أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

مقـاومـون وقتلــة

الإثنين 11 تموز , 2011 08:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,354 زائر

مقـاومـون وقتلــة
عاش أهالي الجنوب وأبناؤهم «مع» إسرائيل منذ وجودها، يوما بعد يوم وشهرا بعد شهر وسنة بعد سنة. ومنذ صيف العام 1982 حتى التحرير، كي لا نقول قبل ذلك، كانت أرواحهم وأرواح أولادهم ومنازلهم وأراضيهم في مرمى النيران الإسرائيلية الدائمة، وفي مرمى أهواء أفراد جيش العملاء وأوامرهم، يوما بعد يوم، وشهرا بعد شهر، وسنة بعد سنة.
تشكل إسرائيل الجزء الأكثر تأثيراً في تكوين ذاكرة سكان الجنوب، فهي هناك، ليست مجرد عدو يتم الكلام عنه. إسرائيل العدو قبعت على قلوب الجنوبيين جيلا بعد جيل، منذ الولادة حتى الممات، يتغلغل عدوانها الدائم في كل تفاصيل الحياة، حتى بات «وجودها» هو الأكثر تأثيراً في نسيج حياة الجنوبيين، في كل ما تشهده نهاراتهم ولياليهم، بكل ما في الجنوب من منازل وحقول وأماكن عمل وأرزاق، تعرضت للتدمير والخراب مرة بعد مرة، وأعيد بناؤها مرة بعد مرة.
وبين هؤلاء الجنوبيين، مصطفى بدر الدين وأمثاله الكثير من الرجال والنساء والأطفال، الذين اختبأوا وخافوا، وبكوا خوفا من القنابل التي كانت تتساقط عليهم يوميا، وفروا من المدارس في ساعات التدريس. في الجنوب مدارس كانت تبقى مقفلة على امتداد عام كامل وأكثر من عام، كما حصل في ثانوية كامل الصباح الرسمية في مدينة النبطية، عندما كانت الثانوية الوحيدة لتعليم جميع أبناء القرى المحيطة بالمدينة.
هؤلاء الذي وجدوا إسرائيل في انتظارهم منذ ولادتهم، رغب عدد منهم، قبل الاجتياح، في الانضمام إلى التنظيمات الفلسطينية من أجل امتلاك القوة والسلاح في وجه القصف الإسرائيلي، وكانت عبارة الفدائي حينها تمنح شبان الجنوب الشعور بالقوة والتضحية معا.
وانضم عدد آخر منهم إلى «الحزب الشيوعي» لأن الحلم بمقاتلة الفقر يمنح الشعور بالقوة أيضا، وكان الهدف نفسه يقف خلف انضمامهم إلى «حركة المحرومين»، مع الشعور بأنها أكثر قربا لأنها صناعة محلية، وزعيمها رجل دين هو السيد موسى الصدر.
كانت أحلام مواجهة الفقر ومقاتلة إسرائيل تمتزج دائما في الحياة اليومية الشديدة الصعوبة، لكي تصنع قوة الإرادة من لا شيء تقريبا.
لم ينشأ «حزب الله» قويا، وأصلا في بدايات تكوّن الحزب، كانت غالبية أهالي الجنوب تعتبر قيادته صاحبة أفكار دينية متشددة، وتنهى أولادها عن الانضمام إليه، وتلك قصة طويلة.
لكن، مع الانفتاح الذي حصل في توجهات الحزب تدريجيا، ومع تبدّي جدية شبانه وفعاليتهم في مواجهة القوات الإسرائيلية، عبر العمليات العسكرية السرية، بدأت ثقة أهالي الجنوب تنمو إزاء «حزب الله»، فالأهالي يعرفون بحكم تجربتهم الطويلة مع إسرائيل أي من العمليات العسكرية هي جدية، وأيّها استعراضية. ومع تنامي جدية عناصر الحزب، ومصداقيتهم، تنامى التأييد الشعبي له، وبدأت حماية الشبان الذين يشاركون في العمليات ضد القوات الإسرائيلية في المنازل، وفي كل الأماكن المتاحة للحماية.
من بين أولئك الشبان كان مصطفى بدر الدين، وغيره ممن كانوا أصغر سناً، ومنهم من كان أكبر سناً. منذ تأسيس الحزب حتى اليوم، ومصطفى بدر الدين يتعلم كيفية صناعة القوة في مواجهة إسرائيل، ويعلمها لغيره من الشبان، في الجبال وفي الأودية وفي الحقول.
وقد صنعت تلك القوة، وحيكت، من الآلام اليومية المتراكمة، لأن أهالي الجنوب وضعوا أمام خيارين، إما المواجهة وإما النزوح، فاختاروا صناعة القوة، ولولاها لكان الجنوب الآن حكماً منطقة عسكرية عازلة خالية من سكانها بين لبنان وفلسطين المحتلة.
يقال في الجنوب إن كل عنصر من «حزب الله» يتدرب حتى يصبح قادرا على صعود الجبل من دون توقف، وإذا توقف مرة واحدة فعليه أن يعيد التدريب. هؤلاء العناصر والقادة يصنعون طعامهم بأيديهم ويغسلون ملابسهم بأيديهم في مراكزهم حيث هم، ليس في حياتهم نهار للعمل وليل للنوم أو للسهر. تقسّم ساعات أيامهم استنادا لتوقيت آخر هو توقيت الاستعداد الدائم للمواجهات المتوقعة ودائما مع العدو، مع إسرائيل.
هل من بين من يطلب اليوم محاكمة أولئك الشبان من عاش في الجنوب، أو حتى زاره مرة لكي يعرف ماذا فعلت إسرائيل، وكيف واجه أبناء الأرض، وكيف عملوا وهاجروا وأعادوا بناء منازلهم وأرزاقهم وحدائقهم؟
هؤلاء المطلوبون اليوم، من قبل بعض «نواب الأمة»، ومن تحت قبة مجلس النواب، أي مبنى ممثلي الشعب اللبناني، قدموا دماءهم ودماء أبنائهم كي يبقى الوطن، كل الوطن.
لم يتدرب هؤلاء، ولم يشقوا، لاغتيال الرئيس رفيق الحريري، ولا أي شخص وطني آخر. فتلك ليست قضيتهم.
يعرف كل المطالبين بالمحكمة الدولية في لبنان أن مصطفى بدر الدين مطلوب، بشدة، من إسرائيل، وذلك قبل أن تطلبه المحكمة بزمن بعيد.
ومن أبرز هؤلاء المتسترين بذريعة «احترام العدالة والشرعية الدولية»، ممن لا يعرفهم اللبنانيون إلا عبر تاريخهم القريب في خرق القوانين وفي القتل والتشريد والفساد والإفساد.
وبين هؤلاء المطالبين بـ»الحقيقة» و»العدالة» من «ستر» قانون «العفو الوطني» جرائمهم المعروفة، في زمن الحرب كما في زمن «السلم».
وهؤلاء أنفسهم لا يسعون، من خلال مطالبهم، سوى إلى تجريد حياة بدر الدين ورفاقه من رصيدهم وتاريخهم المقاوم، وتحويلهم من أبطال وطنيين إلى مجرد متهمين.
في لبنان من يعتبر «حزب الله» قوة خارقة يجب تدميرها، لمصلحته هو، وليس لمصلحة إسرائيل. في لبنان من لا يريد وجود قوة مقاومة أصلا.
ولأن أبرز المطالبين بـ»العدالة الدولية» حاليا هم ممن يريدون القضاء على «حزب الله»، فليكن لديهم ما يكفي من الشجاعة ليقفوا ويقولوا علنا: لا نريد «حزب الله»، بدل الاختباء خلف محكمة يعرفون أكثر من غيرهم أنها صنيعة مصالح دولية، متغيرة باستمرار.
ربما ليست المطالبة بالقضاء على «حزب الله» خطيئة. لكن المطالبة باغتيال حقبة مشرفة، نادرة، من تاريخ هذه البلاد، هي حتما كذلك.

Script executed in 0.033727169036865