أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

بنت جبيل الذاكرة في رسائل إحسان شرارة

الأربعاء 29 حزيران , 2011 12:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 4,562 زائر

بنت جبيل الذاكرة في رسائل إحسان شرارة

 ويا رعاها الله، يوم أن كانت بنت جبيل على سبيل التجوّز والمبالغة عاصمة للثقافة العاملية من قبل أن تكون في ما بعد عاصمة للمقاومة والتحرير..
ذكريات ما كان أغلاها وأمداها في الزمان حفلت بكل ما يثير الشجن ويُذكي نيران الحنين إلى زمن كانت فيه حُسينيات بنت جبيل وساحاتها العامة منطلقاً للنضال الوطني، ومتنفساً للخوض في شؤون السياسة والفكر والاجتماع.. أما المنازل، وشرفاتها وعرصاتها المنبسطة أمامها في أيام القيظ خاصة، وقد تصدّرها السماور، فكانت تتحول إلى عكاظ من نمط خاص تعرض فيها بضاعة الشعراء والأدباء، وجلُّهم من الشرارات، هذا فضلاً عمن أغفل ذكرهم الكاتب من غير الشرارات..
لله درُّك، أيها الشراري المعتق كشاي سماورك، ما كان أوفاك لبلدتك التي جرّعت المحتل كأس الهزيمة مرات ومرات.. أفما زلت هائماً بحبها، مستذكراً هشيم نبتها حين يسودُّ من القدم أخريات الصيف، والبارض من النبت إثر أول زخة من أمطار تشرين، او النبت الطري يضاحك الشمس ربيعاً من قبل ان يستحلس في الصيف ثم يكتهل فيتصوّح فيصغر فيهيج..؟
لله درُّك، أيها المفتون بتراب بلدتك وأنت طفل تغوص فيه بقدميك العاريتين رخواً رقيقاً، تمور به الريح موراً، فهي السافياء، او الهباء، او ما يشبه الهباء، ما دق منه او ارتفع، يلزق بوجهك وجلدك وثيابك، من قبل أن يذهب في الأرض مع الريح..
لله درُّك، ولكم كنت حفياً بتجاعيد أديم بلدتك، حجارة ودماليك، رضراضاً ورجاماً، جنادل وصُفاحاً.. بكل بقعة من بقاعها..
بكل خرق أخشب من خروقها، وكل جبل تنضغط فيه الريح من جبالها، او كل منعرج بين أكام هي منفذ للسيل، من منعرجاتها..
هاجس الحنين
وتسأل، وأنت في خريف عمرك، أيها المسكون بهاجس الحنين إلى المكان تنجر إليه القهقرى في الزمان، إلى الأماكن التي في رسائلك ذكرت وما تفتأ تحن إليها.. إلى طريق «العين»، و«ساحة النبية»، و«حاكورة نص الضيعة» و«ساحة الديوان» و«ساحة السرايا» و«خلة عيسى» و«تحت اللكس» و«الوادي» و«الميادين».. أماكن وأماكن فيها ذات يوم درجت، وفيها ذات يوم لعبت ولهوت، وليت أنك كنت أكثر حضوراً او استحضاراً لتضيف إلى ذاكرتك «شقيف الغراب» و«بير الثمين» و«علاّيا» و«القلاع» و«كرم الدهري» و«كرم الحاج عواضة» و«السناسل» و«الرفراف»، و«تينة إم صباح»، بتسكين الصاد، وهي أماكن ما أظن انك كنت غريباً عنها، تسأل لماذا أنا بدوري، مثلك، إليها انجذبت، ولطالما فيها ذات يوم درجت ولعبت ولهوت..
إني لأعلم أنك لما تزل مسحوراً بصوت مسحراتيّك «الأخرس»، هناك، عندكم في «حي الجامع»، او «حي السد»، وما كان أحلاه ثنائياً لو أنك جمعت إليه صوت مسحرياتنا «أبو سعدى»، هنا في «حي المحيريق»، وكلاهما كان فذاً صناعاً في القرع على ألواح التنك إيذاناً بالسحور قبيل طلوع الفجر.. وما كان أحلاك، يا صديقي، لو أنك أضفت إلى قاموس حلواك المفضلة من «المشبك» و«النمورة» و«المرشوشة»، وما كان أشد شرهنا إليها، لو أنك أضفت إليها «الأرمش» و«السمسمية» و«الملبن» وهي ضروب من الحلوى كان موسى هاشم، رحمه الله، مبدعاً في ترويجها بقدر إبداعه في إيقاعنا، نحن الصبية التلاميذ، في شباك حلواه تلك، وهو يردد: «طيبين.. طيبين»..
نزهاتنا المدرسية إلى «شلعبون» التي في رسائلك بها تغنيت، وإني لأضيف إليها النزهة إلى «مرج جِفيا» في أقاصي يارون، والنزهة إلى «عين هارا» في مارون، والنزهة إلى «غابة البلوط» في كونين.. نزهاتنا المدرسية تلك، هل تعلم، يا صديقي إحسان، أنّا ما كنا لنحرزها إلا بشق الأنفس، وذلك من بعد تطواف ودوار في طول ملعب المدرسة وعرضه، متظاهرين مرددين:
كرمال عينك يا فؤاد
كرمال ها الطقس الجميل
شوف الربيع يبسم لنا
والنزهه ما إلها مثيل
ولئن استغلق فهم هذا الهتاف على فتية هذا الجيل، وإني لأعيذهم من قلة الفهم، فإني لأوضح ذلك فأقول:
أما مدير المدرسة الذي كنا نعرف كيف ندغدغ مشاعره، وبتحريض خفي من بعض معلمينا، فهو المرحوم عبد اللطيف سعد، وأما فؤاد، فهو ابنه المدلل الوحيد، أطل على الدنيا من بعد أربع أخوات بنات، وأما أنت، إحسان شرارة، أيها الصديق والزميل، فإني لأبارك رسائلك، مثنياً على صدقك، وشفافية عبارتك التي تفيض بأصدق مشاعر الحب ومعاني الوفاء، لأهلك وصحبك، ولبلدتك التي فيها ولدت ونشأت وترعرعت..

Script executed in 0.037029027938843