسطينيين، ومع اللبنانيين في العام 2006، والآن مع السوريين».
يذكر الصحافي التركي البارز بأن اردوغان نفسه قال لحسني مبارك في شاشات التلفزيون في ميدان التحرير، ارحل فأنت لا تملك سوى كفنك... وعندما وصلت المسألة الى سوريا، ولعلاقته الشخصية مع الاسد، ما كان بمقدوره ان يظل صامتا.. كان سيفقد مصداقيته». يستخلص شاندر ان «تركيا مع الشعب السوري، لكنها تعطي بشار الاسد فرصة، ولم تمزق ورقته».
يتساءل مصدر صحافي تركي عن التقارير التي تتحدث عن وجود بنادق «عوزي» الاسرائيلية الصنع، و«ام 16» الاميركية في ايدي بعض المسلحين في منطقة جسر الشغور وكيفية حصولهم عليها، والبلدة بهذا القرب من الحدود التركية. كما يتساءل عن وجود اجهزة اتصال خلوي تعمل عبر شركة «آفيا» التركية التي تمتلك «أوجيه تيليكوم» حصة كبيرة من اسهمها، بالاضافة الى اجهزة «ثريا» العاملة عبر الاقمار الاصطناعية.
لكن شاندر يرد على ذلك قائلا «هذه ليست لعبة تركية... أنقرة لا تمارس هذه اللعبة على اراضيها الحدودية مع سوريا.. ربما تفعلها في الصراع الارمني الآذري، او في قبرص، لكن مع سوريا هناك مخاطر اخرى مرتبطة بالاكراد».
مصطفى أوزجان، الصحافي والمحلل في صحيفة «ملي غزته» التابعة لحزب السعادة الاسلامي، يقول ان هناك «تداخلات بين الخيوط الداخلية والخارجية في ما يجري في سوريا.. لكنني لا أؤمن بفكرة وجود مؤامرة خارجية.. وقد يلتقي الحراك السوري مع المصالح الأميركية وقد لا يلتقي».
لا يعير أوزجان العامل الانتخابي اهتماما يذكر في تفسير مواقف اردوغان التي تصاعدت حول سوريا مع اقتراب يوم الاقتراع الاحد الماضي. لكنه يشير صراحة الى ان فشل محاولات تقارب حزب العدالة والتنمية مع الاكراد، ربما يكون ساهم في سعي اردوغان الى محاولة استقطاب شرائح انتخابية اخرى، مثل الاتراك من اصول عربية وهم بالملايين، في حين ان العلويين الاتراك، ليسوا منظمين بموقف سياسي موحد، مقرا في الوقت ذاته، بأن الاحداث السورية، خلقت نوعا من الفرز المذهبي في تركيا.
ويقول في اشارة ضمنية الى العلاقات السورية الايرانية المتينة، ان تركيا تسعى الى تحقيق توازن اقليمي، وهي تحاول ان تستوعب ايران في اطار رفض سياسة المحاور التي توتر ولا تخدم الرخاء الاقتصادي في المنطقة... هذه اولوية تركية».
ومن جهته، يقول مسؤول العلاقات الخارجية في حزب الشعب الجمهوري المعارض اوغوز ساليجي منتقدا التبدلات السريعة التي تقوم بها حكومة اردوغان في سياساتها الخارجية، ان انفتاح حزب العدالة والتنمية على جماعة الاخوان المسلمين في سوريا ومصر او على حركة حماس، «يحسن صورتهم في المنطقة».
ويقول ساليجي لـ«السفير» ان الحزب المعارض «لا يريد حربا اهلية في سوريا، ولا نرغب بتاتا في تدخل تركي في حرب اهلية هناك»، مشيرا الى أن الحزب «يرفض التدخل الخارجي بالمبدأ، لكننا ندرس كل حالة على حدة».
جوست لاجينديك، عضو سابق في البرلمان الاوروبي، وخبير في شؤون السياسة الخارجية التركية، ومستشار لـ«مركز اسطنبول للسياسات»، ان استياء انقرة الكبير مما يجري في سوريا، هو ان الاسد لم يستمع الى النصائح التركية، وهو ما يقوض ادعاءات تركيا بأنها خلال الاعوام الماضية، اصبحت اللاعب الاقليمي الاقوى، وهي التي كانت تقول دائما ان تحسن علاقاتها مع سوريا والعراق، افضل نموذج على نجاح سياستها «صفر مشكلات»، مضيفا انه اتضح ان تركيا، لا تتمتع بالنفوذ القوي على جيرانها، مثلما تبين ان ما من دولة اخرى، لها نفوذها الحاسم على دمشق.
(غدا مقابلة خاصة مع كبير مستشاري
الرئيس عبد الله غول، ارشاد هورموزلو)

Script executed in 0.034843921661377