ولا شك أن التدابير السريعة التي اتخذها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي قد أراحت تلك المناطق وأدخل بعضا من الطمأنينة الى نفوس أهلها... لكن الثابت اليوم لدى الجميع أن التبانة برمتها قد استُغلت من جديد وأُخذ أهلها رهينة، بغض النظر عن الرسائل التي أراد المستفيدون توجيهها سواء الى حكومة ميقاتي، أو الى أبناء التبانة ردا على حراكهم الداعم للتظاهرات في سوريا، أو الى أي جهة أخرى، ما يشير الى أن «صندوق البريد» ما زال مفتوحا للرسائل النارية، وأن ثمة من هو قادر على استخدامه في التوقيت الذي يراه مناسبا، إلا أن ما يثير الاستغراب هو أن كثيرا من المجموعات الرئيسية المقاتلة في التبانة قد نأت بنفسها عن المشاركة في الجولة الخامسة، وأن عمليات التحريض على الفتنة بدت مدروسة ومبرمجة ومتصاعدة، ليأتي بعد ذلك رمي القنبلة على المتظاهرين التي أشعلت الفتيل، ليحصل الانفجار مع استهداف القيادي في التبانة خضر المصري والمسؤول العسكري في «الحزب العربي الديموقراطي» علي فارس في وقت واحد، وبرصاص بالرأس.
هذا الواقع يطرح جملة أسئلة، أولها: لمن كانت الأرض في التبانة والقبة خلال مواجهات الجولة الخامسة في ظل نأي المجموعات الرئيسية عن المشاركة؟ أي رسالة أراد الحزب العربي توجيهها من خلال غزارة النيران التي أطلقها مقاتلوه وضمنها المئات من القذائف؟ ولماذا سقطت ثلاثة مواعيد لوقف إطلاق النار في تلك الليلة الساخنة رغم الوعود التي أعطيت لميقاتي بعد الاجتماع الذي عقده في منزله مع كوادر التبانة بأن الأمور ستكون على ما يرام بعد منتصف الليل؟ هل كان الأمر خارجا عن سيطرة هذه الكوادر؟ وهل الشائعات التي بثت في طرابلس عن وصول أشخاص من خارج المدينة الى بعض مناطقها هي حقيقية؟ وأين التطمينات التي كان يسوقها كثير من المسؤولين؟ من هي الجهة التي استهدفت الجيش؟ هل من يحاول استهدافه مجددا بالسياسة بهدف إضعاف دوره بعد الانجاز الذي حققه بضبط الأمن بسرعة قياسية، لفتح تلك المناطق على جولات عنف جديدة؟ وهل ستشهد تداعيات الجولة الخامسة تحقيقا جديا وشفافا يطال المتورطين بافتعالها، وهل ثمة من يجرؤ على التقدم بدعوى قضائية ضد كل من يثبته التحقيق فاعلا أو مشتركا أو محرضا على هذه الجولة؟
هذا على صعيد جولة العنف الخامسة، أما ما سبق ذلك من تحضير وتحريض فهو يأخذ حيزا واسعا من النقاشات والاجتهادات في الأوساط الطرابلسية عموما، خصوصا أن تداعياته لم تنته بعد، وهو مستمر وبقوة، حيث تتركز هذه النقاشات على جدوى إدخال طرابلس في سياسة المحاور، وعن الاستفادة من تحريك الشوارع المتناقضة في الانتماء السياسي والمذهبي، وعن المسؤول عن صب الزيت على النار، من خلال دفع التظاهرة ـ الشرارة (ضد النظام السوري) للخروج من مكانها المعتاد في القبة الى ساحة عبد الحميد كرامي في طرابلس ومن ثم مناداة بعض المشـاركين بمكـبرات الصوت بالتوجه الى التـبانة، ومن سارع الى بث هذا الخبر بين أبناء جبل محسن للاستعداد؟
كما بدا واضحا أن التظاهرة التي غاب عنها كثير من الكوادر وأئمة المساجد احتجاجا على خروجها عن مسارها ضمن منطقة القبة، قد توجهت الى التبانة لتكون محطة ثالثة للتظاهر بعد ساحة عبد الحميد كرامي، وليس كما أشيع بأن المشاركين كانوا عائدين الى منازلهم، لأن مثل هذه العودة لا تحتاج الى تجمع كبير في شارع سوريا ومواجهة الشارع الآخر، لتبدأ الاشتباكات المسلحة بسرعة قياسية وكأنه محضّر لها مسبقا.
ماذا بعد؟
لا شك أن ثمة تخوفا من تجدد المواجهات خصوصا في ظل الخروقات الأمنية المتلاحقة المتمثلة بأعداد القنابل وقذائف «الانيرغا» التي يطلقها مجهولون في كل ليلة، فضلا عن الحراسات التي يقوم بها الشبان في مناطقهم، وعودة انتشار الأجهزة التي توتر الأجواء من خلال الشتائم التي تطلق من خلالها في كل اتجاه من دون أن توفر أحدا من الرموز، الأمر الذي يضع الحكومة والجيش اللبناني والقوى الأمنية أمام مسؤوليات كبيرة، سواء بالمعالجات الأمنية أو الاجتماعية، لكن كما بات معروفا أن أي جولة عنف جديدة تحتاج الى قرار، فهل يسبق شعار «طرابلس منزوعة السلاح» الذي يبدو في الظاهر أن الجميع متوافق عليه، قرار المستفيدين من عودة التوتر؟