أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

«السيّد جعفر»: جريح «حزب الله» قبل نشوئه

الثلاثاء 05 تموز , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,657 زائر

«السيّد جعفر»: جريح «حزب الله» قبل نشوئه

ليل الأول من أيلول عام 1982، انقلبت الحياة رأساً على عقب في بيروت. هُدّت الملاجئ الآمنة، امتلأت زواريب الأحياء بالجثث، ونبشت أحشاء البيوت على الطرقات وذكرياتها. في ذلك الليل احترقت العاصمة. قيل إن العدو الإسرائيلي دكّ بيروت بثلاثمئة ألف قذيفة. على محاور القتال، كان الوضع يشبه حال العاصمة الملتهبة: حطام وأشلاء، قتلى وجرحى وقصف أعنف من زخات المطر.
عند أحد تلك المحاور، عاش «السيّد جعفر» (اسم حركي)، الطالب في اتحاد الطلبة المسلمين، ليل الدخول إلى العاصمة بالتفاصيل المملّة. كان «أعنف يوم بين الأيام الخمسة والعشرين التي قضيناها على محور خلدة ـــــ المطار ـــــ التيرو»، يقول. الأعنف لأن حياته تغيّرت فيه.

يتذكّر الرجل كلّ شيء، كأن الأول من أيلول يأتي للتو. كان يومها على محور المطار ومعه ثلاثة عشر من «الإخوة»، وكان القصف «متل الشتا»، ليمهّد الطريق أمام الإنزال الإسرائيلي على بيروت. يروي: «كان قتالاً شرساً، كرّ وفرّ استمر لساعاتٍ خفّ القصف بعدها». في ذلك الوقت المستقطع، بدأت التبديلات «حلّت مجموعة أخرى مكاننا، وانتقلنا نحن إلى موقعٍ خلفي في محيط المركز لنستريح من تعب ثلاثة أيام من قلة النوم». في الطريق إلى الاستراحة، عاد القصف، ولم يكد المقاتلون يصلون إلى المكان، حتى اشتعل كلّ شيء ولم يعد يُسمع في حينه إلا الأنين وضجيج الصواريخ. يتذكر الرجل أول الحادثة وبعض اللقطات ما بين «إغماءتين»، فيما التتمة يرويها نقلاً عما أخبره إياه الناجون لاحقاً. في البداية «سقطت مجموعة من الصواريخ على دفعاتٍ متلاحقة طوال ساعةٍ من الزمن، بعد ذلك سقطت بعض القذائف مباشرة حيث كنا، لم أعرف بعدها ماذا حلّ بي، بقيت بعد القصف عشر دقائق على حافة الوعي وغبت بعدها». لم يقدّر في حينها حجم إصابته، إذ كان مستلقياً و«لا شيء يؤلمني لأنو كلّه كان حامي». حاول أن يرفع جسده، إلا أن ثمة شيئاً ناقصاً، عندها «حصّلت حالي ونظرت إلى جسدي فرأيت فخذي اليسرى بعيدة عني والدم يفرّ من مكانها». عندما وصل المسعفون نقلوه إلى مستشفى الجامعة الأميركية حيث قضى أسبوعين في العناية الفائقة، وعاماً كاملاً على سرير في إحدى غرفها بساق واحدة.
مطلع ذلك العام، بترت الحياة في منزله أيضاً، فبعد شهرٍ من دخوله المستشفى، أتاه خبر «إخوتي الثلاثة» الذين قضوا في أحد الملاجئ، وبقيت الوالدة وابنان لم يعرفا بحاله إلا بعد أربعة أشهرٍ من الإصابة. لكن قبل انقضاء العام الأول من العلاج، عاد «الإخوة» في اتحاد الطلبة المسلمين إلى التواصل معه. «رجعنا للدروس الثقافية والتنظيمية»، يقول بابتسامة بالكاد تظهر، ثم يضيف «عدت إلى عمر 16 سنة، كنت في حينها مراهقاً مولعاً بأخبار الثورة الإسلامية وحملت السلاح لأول مرة». سرعان ما تغور الابتسامة، فالرجل ابتعد الآن عن السلاح، وعاد إلى الجبهة «بمهمات بحدود طاقتي ووضع إصابتي». وبحدود هذه الطاقة، تطوّع الرجل في مؤسسة الشهيد في حينها، التي كانت ترعاه أيضاً إذ لم تكن هناك مؤسسة جريح، وبمساعدة تنظيمية في «الاستقطاب وغيرها من الأمور التنظيمية». ولعل الأهم هنا أنه شهد إعلان تنظيم حزب الله.
استمر على هذا الحال، حتى عام 1987، عندما بدأ عمله أمين صندوق ومشتريات في مكتبة القدس التابعة للحزب التي كانت تساعد أيتام الشهداء بكتب الإعارة. استمر أميناً بضعة أشهر، اتخذت بعدها الإدارة قرارها القاضي ببيع المشروع، فكان هو «الشاري». في هذا المكان بالذات، تغير كل شيء: بات الرجل «صاحب مشروع» وتعرّف إلى زوجته. فهناك، بدأت قصة حب استمرت 4 سنوات، عرف خلالها أن «المعوق كمان بيحب وبينحب». لكن مع ذلك، لم يتزوجها إلا بعدما تأكد أنها لا تحبه «لأنه مجاهد أو معوّق».
تزوج، وبات أباً لثلاث بنات يحببنه «بهيدي العكاز». يفاخر ببناته اللواتي يقلن له في كل مرة «بابا حلو انت هيك، اذا بنشوفك بإجرتين بنحسك غريب». هنا، يأمل الرجل لو أن الكل ينظرون إلى المعوق كما بناته، ولا ينظرون إلى «عكازه قبل النظر إليه». لكن، حتى هذه النظرة لا تؤثر به كثيراً، فهو بـ«إجر واحدة أجمل وأسرع من الإجرتين، يعني بعمل كل شي». كل شيء؟ «بس ناقص إلعب فوتبول وما بدي».
عام 2006، بات «الحلم ركاماً»، يقول. دمرت المكتبة كلياً. كان حدث الدمار شبيهاً بلحظة إصابته: بشعاً ومؤلماً. لكن لم «أيأس، فبعد أربعة أشهر عدت بمكتبتي». يشير بإصبعه إلى الشاشة الصغيرة إلى جانبه «شوفي كم طابق صارت، كانت طبقة واحدة وبعدها صارت أربعة».

Script executed in 0.19738698005676