أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

هل تملك الأكثرية الجديدة حلولاً اقتصادية واجتماعية؟

الجمعة 17 حزيران , 2011 10:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,164 زائر

هل تملك الأكثرية الجديدة حلولاً اقتصادية واجتماعية؟
هي المحطة الثانية التي يدخل فيها نجيب ميقاتي الى السرايا الكبيرة، رئيسا للحكومة، في لحظة سياسية استثنائية، لبنانيا وعربيا، لكن بفارق أنه ليس محكوما بملف انتخابي حصري، كما كانت الحال في العام 2005، بل بملفات سياسية واقتصادية واجتماعية، ستشكل بمجملها عنصر اختبار له ولفريق الأكثرية الجديدة، الذي لطالما جاهر أمام اللبنانيين بملاحظاته على كل المرحلة الحريرية وعناوينها، وصار لزاما عليه أن يثبت اليوم بالقول وبالفعل، أنه قادر على ترجمة طروحاته الإصلاحية وأن يحول وجوده في السلطة السياسية إلى فرصة للإنتاج وليس لعرض العضلات، بعدما سئم اللبنانيون من طبقتهم السياسية وحساباتها الكيدية والفئوية.
وحسنا فعل ميقاتي برسمه خط سير حكومته بتشديده على أولوية مواجهة الأعباء الاقتصادية والمعيشية الضاغطة وتلبية حاجات الناس، وإطلاقه في الوقت نفسه اشارات تطمينية لكل اللبنانيين، متجاوزا بذلك كل الحملة السياسية الاتهامية التي يشنها فريق «14 آذار» عليه وعلى حكومته.
ولعل الثقة المنتظر ان تنالها الحكومة الميقاتية من المجلس النيابي في الاسابيع القليلة المقبلة، ستطلق ورشة مزدوجة سواء في اتجاه إطلاق العجلة السياسية عبر مبادرة رئيس الجمهورية ميشال سليمان الى إعادة إحياء طاولة الحوار لاستكمال البحث في الاستراتيجية الدفاعية مع احتمال توسيعها لتشمل اطرافا جديدة ومواضيع جديدة أو في اتجاه دفع العجلة الحكومية نحو التصدي لكل تراكمات المرحلة السابقة.
وقد أقر ميقاتي في إطلالته المسائية عبر برنامج «كلام الناس» مع الزميل مرسيل غانم بأن مهمته ليست نزهة، بل هي اشبه بطريق جلجلة طويلة المدى ومزروعة بالألغام كما بالتحديات الداهمة والثقيلة، خاصة أنه يرث بحكومته واقعا لبنانيا فيه من التعقيدات السياسية والاقتصادية والمعيشية ما قد يفرض على الحكومة الميقاتية أن تخضع لامتحان يومي في إثبات قدرتها على اجتراح الوصفة الحقيقية للعبور بالبلد إلى بر الأمان والاستقرار.
وإذا كانت التحديات السياسية التي تواجه الحكومة كبيرة بفعل تطورات المنطقة من جهة، وبفعل الانقسام الداخلي العمودي بين الموالاة والمعارضة من جهة ثانية والذي يحمل معه نذر مواجهة سياسية قاسية بين الفريقين، فإن التحديات الكبرى تكمن في المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والمالية والمعيشية المتراكمة أو المستجدة.
ولعل أبرز التحديات المقبلة تكمن في مواجهة آثار موجة التضخم الخارجي، والغلاء المستفحل على كافة المستويات وتزايد الأعباء المعيشية وتردي التقديمات في ظل ضعف القدرة الشرائية للأجور والرواتب داخلياً، إضافة إلى تراجع تدفق الرساميل الخارجية وتحويلات اللبنانيين خلال الأشهر الأولى من السنة بأكثر من مليار وسبعمئة مليون دولار، أي ما نسبته 30 في المئة، خلال العام 2011.
وبعدما عرضت «السفير»، أمس، للتحديات السياسية الداهمة، تحاول اليوم اختصار أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية في العناوين الاساسية الآتية:
أولا، مواجهة تأمين تمويل الدولة واحتياجات الخزينة، حيث تحوّل مصرف لبنان الى المموّل الاساسي للخزينة، مع تزايد عجز الموازنة نتيجة ارتفاع عجز الكهرباء إلى حوالى 1,8 مليار دولار على سعر برميل للنفط بحدود المئة دولار، مع بروز احتمال ارتفاع كلفة الكهرباء على المواطن مع دخول الصيف الذي قد يشهد أزمة تقنين قاسية اكثر من العام الماضي نتيجة نقص الانتاج الى حوالى 1400 ميغاوات، علما ان الحاجة هي الى أكثر من2600 ميغاوات خلال الصيف. وهذا أمر يستوجب أولوية في المعالجة بعيداً عن التنظير والتوصيف بعد أكثر من 14 دراسة من دون أي تنفيذ... ولعل العبرة هي في طرق كل الأبواب وأولها الباب الايراني، لتأمين بعض حاجات لبنان من الكهرباء بأسعار مغرية.
ثانيا، ثمة أولوية لخلق مناخ من الاستقرار وتفعيل الاتفاقات التجارية مع الدول المجاورة ومن ثم البعيدة، وهو أمر بديهي للمساعدة في خلق فرص عمل وتعزيز النمو الاقتصادي، على اعتبار ان عناصر النمو الاقتصادي تقوم على الصادرات والحركة السياحية، إضافة الى عنصر التحويلات من الخارج وكلها عناصر شهدت تراجعات ملحوظة بين 12 و30 في المئة خلال العام الحالي.
ثالثا، يفترض ان تتنبه الحكومة الى الاحصاءات الاخيرة لواقع المجتمع اللبناني من الناحية الاجتماعية، حيث إن ثلث الشعب اللبناني بات تحت خط الفقر والثلث الثاني يقف على الخط تماماً وهو مهدّد بالنزول تحته ما لم يتم تشجيع الاستثمار وزيادة فرص العمل امام الشباب الخارج من الجامعات والمعاهد المهنية. والجدير بالذكر هنا ان الاحصاءات في هذا المجال تفيد بأن لبنان بحاجة الى خلق اكثر من 35 الف فرصة عمل سنوياً لا يؤمن منها سوى حوالى 12 الف فرصة عمل، وهذا مؤشر على بطالة وهجرة قسرية تفوق الخمسين في المئة، علما أن احصاءات اخرى تقول ان الحاجة هي لخلق 50 الف فرصة عمل اذا ما تم احتساب تاركي الدراسة المبكرة بسبب الظروف المعيشية والمادية الصعبة.
رابعا، يجب ان يلتفت البيان الوزاري الى موضوع ملء الشغور في الادارات والمؤسسات العامة البالغ حوالى 47 في المئة في غالبية الوزارات لا سيما في الفئة الاولى التي تصل نسبة الشواغر فيها الى 59 في المئة حسب دراسة أعدها وزير الدولة لشؤون التنمية الادارية محمد فنيش، وإلى حوالى 41 الى 59 في المئة في الفئة الثانية على مستوى رؤساء المصالح والحال نفسها بالنسبة للمستويات الاخرى.
خامسا، زيادة النفقات الاستثمارية على المشاريع الخدماتية من مياه وكهرباء واتصالات وبنى تحتية، كانت متوقفة منذ سنوات نتيجة تعطيل الموازنات العامة منذ العام 2005 وحتى العام 2011، ما أدى الى تردي هذه الخدمات مع سائر التقديمات بفعل ترهل الادارة وعدوى الانقسام السياسي في داخلها.
سادسا، القضية المعيشية والتضخم الذي يفوق 10 في المئة خلال العام 2011، وهي النسبة الاعلى منذ عشر سنوات نتيجة ارتفاع الاسعار خارجياً وأسعار المحروقات بالتحديد التي انسحبت على كل السلع الاستهلاكية. هذا الواقع جعل نسبة التضخم التراكمي بين العام 1996 وحتى نهاية العام 2010 تتخطى 110 في المئة مما يعني ان الاجور ومداخيل الاسر فقدت اكثر من 50 في المئة من قدرتها الشرائية.
سابعا، ضرورة ان تبادر الحكومة الى اطلاق الحوار الاقتصادي الاجتماعي، علما ان رئيس الحكومة يردد انه يضع في اولويات حكومته معالجة القضايا المعيشية والتقديمات الاجتماعية عن طريق تعزيز لواحق الاجور، مع معرفته المسبقة بوضع الخزينة والموازنة والتحديات المالية في تمويل احتياجات الدولة وكذلك اوضاع مؤسسات القطاع الخاص في ظل تراجع المؤشرات العامة. كذلك يجب الأخذ في الاعتبار عجز الدولة والمؤسسات عن تأمين زيادات كبيرة في الاجور وكذلك عجز خزينة الدولة عن تحمل المزيد من النفقات الكبيرة التي تنعكس زيادة في كلفة خدمة الدين العام الذي يشكل القسم الاكبر من النفقات العامة بما يتعدى 4،5 مليارات دولار سنوياً أي ما يوازي 38 في المئة من نفقات الموازنة العامة..
ثامنا، على صعيد القطاعات الانتاجية من زراعة وصناعة فإنها تحتاج الى تسهيلات بالتشريع والدعم المالي والاصلاح الضريبي، والعمل على تشجيع المزارعين، مع محاولة انقاذ ما تبقى من الموسم السياحي الذي تراجعت قطاعاته نتيجة حال عدم الاستقرار التي سادت ما قبل ولادة الحكومة الجديدة، اضافة الى تفويت فرصة الافادة من توترات المنطقة باستقطاب الرساميل والحركة السياحية.
تاسعا، تبقى الاولوية بعد نيل الحكومة الثقة، تكريس الاستقرار المالي والنقدي وتعزيز الثقة انطلاقاً من التجديد لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة وعدم خلق فراغ في القطاع الاساسي في الاقتصاد، لا سيما أن مصرف لبنان والمصارف ما زالت تمول كل احتياجات الخزينة والقسم الاكبر من الاستحقاقات الخارجية. فالدين العام وصل اليوم الى 52,7 مليار دولار بزيادة 3 في المئة خلال خمسة اشهر بينما النمو الاقتصادي سيكون 2,5 في المئة عن كامل العام 2011 وهنا خطورة العودة الى نمو الدين العام بأكثر من النمو الاقتصادي مما سيزيد من المخاطر ويضعف تصنيف لبنان المالي.
ميقاتي: مع المقاومة
إلى ذلك، نفى ميقاتي أي تدخل سوري في تشكيل الحكومة وتوقع ان تستعمل 14 آذار كل أساليبها لمواجهة الحكومة، الا انه قال ان الحكومة لن ترضخ إلا للشعب اللبناني. وأكد في حديث لبرنامج «كلام الناس» التلفزيوني، ان مصلحة لبنان في أن تكون هناك علاقات طيبة مع كل الدول الشقيقة والصديقة وخاصة سوريا وأن يحترم القرارات الدولية». مشيرا ردا على سؤال الى «ان القرار الظني عندما يصدر ستجتمع الحكومة وتتخذ القرار المناسب».
وأكد ميقاتي ان «المقاومة محل إجماع لبناني على مقاومتها لاسرائيل»، إلا انه قال نحن مع السلاح المقاوم ولكننا سنطلب سحب السلاح من المدن».
ومد ميقاتي يده الى «تيار المستقبل» وقال: انا تواق دائما لعلاقة ممتازة مع الرئيس سعد الحريري.
الى ذلك، اكد ميقاتي على العنوان التصالحي لحكومته، خلال ترؤسه الاجتماع الاول للجنة صياغة البيان الوزاري، وشكل هذا الامر قاسما مشتركا بينه وبين اعضاء اللجنة الذين اجمعوا على المرتكزات التصالحية للبيان، «لكي تثبت الحكومة انها بالقول والفعل والممارسة حكومة كل اللبنانيين» كما قال وزير الصحة علي حسن خليل لـ«السفير».
وشدد وزير الشؤون الاجتماعية وائل ابو فاعور على ضرورة أن يعبر البيان عن «خيارات الحكومة واتجاهاتها التصالحية في الداخل والخارج، مع حفظ الثوابت الاساسية المتعلقة بالمقاومة والعلاقات العربية وفي مقدمها العلاقة مع سوريا»، فيما شدد وزير العدل شكيب قرطباوي على وجوب اعتماد الواقعية والابتعاد عن الوعود الخيالية مؤكدا احترام القرارات الدولية. وأكد وزير البيئة ناظم الخوري على الجو التصالحي وقال وزير العمل شربل نحاس انه يأمل ان يتضمن البيان الوزاري «كل ما يهم الناس».
من جهة ثانية، كشفت مصادر رئاسية لـ«السفير» ان رئيس الجمهورية ميشال سليمان يدرس جديا فكرة توجيه الدعوة لعقد طاولة الحوار في فترة غير بعيدة. وأوضحت ان الظرف الحالي ليس مناسبا لتوجيه الدعوة وأن سليمان ينتظر انجاز البيان الوزاري للحكومة، ونيل الحكومة ثقة المجلس النيابي ومن ثم انطلاق عجـلة العمل الحكومي على ان يطلق بعد ذلك، جولة مشاورات مع الفرقاء الداخليين من دون استثناء.
وردا على سؤال قالت المصادر الرئاسية ان إمكان توسيع طاولة الحوار مطروح كما ان هناك أفكارا لتوسيع محاور البحث في اتجاه تناول الشأن الاقتصادي، اضافة الى الاستراتيجية الدفاعية، الا ان هذه الافكار لم تحسم بعد، فضلا عن ان هذا الامر سيتم التشاور فيه مع الاطراف السياسية المعنية.

Script executed in 0.03432297706604