أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

كلمة الدكتور مصطفى بزي بمناسبة ولادة الإمام علي ( ع )

الجمعة 24 حزيران , 2011 08:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 25,546 زائر

كلمة الدكتور مصطفى بزي  بمناسبة ولادة الإمام علي ( ع )

السلام عليك سيّدي ومولاي ، يا أمير المؤمنين ، يا أبا الحسن يا أسد االه الغالب .

السلام على ذريتك الطاهرة المجاهدة في سبيل الله .

أقف اليوم في رحابك ، في ذكرى مولدك ، أقف مندهشاً لصفاتك التي ليس لها حدود ، لمميزاتك التي رفعتك إلى أعلى الدرجات ، وجعلتك من أهم المميزين عبر التاريخ ، حتّى قال عنك كارلين : " أما علي ، فإنّه رجل لا يسعنا إلاّ أن نحبّه ونتعشقه " .. ماذا عساي أقول في ذكراك اليوم ، ومهما قلت فانّ الحديث يقصر ، واللسان يعجز ، والقلم يعيا ، وأنت البحر الزاخر ، والموج الهادر والعلم الدافق والعطاء الغزير والعظمة التي هي امتداد لعظمة الله ورسوله محمد .

ماذا أقول بك يا سيّدي ، يا أبا الحسن .

أأتحدث عن دفاعك وذبّك عن الإسلام منذ اللحظات الأولى للدعوة والرسالة الإسلامية ، منذ اللحظات التي طولب فيها الرسول : " أن أنذر عشيرتك الأقربين " . لقد جاهدت الأعداء ، في سبيل إعلاء كلمة الحق ، في سبيل رفع راية الإسلام ، خفّاقة فوق دنيا البشر ، وعندما وصلت الأمور إلى حدّ القرار باغتيال النبي والتخلص منه ، فديته بنفسك ، ورقدت في فراشه ، وآثرت النوم مكانه رابط الجأش ، طلق المحيا ، غير آبه بخطر يحيط بك ، وبحراب مرتفعة فوق رأسك ، وسيوف مجرّدة عليك .

أم أتحدث عن المعارك التي خضتها مع الرسول ، وإلى جانبه دفاعاً عن الإسلام ، وضد المشركين ، في بدر وأحد والخندق ، حيث نازلت الأعداء ، فارساً مقداماً ، جابهت الألوف المؤلفة ، وقاتلت عمرو بن ود العامري ، أحد أهم أبطال العرب في ذلك الوقت ، وانتصرت عليه ، انتصاراً جعل الأرض تزلزل من تحت أقدام الأعداء والمشركين ، حين قيل : " ضربة علي لعمرو تعادل عمل الثقلين ، من اليوم إلى يوم القيامة " .

وقالت أخت عمرو عندما وقفت فوق رأسه ميّتاً :

لو كان قاتل عمرو غير قاتله            لكنت أبكي عليه سالف الأبد

أم أتحدث عن إيثارك لإبقاء كلمة الإسلام موحدة ، ورايته خفّاقة ، حتى لا تبلغ حركة الردّة مبلغها ، فسكتت عن حقك المغتصب في سبيل المبدأ ، الذي تحقق خلال دولة الرسول في المدينة . أم أتحدث عن علمك وحلمك وحكمتك وعقلك الكبير ، وفكرك النيّر ، وتفكيرك الصائب ، ونصحك الدائم ، حتّى لمن وقف ضدّك ، وسلبك حقك دون وجه حقّ حتّى قال أحدهم  : " لا أبقاني الله لمعضلة لست فيها يا أبا الحسن " .

أم أتحدث عن فترة حكمك التي قضيتها بالوقوف في وجه المكائد التي اعترضتك ، والحروب التي أضرمت ضدّك ، ورغم ذلك كنت مثالاً للحاكم الديمقراطي بكلّ ما في الكلمة من معنى ، وكنت مثالاً للتواضع والإنصاف والعدل كيف لا وأنت تلميذ رسول الله ( ص ) ، وأنت الذي تقول عن نفسك " أنا من رسول الله كالضوء من الضوء ، والذراع من العضد . والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما ولّيت عنها ، ولو أمكنت الفرص من رقابها لسارعت إليها " ...

من يتجرأ مثلك ويعطي المثال في الحق والعدل ، كما تجرأت على أخيك عقيل ، عندما جاء إليك يطلب زيادة من نصيب في العطاء ، فأحميت له حديدة ، وقرّبتها من يديه فأحرقته ، وعندما شعر بلذع النار غضب فقلت له قولتك المشهورة : " أتئن من حديدة أحماها لك إنسانها للعبه ، ولا أئنّ من نار سجرها ربّ العزّة لأهل معصيته " .

إنّ الخلافة لم تكن تعني لك شيئاً ، أمام عزّة نفسك ، وكرامتك ، وإسلامك ومبادئك ، ولذلك فإنّه عندما دخل عليك ابن عمك ، ابن عباس ، ووجدك تصلح نعل حذائك بيديك ، استغرب هذا ، فقلت له : " ان هذا النعل البالية لأحبّ إليّ من امرتكم ، إلاّ أن أقيم حقاً  أو أدفع باطلاً "  ، لقد أعطيت المثل الأعلى للحاكم العادل ، المنصف ، الذي تهمه أمّته وشعبه ، ورضى الله ورسوله ، والتعلق بكتابه ، ولم تكن تستغل مكانتك وقربك من رسول الله لتحقيق مآرب شخصية وغايات خاصة ، وكنت تقول وقولك حق مأثور : " ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل ، ولباب هذا القمح ، ونسائج هذا القزّ ، ولكن هيهات ان يغلبني هواي ، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة ، ولعلّ بالحجاز ، وباليمامة من لا طمع له في القرص ، ولا عهد له بالشّبع ، أو أبيت مبطاناً ( يعني بطني ملآنه بالطعام ) ، وحولي بطون غرثى ( أي جائعة ) ، وأكباد حرّى ( أي عطشى ) ، أو أكون كما قال القائل :

" وحسبُك عاراً أن تبيت ببطنة     وحولك أكباد تحنّ إلى القدّ    .

لقد رسمت يا مولاي الطريق التي يجب أن يسلكها القائد الفذّ والحاكم العادل ، واعتبرت أن الإمام هو من يعيش بين أبناء أمته ، يشاركها آلامها وآمالها ، أفراحها وأحزانها ، لا أن يعيش  في برجه العاجي ، ملكاً بين الملوك وكسرى بين الأكاسرة وسلطاناً بين السلاطين ، يتطلع من أعلى ، ولا يعرف ماذا يجري على الأرض ، وكنت تقول : " أأقنع نفسي بأن يقال هذا أمير المؤمنين ، ولا أشاركهم في مكاره الدهر ، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش ( أو خشونة العيش ) فما خلقت ليشغلني أكل الطيّبات ، كالبهيمة المربوطة همّها علفها ".

لم تكن يا سيدي ومولاي متعلقاً بالدنيا الفانية ، ومحبّاً لها ، ومنقاداً لمغرياتها " وتقول لها " غرّي غيري " ، وإليك عني يا دنيا ، فحبلك على غاربك ، قد إنسللت من مخالبك ، وافلتّ من حبائلك

أغربي عنّي ، فوالله لا أذلّ لك فتستذليني ، ولا أسلس لك فتقوديني " ، هكذا لم تكن الدنيا تغرّك يا أبا الحسن ، ولم تكن تفتنك ، ولا المحاسن تستهويك ، وتخلب عقلك .

كان همّك رضى الله ورسوله ، وكنت تقول : " طوبى لنفس أدّت إلى ربّها فرضها ، وعركت بجنبها بؤسها ، وهجرت في الليل غمضها " .

 

وكنت تعطي الوصايا لأقرب المقربين اليك أولاً، ليأخذوا بها  ، ولم تكن تأخدك في الله لومة لائم ، ومن أولى بالحسنين عليهما السلام بالوصية الأولى  حيث تقول لهما :" أوصيكما بتقوى الله ، وأن لا تبغيا الدنيا وإن بغتكما ،ولا تأسفا على شيء منها زوي عنكما ، وتولاّ  بالحق واعملا  للأجر وكونا للظالم خصما ًوللمظلوم عوناً "

هذا دستورك في الحياة يا مولاي ، وهو المستقى  من القرآن الكريم ، الذي حفظته وجمعته وطبقته عملياً وحافظت عليه وعلى مافيه .

وشرعت للحكام  والولاة ، كيف يجب أن يكون الحاكم العادل ، والوالي الناجح ،وأعتبرت أن  الإستعانة بالله يجب أن تكون الهمّ  الأول ، والرفق بالرعيّة حين يدعو الأمر إلى الرفق ،والشدّة حيت لا  بدّ منها ، وخفض الجناح وبسط الوجه ، ولين  الجانب والتحية " حتّى لا يطمع العظماء في حَيفِك ( أأي الحاكم  أو الوالي ) ولا ييأس الضعفاء من عدلك " كما رسمت للولاة والحكام الطريق الذي يجب أن يسيروا عليه ، ليكونوا إلى جانب الحق فقلت : " إن حقاً على الوالي أ ن لا يغيره على رعيته فضلّ ناله ، ولاطول خصّ به ، وأن يزيده ما قسم الله له من نعمه دنوّاً من عباده وعطفاً على إخوانه ...

وكنت تريد أن تكون الرعية عند الوالي سواء ، ولا فضل لأحد على أحد إلاّ بالتقوى والايمان والدفاع عن الحق والدين الحنيف .

ماذا أقول وأقول ، والقول لاينتهي فيك يا مولاي ، لكن أذكّر بما كنت توصي به أمتك من إصلاح ذات البين ، وتنظيم الأمور ، وحلّ المشاكل بالروية ، وكنت تنقل عن رسول الله (ص) قوله : " صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصوم " وكنت تدعو للإهتمام بالأيتام  والجيران ، لأنّهم وصية النبي الذي كان يقول :" ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت  أنّه سيورثه ".

وكنت أخيراً وليس آخراً تدعو الى التواصل والتباذل ، وكنت تحذر من التدابر والتقاطع  ، وتحث على المعروف وتنهى عن المنكر .

وكل هذا يقودني الى التأكيد على التعلق بمبادئك وتعاليمك التي هي مبادئ وتعاليم القرآن

والنبي ، وخاصة بما يتعلق بإصلاح ذات البين ، وحلّ مشاكلنا بالحوار البنّاء الهادف الواعي ، والنقاش الهادئ الذي يوصل الى قواسم مشتركة  .

 

                                                د . مصطفى بزي

                                                13 رجب 1432

   

 

Script executed in 0.032858848571777