أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

ميقاتي ينال ثقة المساجد... بعد مجلس النواب

السبت 09 تموز , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,338 زائر

ميقاتي ينال ثقة المساجد... بعد مجلس النواب

جرى في الأيام الماضية تداول أكثر من سيناريو، عن حدثٍ ما ستواجهه الحكومة الجديدة في طرابلس بعد صلاة الجمعة، أمس، أحدها انطلق من معلومات عن أن المعارضة ستسعى إلى تمديد فترة جلسات مناقشة البيان الوزاري حتى يوم أمس، ليجري التصويت على الثقة تحت ضغط تظاهرات تشهدها المدينة وتصوّب على الحكومة وموقفها من المحكمة، وسيناريو آخر فيه تخوف من أن يتكرر مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، بعد نيل حكومته الثقة، ما واجهه في عاصمة الشمال فور تأليفه لهذه الحكومة، من اقتتال بدأ بين باب التبانة وجبل محسن، فيما كان ميقاتي يؤدي صلاة الجمعة في أحد مساجد طرابلس، وخصوصاً أن هذه السيناريوات ترافقت مع حملة شائعات في الشمال، عن أن مساجد طرابلس (عبد الكافي الصمد) التي لم يتسنّ لها الأسبوع الماضي أن تتهيأ كفايةً لمواكبة صدور القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، كانت تستعدّ لكي تعبّر أمس وعلى نحو واسع عن موقفها بعد نيل الحكومة الثقة، وتزامن ذلك مع ظهور لافتات في المدينة، باسم تيار المستقبل ومناصريه، تتهم حزب الله بإسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري وتعيين حكومة ميقاتي، وتتوعد من «يهدرون دماء الشهداء».
ولم يقتصر الأمر على السيناريوات والشائعات، بل إن مصدراً أمنياً كشف لـ«الأخبار» أنه منذ أيام رصدت استعدادات في طرابلس تتمثل بقيام «بعض الجهات بجمع إطارات السيارات تمهيداً لاستعمالها في حركات احتجاجية تؤدي إلى قطع الطرقات»، وأن هذه الجهات «تراهن على حصول صدامات وسقوط ضحايا، بما يتيح للفريق السياسي المعارض لحكومة ميقاتي استعادة المبادرة في الشارع، والضغط عليه من خلاله».
لكن وقائع يوم أمس خالفت كل التحليلات والتوقعات وأفشلت المراهنات، فميقاتي الذي نالت حكومته ثقة مجلس النواب، أول من أمس، حاز أمس ثقة ثانية أتت من معظم مساجد طرابلس، وقد تجلى ذلك أولاً عبر مرور خطب الجمعة بهدوء ودون تحويل المنابر إلى منصة هجوم على ميقاتي وحكومته، وثانياً من خلال عدم خروج المصلين في تظاهرات يمكن استغلالها في افتعال أي إشكال، كما حصل بعيد تأليف الحكومة، وثالثاً عبر رفع لافتات في المدينة وتحديداً أمام مساجدها حملت إحداها عبارة «مؤذّنو وخدم مساجد طرابلس يهنّئون حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، ويسألون الله تعالى أن يوفقها لخدمة البلاد والعباد».
وحتى الاستثناء لم يخل من مفاجأة لمنظّميه قبل غيرهم، فاعتصام مناصري التيار السلفي برئاسة الشيخ داعي الإسلام الشهال في الجامع المنصوري، لم يتجاوز عدد المشاركين فيه مئة شخص، ما دفع مصدراً أمنياً إلى القول: «إما أن هذا هو حجم الشهال على الأرض، وإما أن قوى أخرى وعدته بأن تحشد مناصريها وخذلته». وقد نفى مصدر مقرب من الشهال لـ«الأخبار» الأمرين، فـ«لم يعدنا أحد من حلفائنا بالمشاركة والدعم ثم خذلنا، إذ لم ننسق مع أحد من السلفيين ولا من تيار المستقبل»، كاشفاً أن القيادي في المستقبل عميد حمود «اتصل بنا قبل الصلاة بنحو ساعة مستفسراً عن حقيقة الاعتصام، وسأل لماذا لا تخبروننا حتى نحشد جمهورنا وندعمكم؟». وعزا هزالة عدد المشاركين إلى سببين: إنهاء خطيب المسجد خطبته بسرعة وقبل وصول المناصرين من بقية المناطق، مشاركة آخرين في التظاهرة الرمزية الأسبوعية التي يقيمها الشيخ زكريا المصري في باحة مسجد حمزة في القبة تضامناً مع الشعب السوري.
والبارز في اعتصام الجامع المنصوري، الذي حمل عنوان التضامن مع الشعب السوري، أن منظّمه، أي الشهال، لم يعلن الطلاق مع حكومة ميقاتي، قائلاً إن موقفه منها «يقوم على الترقب والمتابعة، لأنها متهمة بأنها صنعت في الضاحية ودمشق، فإذا أرادت تبرئة نفسها عليها أن تكون منصفة وعادلة، ولن نعاديها إذا كانت مستقيمة». لكن خطابه لم يخل من التصعيد المذهبي، والذي تجلى بدعوة الجيش إلى «نزع سلاح الجميع وليس سلاح أهل السنّة والجماعة، وأن يكون حامي البلاد وعلى مسافة واحدة من الجميع»، وبتوجيه ما يشبه رسالة استغاثة إلى السعودية ودول الخليج، يسأل فيها «أهل الخير والإحسان والغنى: لمن تتركون إخوانكم من أهل السنّة في سوريا ولبنان؟ هل تريدون أن يحدث فيهم ما حصل في البوسنة والهرسك والشيشان والعراق؟».
وثقة المساجد لم تقتصر على طرابلس فقط، بل وصلت إلى بيروت، فمفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني استعاض عن مسجد محمد الأمين أمس، و«استقرب» الطريق بين عائشة بكار ومسجد السلام في فردان، حيث أمّ المصلّين الذين تقدمهم رئيس الحكومة الجديدة، بعدما كان الأخير قد تسلم، قبل الظهر، السرايا الحكومية رسمياً، وفق التشريفات الخاصة التي تتضمن مراسم استقبال في باحة السرايا واستعراض حرس سرية رئاسة الحكومة ومصافحة كبار الموظفين.
وشدد ميقاتي، خلال استقباله موظفي رئاسة الحكومة، على التعاون لخدمة البلد «والتعويض عن الفرص الكثيرة التي أضعناها بالعمل المكثف»، وعلى ضرورة بدء ورش العمل في الوزارات لتأمين حاجات المواطنين، وكذلك على أولوية البدء بملء الشواغر في الإدارات العامة «بالكفاءات المطلوبة بعيداً عن أي كيدية أو انتقام»، وتفعيل دور أجهزة الرقابة، مع إيلاء الشأن الاقتصادي «عناية كبرى»، وقال: «إنني واثق من أن تجاوب المعنيين سيكون مضموناً في الموالاة والمعارضة، لأننا معاً في مركب واحد». ورحّب «بكل معارضة بناءة وموضوعية، لا بل أكثر فإني أدعو الى تعاون بين الموالين والمعارضين لمصلحة الوطن»، مؤكداً أن الحكومة «لن تكون حكومة تحدّ ولا حكومة مواجهة عبثية، لا مع الداخل ولا مع الخارج. هدفها مصلحة لبنان وسيادته واستقلاله وسلامة أراضيه وكرامته، وراحة اللبنانيين، وأمنهم واستقرارهم وعيشهم الكريم، وهي ستواجه فقط كل من يقف في طريق تحقيق هذه الأهداف التي يجمع اللبنانيون عليها». وختم مجدداً الإعلان أن يده «ممدودة الى الجميع، في المعارضة قبل الموالاة، من أجل طيّ صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة من التعاون، كل في موقعه، من أجل منعة لبنان وهناء اللبنانيين».
وكان ميقاتي قد تناول موضوع المحكمة الدولية، في عشاء أقامه مساء أمس في السرايا، تكريماً لاتحاد المحامين العرب، مستخدماً كلمة «التزام»، في معرض حديثه عن اغتيال الرئيس رفيق الحريري، إذ بعدما أكد أن «إحقاق الحق والعدالة ومحاسبة المجرمين والمخططين والمنفذين هو مطلب لبناني إجماعي، أشار إلى أن المجتمع الدولي تضامن «مع سعي لبنان إلى معرفة الحقيقة، فكانت قرارات دولية يلتزمها لبنان، وكانت محكمة دولية خاصة ستنظر في ملف الجريمة وسط متابعة لبنانية لئلا تخرج هذه المحكمة عن مسارها». وأردف: «واليوم مع صدور القرار الاتهامي، فإننا نجدد تأكيد الآتي: لن يكون هناك أي تفريط بدماء الشهداء، لن يكون هناك أي تراجع عن تحقيق العدالة، سنحفظ استقرارنا ومسيرة سلمنا الأهلي، وسنحرص على أفضل علاقة مع المجتمع الدولي».
وعلى صعيد بدء الحكومة جلساتها الرسمية بعد نيل الثقة، تردد أن أول جلسة لها قد تعقد يوم الخميس المقبل، في وقت لم يحسم فيه أمر الوزير التاسع والعشرين، إذ لم يصدر مرسوم عن رئاسة الحكومة بقبول استقالة وزير الدولة طلال إرسلان، وبالتالي من السابق لأوانه الحديث عن تعيين بديل له، كما يرى مصدر عريق في شؤون المؤسسات الدستورية، والذي شبّه حالة إرسلان باستقالة وزراء حزب الله وحركة أمل ويعقوب الصراف من الحكومة الأولى للرئيس فؤاد السنيورة، لافتاً إلى أنه ليس هناك نص في الدستور يلزم الحكومة بتعيين بديل لوزير مستقيل. وعن آلية تعيين البديل، أوضح أن بإمكان رئيس الحكومة إصدار مرسوم بقبول استقالة إرسلان، ثم إلحاقه بمرسوم آخر يتضمن تعيين البديل، أو يصدر مرسوماً واحداً يتضمن قراري قبول الاستقالة وتعيين الوزير الجديد.
في هذا الوقت، بقيت المواقف في إطار المشهد الانقسامي الذي ظهرت عليه طيلة أيام جلسات الثقة الثلاثة، مع توقّع بأن تعمل المعارضة على رفع سقف خطابها في الأيام المقبلة، إذ أكد أكثر من مسؤول بارز في قوى 14 آذار، وتحديداً من تيار المستقبل، وجود «طبخة» يجري الإعداد لها من أجل اعتماد خطاب سياسي تصعيدي في وجه رئيس الحكومة والنائب وليد جنبلاط وسلاح حزب الله. وقال أحد «الطباخين» إن ميقاتي وجنبلاط مسؤولان عما آلت إليه الأمور في البلاد. وأكد مسؤول «مستقبلي» بارز أن حصة جنبلاط من التصعيد ستكون «حرزانة»، ومن خاصرة إقليم الخروب الشوفية بالتحديد، وأردف متوعداً: «خلّينا نشوف مين بيهدّي». لكنه أكد في الوقت نفسه أن التصعيد السياسي «لن ينتقل إلى الشارع».
وإذ تتجه الأنظار إلى ما سيقوله النائب سعد الحريري، في إطلالته الأولى منذ صدور القرار الاتهامي، في مقابلة يوم الثلاثاء المقبل عبر شاشة «MTV»، مباشرة من العاصمة الفرنسية باريس، أكدت مصادر مستقبلية واسعة الاطلاع أن الحريري «مضطر» للعودة إلى لبنان قبل بدء شهر رمضان، أي في غضون الأسابيع الثلاثة المقبلة.
وإذا كان من المتوقع أن تعطي عودة زعيم المعارضة من باريس زخماً للحملة على الحكومة ومؤيديها، فإن باريس نفسها انضمّت إلى هذه الحملة واستخدمت لغتها أيضاً، إذ أصدرت وزارة الخارجية الفرنسية بياناً أمس، أعربت فيه عن قلق فرنسا «من الصيغة المستخدمة للإشارة إلى المحكمة الخاصة بلبنان التي تميل إلى التشكيك في حيادية المحكمة واحترافيتها»، داعية السلطات اللبنانية إلى احترام واجباتها الدولية، ولا سيما ما يتعلق بالتعاون مع المحكمة، وأردفت «سنتابع بانتباه كبير الإجراءات التي يجب اتخاذها بهذا المجال خلال الأسابيع المقبلة».
الأمر نفسه تكرر في تصريح للممثلة العليا للاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون، مع فارق أنها بدأت بالقول إن نيل حكومة ميقاتي ثقة مجلس النواب «تطور مرحب به سيسمح للبنان بمواجهة التحديات السياسية والاقتصادية»، قبل أن تبدي قلقها «من غياب التزام صريح بالتعاون مع المحكمة»، وتضيف: «يجب أن تواصل المحكمة عملها بالتعاون الكامل من جميع الأطراف. فتحقيق العدالة الدولية والحفاظ على الاستقرار في لبنان هدفان أساسيان يعزز واحدهما الآخر». لتختم أن الاتحاد يتوقع من الحكومة الجديدة «أن تحافظ على كل التزاماتها الدولية».
وبين مانحي الثقة للحكومة، والمتغيبين عنها، أوضح النائب عماد الحوت أمس، أن الجماعة الإسلامية امتنعت عن التصويت لتعطي ميقاتي «الفرصة، وواجبه أن يلتقط هذه الفرصة، وألا يكون خاضعاً لكل طلبات الفريق السياسي الذي تجاوز الدستور والأعراف الدستورية لفرض الأمر الواقع»، معلناً أن «الجماعة تطمح لأن تكون جسر عبور بين اللبنانيين، وألا تكون طرفاً في أي انقسام سياسي». وأكد التريث في اتخاذ موقف من القرار الاتهامي بانتظار معرفة حيثياته.

Script executed in 0.030050039291382