أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الشراكة التركية مع حكومة ميقاتي: استمرارية الحكم وترقب الإنجازات

الإثنين 20 حزيران , 2011 12:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,710 زائر

الشراكة التركية مع حكومة ميقاتي: استمرارية الحكم وترقب الإنجازات
ماذا يعني الفوز المتجدد ولو المتراجع 15 مقعدا لحزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان؟ ما هي معانيه في السياسة الخارجية التركية مع الجوار العربي وخصوصا أن أردوغان أهدى نصره إليه؟
ما يجب أن يتنبّه إليه اللبنانيون هو أن أردوغان ذكر العاصمة اللبنانية بيروت مرتين في الخطاب الذي تلاه عقب إعلان الفوز. استذكرها مرة بقوله: «إنني أحيي من هنا بكل محبة بغداد ودمشق، بيروت وعمان والقاهرة وتونس وسراييفو واسكوبيا وباكو ونيقوسيا وكل المدن وعواصم الدول الأخرى الصديقة والشقيقة والشعوب الصديقة والشقيقة». وأعاد ذكرها مرّة ثانية قائلا: «بقدر ما انتصرت اسطنبول انتصرت سراييفو. وبقدر ما انتصرت إزمير انتصرت بيروت. وبقدر ما انتصرت انقرة انتصرت دمشق. وبقدر ما انتصرت ديار بكر انتصرت رام الله ونابلس وجنين والضفة الغربية والقدس وغزة. وبقدر ما انتصرت تركيا انتصر الشرق الاوسط والقوقاز والبلقان وأوروبا».
يترتب على اللبنانيين التوقف عند ذكر عاصمة بلادهم لمرتين في خطاب نصر التفويض الشعبي التركي الثالث لأردوغان لولاية ثالثة سيقود فيها السياسة الخارجية لبلاده في منطقتين تشكلان نقطة ارتكاز سياسة تركيا الخارجية: الشرق الأوسط والبلقان. وما حاول أردوغان تمريره من رسائل مبطنة أنه مستمر بالعمل دوما لمصلحة تركيا من خلال توفير استقرار الجوار العربي.
تركيا تنافس سوريا؟
بعد وساطات متعددة قامت بها تركيا في لبنان بدءا من الدبلوماسية المكوكية لوزير خارجيتها أحمد داود أوغلو الى الزيارة التي قام بها أردوغان في العام الفائت للبنان، الى إنشاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي الرباعي الذي لم ينعقد ولو لمرة واحدة بسبب الحوادث التي وقعت في سوريا والفراغ الحكومي اللبناني، يبدو أن تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة نجيب ميقاتي «بضوء أخضر سوري لم يحرّك الحساسية التركية» بحسب أوساط عليمة.
فتركيا لا تعلق على نفوذ دولة ما في لبنان وخصوصا سوريا، لكنها تقدم ذاتها على أنها دولة تروم الشراكة مع لبنان، ويشير المسؤولون فيها دوما الى أنهم يؤمنون بـ«السلطة الناعمة» وليس بـ«السلطة الحديدية» في لبنان لأنه لا يمكن ولا يجوز إرغام طرف لبناني أيا كان حجمه على القيام بدور لا يستسيغه.
تنطلق النظرة التركية من أن أنقرة ودمشق ليسا بأعداء والتأثير السوري على السياسة اللبنانية مختلف عن التركي، فتركيا تعمل مع جميع اللبنانيين سواسية، معتبرة أن التحيز لفريق دون آخر أمر غير مفيد للبنان أولا، كما تعتبر أن ما يحصل في لبنان يؤثر على تركيا مباشرة بسبب الترابط التاريخي والثقافي، ويقود ذلك تلقائيا الى معادلة مفادها أن الاستقرار اللبناني هو جزء من استقرار تركيا والعكس صحيح فكيف الحال بين تركيا وسوريا أو بين لبنان وسوريا حيث تصبح منظومة الاستقرار واحدة في هذه الدول الثلاث وربما في دول أخرى قربية لتركيا وسوريا؟
مقاربة حكومة ميقاتي
تركز تركيا في مقاربتها للوضع اللبناني اليوم على تشجيع مبدأ الحوار بين اللبنانيين، وتشدد في سياسة مسؤوليها ودبلوماسييها على أنها تقدم ذاتها كنموذج صالح وخصوصا من الناحية الإقتصادية وبالتالي هي لا تحكم على الحكومة الميقاتية الجديدة على أنها صنيعة ضوء أخضر سوري بل تؤجل الحكم في انتظار إنجازات هذه الحكومة ومدى تجاوبها مع متطلبات الشعب اللبناني، «الحكومة جيدة إذا قامت بأمور مفيدة للبنان»، هذه الفائدة تراها تركيا في إنماء وتحسين قطاعات حيوية أبرزها الكهرباء والمياه والنقل العام حيث لها مشاريع ثنائية مع لبنان في هذه المجالات، علما بأن ثمة موضوعين تركز عليهما تركيا دوما في علاقاتها اللبنانية هما التربية والصحة وقد بلغ عدد المدارس التي شيدتها في لبنان بعد عدوان تموز 2006 57 مدرسة، بالإضافة الى المستشفى المتخصص بالحروق الذي شيد في مدينة صيدا وبلغت كلفته 20 مليون دولار أميركي.
هذه المشاريع وسواها تجعل تركيا أردوغان تركز على الإنماء وعبره ستحكم على الحكومة الجديدة. أما النقطة الثانية التي يركز عليها المسؤولون الأتراك فتتعلق باستمرارية الحكم، اي أن تنفذ الحكومة القرارات المتخذة من قبل الحكومات السابقة، ومبدأ استمرارية السلطة، عنصر رئيسي في العلاقات الدولية حتى لو حصل تبدّل في هوية الفريق السياسي الحاكم، وإلا تفقد الدول ثقتها بلبنان.
هذا المنطق سيحكم علاقة تركيا بالحكومة الجديدة، بحيث لا توجد نظرة مسبقة إليها إذ لا تكترث تركيا بتوصيف البعض أنها حكومة «حزب الله»، بل ما يهمها إمكانية التعامل معها والقيام بمشاريع مشتركة وحيوية للبنان وخصوصا على صعيد عقد اجتماعات المجلس الإقتصادي الرباعي الذي يضم الى تركيا ولبنان سوريا والأردن. ويشير الأتراك بفخر الى الإنجاز الأول الذي رافق هذا المجلس والمتمثل بإلغاء تأشيرات الدخول بين البلدين في العام 2010.
وتنسج تركيا علاقات جيدة مع رئيس الحكومة الجديد نجيب ميقاتي، الذي تربطه علاقة صداقة بكل من أردوغان وأحمد داود أوغلو، كما تحرص تركيا على ابقاء يدها ممدودة لكل القيادات اللبنانية، واضعة هدفا قوامه بناء شبكة علاقات جيدة مع جميع اللبنانيين، في تمايز واضح عن الموقف الغربي الذي يصنف اللبنانيين بحسب هوياتهم السياسية وحتى عن بعض المواقف العربية التي تعتمد الفرز نفسه.
لكن الأتراك الذين أقلقتهم أحداث طرابلس الأخيرة، يعتبرون أن الانقسام السياسي الحاصل إزاء النظرة الى الحكومة وإن كان طبيعيا إلا أنه «لا ينبغي أن ينزلق الى العنف بل أن يؤدي الى تبلور المعارضة بالطرق الدبلوماسية والسياسية البناءة»، وخصوصا أن وضع النمو المتباطئ في البلد وتراجع أعداد السياح لا يبشر بكثير من الخير بنظر أنقرة المستعدة لتقديم المساعدة في هذا المجال في حال طلبها لبنان منها.
لا يخفي المسؤولون الأتراك تمسكهم بالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، مشددين في الوقت عينه على ألا تكون هذه المحكمة على حساب لبنان واستقراره، أي أن تؤدي الى حرب أهلية، فنظرة تركيا الى هذا الموضوع تتمايز عن المقاربة الأميركية والأوروبية من حيث أخذها في الاعتبار أولوية استقرار لبنان ومصلحة شعبه، وهو همّ حاضر في سياستها الخارجية التي لن تتأثر بنتائج الإنتخابات الأخيرة بعد أن جاءت بالفريق السياسي ذاته برئاسة أردوغان الذي كان قد أبلغ ميقاتي بعد التكليف أن مهارته ستتبدى في تأليف حكومة تلقى قبولا عند غالبية اللبنانيين وتحدث صدمة ايجابية لدى المجتمع الدولي.
لا لإصدار قرار دولي ضدّ سوريا
الاستقرار هو عنوان المقاربة التركية لسوريا أيضا، وتشكل الحدود المشتركة دافعا أساسيا للاهتمام التركي بما يدور على الأراضي السورية، حيث أرست أنقرة علاقات «صداقة» مع دمشق منذ 10 أعوام سارت تبعا للتوقيت التركي «خطوة خطوة»، والأمر سيان مع لبنان. وعلى الرغم من الجدل الدائر حول الدور التركي حيال الحوادث في سوريا، فإن الثابت أن تركيا لن تغلق أبوابها أمام اللاجئين السوريين الذين هربوا من دورة العنف الى 10 مدن تركية حدودية وبلغ عددهم لغاية اليوم 10 آلاف، علما أن بعضهم عاد الى مدنه وقراه، وما يقلق تركيا فعليا أن تطول الأزمة السورية لتدخل في نفق تأثير «الدومينو»، أي أن تتدحرج دورات العنف من منطقة الى أخرى.
من هنا تقارب تركيا بنظرة نقدية الموقف الغربي من سوريا، وتنتقد الدعوات الغربية الى رحيل نظام بشار الأسد من دون تقديم حلول بديلة للشعب السوري، فتركيا تنطلق في مقاربتها السورية من ضرورة توفير الإستقرار للبلد وللناس وترى أن الرئيس السوري بشار الأسد قادر على القيام بالإصلاح المنشود من أجل سوريا والسوريين.
لا يحبذ الأتراك تكرار السيناريو الأفغاني والعراقي وهو نتيجة للسلوك الغربي الذي اتخذ قرارات لا تمت بصلة الى إرادة الشعبين الأفغاني والعراقي، وهذا ما يثير القلق التركي على سوريا، وتدعو تركيا الى الجلوس ومناقشة الوضع الأمني والسياسي السوري بتؤدة وروية.
ترى تركيا ذاتها اليوم بأنها تساعد سوريا وأنها الوحيدة التي لا تطلب من الأسد الرحيل. احتراما لهذا المسار ترى أنه لا يجوز اللجوء الى مجلس الأمن الدولي في الحالة السورية من دون أن تكون ثمة حلول للبلد ولشعبه وبالتالي لا تجد تركيا ان اي قرار يتخذ ضد سوريا سيكون جيدا في مجلس الأمن الدولي.

Script executed in 0.036091804504395