حين يسافر الرئيس سعد الحريري للترفيه عن نفسه بعد أن أحزنتْه مغادرته السرايا الحكومية، لا يذهب وحده. يصرّ الرئيس نجيب ميقاتي على إرسال محافظة عكار مع سلفه، لعلّها تسلّيه حين يغمض هاني حمود عينيه أو يتعب عقاب صقر من الكلام. فالتشكيلة الحكومية الأخيرة أتت لتؤكد أن قوى 8 آذار والتيّار الوطنيّ الحر والرئيس نجيب ميقاتي يعتبرون عكار (التي يمثّلها سبع نوّاب) كدائرة بيروت الثالثة (التي تُمثَّل بعشرة نواب) ملكيّة حريريّة خاصّة.
في الانتخابات النيابية الأخيرة، أكّدت عكار استحقاقها لقب «خزان تيار المستقبل»، بعدما حلّت في المرتبة الأولى على صعيد عدد المقترعين السنّة (نحو 87 ألف مقترع مقابل 79 ألف مقترع سنّي في دائرة بيروت الثالثة)، 14% منهم فقط اقترعوا لمصلحة المناوئين للمستقبل. وفي المقابل، حصل خصوم المستقبل في دائرتي المنية ـــــ الضنية وطرابلس على أصوات نحو 27% من المقترعين السنّة، الأمر الذي يؤكد أن المعارضة السابقة لم تبذل أي جهد لاستقطاب العكاريين. حتّى حين يقترح بعض المعارضين بين الفينة والأخرى توزير نائب رئيس الحكومة السابق عصام فارس، يكون همهم ملء جيوبهم من خيرات فارس، لا تمثيل العكاريين ولا تعديل ميزان القوى السياسي في عكار.
لا يسأل العماد ميشال عون ـــــ وقد تحوّل إلى حامي حمى المسيحيين في المشرق ـــــ نفسه عن سبب خفض نسبة اقتراع المسيحيّين في الانتخابات النيابيّة الأخيرة إلى 38.5% فقط مقارنة مع بلوغ هذه النسبة 67% في جبيل و53% في كسروان. لا يسأل عن السبب وراء إحباط المسيحي العكاري، وبالتالي عدم ذهابه إلى صندوق الاقتراع. ولا يسأل عمّا قدمه تكتّله، الموصوف بالتكتل المسيحي الأكبر، لمسيحيي عكار الذين احتلوا المرتبة الثانية بعد جزين في الاقتراع لمرشح عون، فبلغت نسبة المؤيدين لعون 63.4%، علماً بأنه ليس بين هؤلاء أرمن ممّن تفصلهم القوات اللبنانية غالباً عن الناخبين المسيحيين. وحال عون في ذلك من حال الحليف ـــــ حزب الله. فهموم الحزب المتنوعة تشغله عن الاستفسار أقلّه عن أوضاع نحو عشرين مجلساً بلدياً واجهوا في الانتخابات البلدية الأخيرة تيار المستقبل، بكل إمكانياته وقدراته التحريضية، وانتصروا. يُطبّل تلفزيون «المنار» لهؤلاء، ولهم «تزمّر» إذاعة النور، ولاحقاً تفاجأ هذه المجالس البلدية بأن الحزب لا يرى من عكار كلها إلا البلدتين الشيعيّتين. يحقّ للعكاريين سؤال وزير الزراعة الذي ينتمي إلى حزب الله عمّا قدّمه لمنطقة يعيش غالبية أبنائها من الزارعة، تماماً كما يحق لهم سؤال وزراء الطاقة والاتصالات والسياحة العونيّين عمّا قدّموه لعكار. وهم يعلمون جيداً أن لا وزراء حزب الله ولا وزراء عون يقيمون لعكار اعتباراً. ومن عون والحزب إلى الرئيس نجيب ميقاتي، يكفي العكاريين أن يعلم رئيس الحكومة أنهم يمثّلون شريحة كبيرة من سكان مدينته، وأن الرأي العام والزعامة يصنعهما سكان المدينة لا ناخبوها وحسب.
المشكلة بالنسبة إلى العكاريين أن الحريري يقهرهم مرتين. مرة بسببه ومرة معه. فالأكثرية الجديدة تسقط عكار من حساباتها الوزارية، وبالتالي الإنمائية فالانتخابية، على اعتبار أن كسر تيار المستقبل فيها مستحيل. وتيار المستقبل يسقط عكار من حساباته الوزارية، وبالتالي الإنمائية فالانتخابية، على اعتبار أن فوزه محسوم بمقاعد الدائرة السبعة. نحو 24% من اللبنانيين المصنفين في وزارة الشؤون الاجتماعية «فقراء جداً» هم عكاريون، أما نواب المستقبل فمشغولون بإسقاط النظام السوري. تبلغ «نسبة الحرمان العامة»، بحسب تعابير برنامج التنمية في الأمم المتحدة، 63.3% من مجموع سكان عكار، مقابل 32.1% من مجموع اللبنانيين. الشعب يهتف: «سعد سعد بعد الله بنعبده». نسبة الذين يعانون من «الفقر الشديد» 23.3% من نسبة المقيمين في عكار. يعلو الهتاف أكثر: «بالروح بالدم نفديك يا هادي (النائب هادي حبيش)». تؤكد الدراسات الرسمية أن 50% من منازل عكار غير موصولة بشبكة المياه، و72.9% من المنازل غير موصولة بشبكة الصرف الصحي. خير لعكار أن تكون بلا وزير من أن يكون وزيرها طارق متري. التقرير الأخير لوزارة الشؤون الاجتماعية عن أوضاع الأسر يقول إن 62.7% من الأسر العكارية لا تستفيد من حقوقها التعليمية. فلترتفع أصوات التكبير أكثر: معين المرعبي وخالد ضاهر وخضر حبيب وخالد زهرمان هم المشرّعون وهم المراقبون والمحاسبون للسلطة التنفيذية.
لكن لا مشكلة: الحريريّ والميقاتيّ، وتيار عون وحزب الله، جميعهم يعلمون أن العكاريّ لا يبالي. يكاد يكون تمثيله في الحكومة آخر همّه. تتفرّج عكار بصمت على السياسيين يرمونها مرة على يخت عصام فارس ومرة على يخت الحريري. يعود فارس أو الحريري فتعود عكار إلى الحكومة، أو يبقيان معتكفين فيبقى لعكار الاعتزاز بأن فارس لا ينام قبل أن يأكل بعض الشنكليش العكاري، وأنّ الحريري لا يجيب هذه الأيام إلا على اتصالات ممثّلهم في المجلس النيابي رياض رحال.