أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

يوم الثقة الأوّل: فشل هجوم المعارضة

الأربعاء 06 تموز , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,663 زائر

يوم الثقة الأوّل: فشل هجوم المعارضة
ثائر غندور

خذلت قوى 14 آذار جمهورها مرّة ثانية. فشل نواب المعارضة في إثارة عواطف رئيس الحكومة نجيب ميقاتي أو أيٍّ من وزرائه. في المقابل، استطاع فريق الأكثريّة الحفاظ على أعصاب باردة، حوّلت جلسة الثقة الأولى إلى مسرحيّة هزليّة، لا تستطيع إحراج وزير، فكيف باستقالة حكومة؟ فما كان من ميقاتي إلّا الابتسام، وهزّ الرأس تأييداً للكلمات التي قيلت له. أمّا الوزير شربل نحّاس، فصفّق للمتكلّمين، وبشكل حارّ للنائب خالد زهرمان عندما انتقد الأخير أداء نحّاس في وزارة الاتصالات.

وزير الطاقة جبران باسيل ضحك كثيراً لتلميحات النائب محمّد قباني إلى عدم تلبية باسيل دعوات لجنة الأشغال العامة لحضور اجتماعاتها لاستجوابه. وما كان من باسيل إلّا أن حمل هاتفه الخلوي، إمّا ليتسلّى ببعض الألعاب الالكترونيّة أو لبعث رسائل نصيّة، فأرسل رئيس المجلس النيابي «الأستاذ» نبيه برّي أحد الموظفين طالباً منه التوقف عن ذلك. أمّا رئيس جبهة النضال الوطني، فرسم دوائر على الورقة الموجودة أمامه، واستمع لشروحات النائب غسان مخيبر عن أمر ما، قبل أن يُغادر الجلسة، لرتابتها ربّما.
في المحصّلة، لم تكن الجلسة على المستوى الذي توقّعه كثيرون، أو على المستوى الذي أشاعه فريق 14 آذار الذي هدّد العديد من مسؤوليه بأن «نجيب ميقاتي سيُلاقي مصيراً بائساً كالذي لاقاه (الرئيس) عمر كرامي في 2005».
منذ الصباح حضر نجيب ميقاتي، ومعه مستشاروه السياسيون والإعلاميون، إضافة إلى نجله لمتابعته وهو يتلو البيان الوزاري. قرأ ميقاتي بتمهّل، ولم يُخطئ إلّا نادراً، وهذه كانت رسالته الأولى: سأبقى هادئاً. ويعتقد مقرّبون من رئيس الحكومة أن الفريق المعارض يُريد أن يطيل الكلام لتُمدّد الجلسات إلى يوم الجمعة، ولتترافق مع تظاهرات تخرج من الجوامع، «وبات لدولاب الكاوتشوك المستهلك، سعر لا بأس به» على حدّ قول أحد المقرّبين من ميقاتي؛ لكنّ فريق رئيس الحكومة واثق من ثبات الرجل في وجه أي مواجهة قد تُفرض عليه. وبعد انتهاء الجلسة الصباحيّة، لم يعدّ فريق ميقاتي أن المعركة انتهت أو حُسمت. يُردّد هؤلاء أن فريق 14 آذار ربما يسعى إلى ترك بعض أوراقه إلى اليوم الأخير. لكن ميقاتي غادر مجلس النواب أكثر من مرتاح لـ«المناخ الديموقراطي».
اللافت يوم أمس، أن النائبة بهيّة الحريري لم تحضر إلى المجلس. تركت زميلها فؤاد السنيورة وحده، مثلما تركته وحيداً في لقاء البريستول. فجلس السنيورة كزعيم في الصفّ الأوّل من مقاعد النواب، وإلى جانبه عمّار حوري، حيث يجلس في العادة الرئيس سعد الحريري. تحوّلت كرسي السنيورة إلى محجّة. نائب يأتي وآخر يذهب، ورجلا السنيورة معقودتان بعضهما على بعض. «تجرّأ» آلان عون «وتحركش» بالسنيورة. جلس السنيورة في المقدّمة، وترك الكراسي الخلفيّة لـ«المشاغبين» على حدّ وصف بري لسيرج طورسركيسيان، بعدما طلب منه محمّد قباني التزام الصمت. وحول سيرج التفّ «المشاغبون»، وربما شعر علي بزي بالحزن لابتعاده عنه. كتلة الكتائب بنوابها الخمسة شاغبت، فسامي الجميّل لم يهدأ على كرسي واحد، لكن نائب البقاع الغربي زياد القادري «كبير» على هذه «الولدنات»، فلم يُشارك، لا هو ولا زميله الشمالي كاظم الخير الذي بدا غريباً ومستغرباً أمس. وتحوّل شيخ عكّار خالد الضاهر إلى مرجعيّة يعود إليها نواب آذاريّون.
وليد جنبلاط، كعادته، قليل الكلام في المجلس. آنسه غسان مخيبر، بعدما ابتعد عنه أكرم شهيّب لبعض الوقت، وجلس ثلاثة من نوابه في كراسي الوزراء (غازي العريضي، وائل أبو فاعور، علاء الدين ترّو). سمع مروان حمادة يتوجّه له بالحديث مباشرةً: «المحكمة حمتك عندما كنت في رأس المغضوب عليهم». لم يتفاعل جنبلاط معه، وما لبث أن غادر القاعة.
أمّا العونيّون، فبدوا ضائعين بلا رأسهم. جنرالهم بقي في الرابية، و«يُفترض أن يأتي العماد ميشال عون يوم الخميس، ليشطف كلّ ما سيقولونه»، كما قال أحد نواب تكتّل التغيير والإصلاح. بعض النواب لجأوا إلى باسيل، وآخرون تفاعلوا مع الجلسة كما هي: مهزلة. فصرخوا مطالبين قبّاني بذكر اسم الوزير الذي يغيب عن اجتماعات اللجنة النيابيّة، مثل تلاميذ مدرسةٍ يسألون معلّمتهم عن علاماتهم قبل توزيع النتائج.
بدا مشهد أمس هزيلاً. في الشكل وفي المضمون. صورة القاعة العامّة وهي شبه فارغة دليل واضح. وفي مضمون الجلسة، مثلما غابت الحدّة السياسيّة التي وعد بها فريق المعارضة جمهوره، غاب نقاش البيان الوزاري. ربما يكون النائب محمّد قباني الوحيد الذي دخل في بنود البيان الوزاري، أمّا باقي نواب المعارضة، فقرأوا بنداً واحداً: البند الرابع عشر أو بند المحكمة والـ«مبدئيّاً» الواردة فيه. وانطلاقاً من المبدئية، رأى نواب 14 آذار أن الكيان في خطر، وأن المحكمة هي الوحيدة القادرة على الحفاظ على هذا الكيان، أمّا الجوانب الأخرى، الحياتيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، فتتحوّل إلى تفصيل لا أهميّة له عندما يكون الكيان في خطر. كذلك أكمل نواب «ثورة الأرز» تبنّيهم للثورات العربيّة، معتبرين أنها امتداد لهم.
بدأت انتفاضة المعارضة بكلمة النائب مروان حمادة، التي يُمكن عدّها الأهم في ما قيل أمس، وقد كان سقفها السياسي هو الأعلى، بأسلوب فائق الرصانة. تأسّف حمادة مرات ثلاثاً: الأسف الأول للمشهد في مقاعد الحكومة حيث تجلس «بعض الضمائر الحيّة التي تربطني بها (...) أواصر الصداقة ومشاعر المودة»، وتوجّه لهؤلاء بالسؤال: «أليس للعدالة مكان اليوم حيال الشهداء الذين هم شهداؤهم، رؤساء كانوا أم زملاء أم رفاقاً أم مواطنين؟». أمّا الأسف الثاني، فهو للمنطق الذي يسود «مناقشة حكومة سبقتها إطلالات جليلة كبّلت رئيس الحكومة وبيانها الوزاري، وكأن الشخص حلّ مكان الحكومة كما كنا نتوقع ونعلم»، مضيفاً، «محا الخطاب بعجل ما حاولتم إيحاءه بخجل». والأسف الثالث، برأي حمادة، هو «لتحويل مناسبة برلمانية عريقة إلى شبه جلسة تمهيديّة للمحكمة الخاصّة بلبنان، تنقلب فيها الأدوار، وآسف لكوننا نأخذ لبنان حيث يهرب منه العرب، إلى حكم الحزب الواحد، حزب السلاح، ممهّدين لمناخات لمجلس للشعب ولنظام شمولي تناضل الشعوب العربية وسوريا تحديداً للتحرّر منه».
وتوجّه حمادة إلى برّي بإبلاغه أن «المحكمة ليس عدوة، إنها حليفتكم لإخراج لبنان من براثن الجريمة المنظّمة والطليقة اليدين». وأكّد له أن «المحكمة الدوليّة حمتك في السنوات الأخيرة من كل متربّص اسرائيلياً كان أو غير اسرائيلي، وقد تكون هي التي تحميك اليوم»، وتوجّه إلى ميقاتي بالقول: «لم يستشهد مبدئياً، لقد اغتيل بطنّيْن من المتفجّرات ومعه كوكبة من رفاقك وأصدقائك». وتوجّه إلى جنبلاط قائلاً: «المحكمة حمتك عندما كنت في رأس المغضوب عليهم»، وإلى الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، متمنياً أن يأتي يوم وتنشأ فيه «محكمة خاصة بفلسطين المحتلة والأراضي اللبنانيّة والسوريّة المحتلة». أمّا الجنرال عون، فذكّره بأن «المجتمع الدولي الذي يسخرُ منه حالياً أنقذه وحماه عندما شرّع انقلاب موازين القوى في المنطقة أبواب بعبدا وقصرها». وسأل حمادة لماذا هذه «الشراسة في معارضة المحكمة، فهل هي فعلاً فاسدة وأميركيّة وإسرائيليّة أم تحت إبط أحد مسلة في لبنان ومحيطه؟».
ورأى النائب تمام سلام أنّ الأيّام ستثبتُ أنّ «صيفَ الحكومة وشتاءَها لن يصمدا على سطح واحد، وأنّ تدويرَ الزوايا في البيان الوزاري لن يصمدَ في مجلس الوزراء أمام الانقسام داخل الحكومة نفسِها»، ورأى أن الخلافات ستطلُّ مع «القادمين بمشاريعَ ومواقفَ ابتزازيّة، وغرضيّاتٍ لم تعدْ تخفى على أحد». وانتقد أجندات بعض الوزراء التي حولت وزاراتهم إلى «تبعيّةِ المرجعيّة السياسيّة». وبرأي سلام، لا يمكن «تجاوزُ ما يجري في سوريّا الشقيقة، ولا يجوزُ لنا أن يتطلّعَ البعضُ بتشفٍّ إلى ما يجري، بينما يستنفرُ آخرون للدفاع عن القيادة السّوريّة».
وقال إن هذه الحكومة هي حكومةُ «التفلّتِ من المسؤوليّةِ من خلال تكريسِ الانقسام، والصياغاتِ والمواقف التي تحتاجُ إلى ملاحقَ تفسيريّةٍ لكلِّ كلمة»، ما دفعه إلى حجب الثقة عنها.
ثم تحدّث النائب نعمة الله أبي نصر الذي أعاد فتح ملف التجنيس وضرورة سحب الجنسيّة اللبنانيّة من المجنسين الذين قضى حكم مجلس شورى الدولة بسحب جنسيّاتهم، وطالب الحكومة بالحدّ من تملّك الأجانب «خصوصاً في المناطق المسيحيّة».
وأعلن النائب فادي الأعور أن اللبنانيّين يُريدون معرفة الحقيقة «منذ اغتيال الشهيد رشيد كرامي وداني شمعون لكنّهم لم يروا العدل». وأضاف أن اللبنانيين عرفوا الحقيقة في «سرقة الملكيّة الفردية، المال العام والمراسيم الاستثنائيّة في الإعفاءات وفي التدمير المنهجي لمؤسسات الدولة حتى وصول الدين العام الى حدود السبعين مليار دولار». وتوجّه لمن يطلب العدالة «من هذه المحكمة الأميركيّة ـــــ الإسرائيليّة» بالمثل الشعبي: «يا طالب الدبس من طيز النمس»، وهو ما شطبه بري من المحضر.
واكتشف النائب هادي حبيش أن المشكلة «ليست مع فريق سياسي ناضل من أجل وطنه، بل مع رفيق الحريري الذي لطالما طاردوه»، وأضاف «نحن هنا لا لنمنح سلاحاً ثقة مفقودة، ولا شرعيّة لسلطة خارج أطر الشرعيّة». ورأى أن البيان الوزاري مليء «بإعجاز لغوي يصفّ كلمات، لا يقول شيئاً ولا يتعهّد ولا يرفض شيئاً، فكلام لا شيء لا ينتج أي شيء». ورأى أن معادلة الجيش والشعب والمقاومة «لم تكن يوماً تعبيراً عن اتفاق اللبنانيين على حلّ سياسي في شأن السلاح خارج نطاق الشرعيّة، وهي ثلاثية فاشلة».
أمّا زميله في كتلة المستقبل عاطف مجدلاني، فلفت إلى «مفهوم جديد هو ديموقراطيّة القمصان السود»، متسائلاً هل «هذا بيان وزاري أم ورقة نعي للوحدة الوطنية؟»، ورأى أن «الحكومة اليوم هي قيصريّة الولادة عادت بنا إلى الوراء إلى زمن الوصاية».
وقال النائب محمّد قبّاني إن «ما حدث انقلاب هو الاول من نوعه في لبنان، لم يسبق أن سقطت حكومة قبل إعلان رئيسها الاستقالة»، وسأل ميقاتي إن كان يستطيع أن يمارس ما يقوله عن وسطيّته التي «لم تصمد أمام رغبات الأكثرية التي كلفته؟ أم سيوقف الكيدية؟».
ثم تحدّث النائبان بلال فرحات وخضر حبيب، تلاهما النائب عمّار حوري الذي سأل عمّا إذا كان التضامن الحكومي يشمل «ما سمعناه من بعض وزرائها تجريحاً وتهجّماً ونبشاً لقبور الشهداء وكيديّة وإنكاراً للطائف؟». وتلاه النائب مروان فارس، فنبيل دو فريج الذي رأى أن عبارة «مبدئياً» في البيان الوزاري ملغومة ومفخخة، مشدداً على أن «الأكثريّة الساحقة من اللبنانيين تثق بالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان».
وخُتمت الجلسة الصباحيّة بكلمة مرتجلة للنائب علي عمّار الذي سأل ما إذا كان ميقاتي «ابن طرابلس انتسب الى حزب الله، وهل سمير مقبل وآل صحناوي ونحّاس هم في خليّة من حزب الله ويلبسون القمصان السود».
أمّا الجلسة المسائيّة، فافتتحت بكلمة لنائب رئيس المجلس فريد مكاري الذي توجّه للحكومة بالقول: «لعبتكم مكشوفة ومفضوحة لا تنطلي علينا أو على العالم، والمطلوب أن تقولوا صراحة بأنكم تعترفون بالمحكمة الدوليّة ولتتصرفوا بمسؤوليّة». وفيما رأى النائب روبير غانم أن وجود الحكومة أفضل من عدم وجودها، حجب الثقة عنها، بينما امتنع النائب عماد الحوت عن التصويت، وقال إنه «ليس بتدوير الزوايا نسقط الهواجس من النفوس، وقد أصبحت حقوق الطوائف أولويّة على حقوق المواطن»، مستغرباً الربط «المستهجن بين الحرص على الحقيقة والاستقرار في لبنان».
ومن جهته، رأى النائب علي بزي أنه لم يمر في تاريخ لبنان قرار دولي «أدى الى انقسام بين اللبنانيين كالقرار الدولي 1759 ولا يزال، وكل اللبنانيين متمسكون بالعدالة».
وسأل النائب سمير الجسر ميقاتي: «لو قبل رئيس الحكومة السابق سعد الحريري بالإغراءات والمساومة على دم الشهداء، فهل كنت أنت في رئاسة الحكومة الآن؟»، وأشار إلى أن إعادة الثقة بين اللبنانيين هي «مجرد كلام، وقسم من اللبنانيين يرى أن المواقف السياسيّة تتبدل بتهديد السلاح». وتلاه النائبان خالد زهرمان وغازي يوسف، ووجد الأخير أن البيان الوزاري لا يقترح أي إجراء عملي لمواجهة التحديات، وبالتالي «هو يفتقر الى الواقعية والعملية»، مضيفاً أن الحكومة قررت «الانقلاب على المحكمة وتغيير اصطفافها إلى جانب المتهمين وليس إلى جانب الشهداء المظلومين». وخُتمت الجلسة بكلمة لكلّ من النائبين حسين الموسوي وقاسم عبد العزيز.


«اسحبوا القضاة»

طالب النائب مروان فارس الحكومة بسحب القضاة اللبنانيين من المحكمة الدوليّة ووقف تمويلها، مؤكداً أن كلّ الدلائل تشير إلى أن «المحكمة مسيّسة وتخدم أغراضاً لا صلة لها بالحقيقة». وإذ أقرّ فارس بأن معرفة الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري مسألة مهمة لجميع اللبنانيين، أشار إلى أن «المحكمة أنشئت خارج الأصول، فلم يوافق عليها رئيس الجمهورية ولم تقرّ في المجلس النيابي». ورأى أن «محاولة تجريد المقاومة من سلاحها تدفعنا إلى التأكيد أن سلاح المقاومة إلى جانب سلاح الجيش شرط أساسيّ للحرية والسيادة».

Script executed in 0.03972601890564