أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

«حزب الله» يستوعب الصدمة: هل ترفع المشانق؟

الإثنين 27 حزيران , 2011 03:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,572 زائر

«حزب الله» يستوعب الصدمة: هل ترفع المشانق؟
وبرغم الابتسامة التي حاول أن يرسمها على وجهه، للتخفيف من وقع الخبر لدى جمهور المقاومة، ارتبك «السيد» أثناء إعلانه عن الأسماء بأحرفها الأولى، كأنما كان يتذكر جلساته معهم، وثقته فيهم. كان يرى صورهم في الورقة الماثلة بين يديه.
قبل إعلان «السيد» رسمياً عن الاختراق الأميركي لجسم الحزب، كان الخبر يتناقل بين المنضوين في الحزب في مشهد لا يخلو من الفجيعة: «هل عرفت بأن فلاناً عميل؟ وفلانا، وربما فلانا؟». بدا الخبر أشبه بصدمة هزّت هؤلاء ومعهم جمهور أوسع.
غير أنهم حافظوا على كتمانه في دوائرهم المغلقة، وشيئاً فشيئاً بدأ يتناهى إلى مسامعهم عبارات مرسومة بعلامات استفهام، من قبل عامة الناس، لكن بأسلوب غير مباشر: «ما هي صحة الأخبار التي تتداول في بعض الصحف، حول تورّط كوادر في الحزب بالعمالة؟». كانوا يجيبون: «ربما».
وفيما كان يسيطر على القيادة الحزبية، هاجس ظهور الأمر الى وسائل الإعلام، وإضفاء لمسات بوليسية خيالية عليه، كان يتردد في أوساط الحزب لازمة يُعلن عنها همساً: «الحمد لله أننا استطعنا كشف هؤلاء الخونة. إذ أننا نجونا من عملية اغتيال كانت تستهدف الحاج فلان، بغية أن يحلّ مكانه (تلقائياً) العميل م. ح.، فيصبح في موقع قيادي (الصف الأول) بما يخوله الاطلاع على التفاصيل العسكرية كافة».
بدا عسيراً، في بادئ الأمر، التكهن حول طبيعة الخطة التي كانوا يتحدثون عنها: هل هي عزاء للخبر ـ الفجيعة، أم أنهم فعلاً مقتنعون بنجاتهم من وقوع كارثة أمنية؟ هل يتحدثون عن فرضيات تلهيهم عن السؤال الرئيسي، حول كيفية تجنيد من جُنّد، خصوصاً أنه ملتزم دينياً وعاش في بيئة حاضنة للمقاومة؟
ومع مرور الأيام، واتساع رقعة الأسئلة، انتقل محور النقاش بين الحزبيين، من «حادثة النجاة»، إلى أسئلة أكثر عمقا: ما هي الدوافع التي جعلت هؤلاء، يرتمون في حضن جهاز استخباراتي زوّد إسرائيل بالقنابل الذكية في حرب تموز 2006؟ هل هي مالية أم نسائية أم غيرهما؟
آنذاك، تضاربت الأخبار حول عدد العملاء الذين كُشف أمرهم: الشيخ الفلاني، والسيد المسؤول عن الوحدة الفلانية، وابن الشيخ فلان وشقيق زوجة المسؤول الفلاني، حتى وصلت الأرقام النهائية إلى شبكة يربو عدد المتورطين فيها عن أكثر من عشرين شخصاً.
وكلما كان العدد يرتفع، كانت ترمى أسماء مواقع قيادية جهادية، ويزداد طرح الأسئلة، وبالتالي تكثر الأجوبة: م. ح.، ابن الضاحية (الغبيري) المعروف بين أصدقائه بدماثته وكرمه، كان يلتقي بمشغليه في أوروبا، إثر سفره بذريعة العــلاج من مــرض مزمن. وكان سفره في الفترة الأولى، أي بعــد العام 2001 عندما تم تجنيده، يُواكــب من قبل بعض الأشخاص بغية حمايــته. غــير أن الرجل طلب في الفترة الأخيرة أن يســافر من دون مرافقة أحد.
أثار طلب م. ح. بعض الشكوك عند المعنيين، الذين بدورهم استفسروا عن المستشفى التي يرتادها، فتبيّن أنه «يزورها» من دون الخضوع لأي عمليات جراحية، أو حتى معاينة بسيطة من قبل الأطباء، بل كانت زيارة في سياق يهدف إلى التمويه. وكان الخيط الأول.
غير أن خيوط كل من أ. ب. وم. ع. التي قادت جهاز مكافحة التجسس في الحزب إليهما، بدت أكثر ضبابية في الأجوبة التي كأنما تبعثرت على طاولة أمنية بغتةً: هل أسرّ أحد أفراد الشبكة، غير اللبنانية (تابعة لإحدى الدول الكبرى)، والتي قبض عليها مؤخراً بتهمة التجسس لصالح الاستخبارات الأميركية، بأسماء الأشخاص الثلاثة، قبل اكتشاف خيط م. ح. الأول؟
وبعدما أسرّ هذا الضابط الأمني غير اللبناني بأحد الأسماء، هل كرّت السبحة؟ لكن كيف يمكن أن تكرّ هكذا، فيما طريقة التجنيد التي نفذت كانت عمودية (لا أحد من المجندين يعرف بالعملاء الباقين، حتى ولو كان هو ذاته مسؤولاً عنه)؟
على أن الأسئلة والأجوبة التي أثيرت في معرض الرد على علامات الاستفهام، لم تكن في نسق يدل على أنها مؤكدة أو «رسمية»، إلا أنها تعاظمــت وتفاقمــت إلى حد بدأ يتردد أن مجنّدي م. ح. زرعوا جــهاز تنصت في معدته (!)، فضلاً عن الحديث بأن حرباً إسرائيلية كبرى كانت قاب قوسـين أو أدنى من أن تُشنّ على لبنان، لولا كشف العملاء الثلاثة.
في المقابل، تردد أن العدو الإسرائيلي هو من أحبط هجوماً عسكرياً كان في صدد أن ينفذه الحزب، من خلال تسريب الأجهزة الأمنية الإسرائيلية خريطة لصحيفة «واشنطن بوست»، تحدد فيها مراكز الحزب العسكرية في آذار الفائت، لتقول للحزب: «نحن نعرف بأنك تجهز لضربة أمنية، فانتبه، نحن نملك بنك أهداف دقيقا».
وفيما تردد بأن الخريطة لم تكن إلا «لغماً» عمد المعنيون في الحزب إلى تسريبه، كطعم للمسرّب، فإن رواية أخرى، بين الروايات غير «الرسمية»، تقول: الخريطة كانت صحيحة، ومن قام بتسريبها هو م. ح. بطلب من مشغليه، ظناً منه ومنهم بأنه من الصعب الشك بأمر عمالته، فكان هذا بمثابة الخيط الأول، يليه خيط المستشفى.
وفي حين حاذر الأمنيون في الحزب تأكيد أو نفي أي رواية، مغلّفين الخبر في سياق عادي، بدا نصر الله في خطابه أكثر وضوحاً، معتبراً أنه خرق محدود، وبدا مهتما بأن يوجه رسالة للاسرائيليين مفادها أن القوة الصاروخية في الحزب كانت وما تزال بعيدة عن متناول يدكم، الأمر الذي أدى إلى خلق حالة من الارتياح في صفوف الحزب، ترافقت مع أسئلة اختلفت عن تلك البوليسية وأبرزها: ما هو مصير هؤلاء؟
«فلتُرفع المشانق علناً» عبارة تتردد، بإصرار، في دوائر الحزب وقواعده، مدعومة باقتناع أصحابها أن المحاسبة يجب أن تبث الرعب في النفوس، قبل أن تتكرر الحادثة من دون «طوق النجاة» الأمني، الذي يعتبر المنظمون في الحزب أنه لف أعناقهم إثر اكتشاف أمر العملاء.

Script executed in 0.19268894195557