أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

...وصدقوا الوعد

الثلاثاء 12 تموز , 2011 10:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,244 زائر

...وصدقوا الوعد

 كل شيء كان يبدو عادياً إلى أن بدأت الاخبار العاجلة تتواتر عبر منار المقاومة ونورها. عملية نوعية للمقاومة الاسلامية وربما هناك جنود اسرى ... بدأت التفاصيل تتضح أكثر مع صدور البيان الرسمي للمقاومة الاسلامية ...مجاهدو المقاومة يهاجمون دورية لجيش الاحتلال في "خلّة وردة" فيقتلون ثلاثة جنود ويأسرون جنديين... مواجهات عنيفة بين المجاهدين وقوات الاحتلال التي حاولت سحب جنودها القتلى".
مع ارتفاع حرارة ذلك الصباح ارتفعت حرارة المواجهات. ووسع الاحتلال رقعة عملياته العدوانية في محاولة لقطع الطريق على إمكانية سحب الجنديين إلى المناطق الخلفية...
هنا الضاحية الجنوبية... اشتعلت فرحاً بتحقيق الوعد، وبدأت أصوات المفرقعات يتردد صداها في الشوراع التي ازدحمت، وتبادل المواطنون التهاني والتبريكات... مواطنون فرحون بادروا إلى النزول إلى الشوارع وأخذوا يوزعون الحلوى... أناشيد وطنية عبر المكبرات طغت على الأخبار العاجلة عبر الفضائيات وغيرها ... تمر الساعات الأولى وقد اجتاح اللبنانيين إحساس كبير بالعزة والافتخار بعد تمريغ أنف جيش الاحتلال بالتراب مرة اخرى .... إحساس لم يفارق اللبنانيين منذ أقفل آخر جندي إسرائيلي بوابة فاطمة مع انسحاب آخر ميركافا من جنوب لبنان في الخامس والعشرين من آيار/مايو عام ألفين.
وبينما كان المواطنون مشغولين بفرحهم كان المجاهدون على التخوم مع فلسطين المحتلة يخوضون مواجهات متصاعدة على عدة محاور ويحققون أول مفاجأة من سلسلة المفاجآت التي أعدوها لجنود الاحتلال وامتدت على مدى ثلاثة وثلاثين يوماً في حرب عالمية شُنت على المقاومة الاسلامية ومجاهديها الذين وفوا ما عاهدوا الله عليه وصدقوا الوعد..
مع احتدام المواجهات بدأت المواقف السياسية تتوالى فكان مؤتمر الأمين العام لحزب الله سماحة السيد نصر الله الذي رتب على عجل ولكن بدقة وإتقان وحضره جمع كبير من وسائل الإعلام المحلية والفضائية ... عبارات عدة اختصرت الواقع، وحددت هدف عملية "الوعد الصادق" وأكدها السيد نصر الله: أسر جنود إسرائيليين بهدف مبادلتهم بالأسرى في السجون الإسرائيلية... لا سبيل لعودة الأسيرين إلا بالتفاوض غير المباشر في إطار عملية تبادل". "نحن جاهزون للتهدئة، وإذا اختاروا المواجهة فعليهم أن يتوقعوا مفاجآت".
مع انتهاء المؤتمر الصحافي بدا واضحاً أن القيادة الإسرائيلية تتجه إلى مزيد من التصعيد، فكانت الاستعدادات لأي تطور مهما كان نوعه... لم تنتظر قيادة الاحتلال طويلاً حتى بدأت قرع طبول الحرب التي اعتقدت أنها ستنتصر فيها! وأعلنت الحكومة الإسرائيلية أنها تعتبر أن الحكومة اللبنانية مسؤولة عن عملية "الوعد الصادق" وعن إعادة الجنديين الأسيرين! وبعد اجتماع أمني طارئ يعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت "الحرب على حزب الله في إطار المواجهة الكبرى" بخطوة حربية عميقة ومؤلمة ومتواصلة لتحقيق هدفين: الأول ضربة مؤلمة لحزب الله والبنى التحتية اللبنانية, والثاني: إبعاد حزب الله عن الحدود بجهد عسكري ودبلوماسي. وأطلقت على هذه الحرب تسمية "الجزاء المناسب".
جاء إعلان الحرب الاسرائيلية على لبنان مدعوماً كالعادة من الأميركيين الذين سارعوا على طريقتهم لإعطاء الضوء الأخضر بمباشرة الحرب وأعلنت واشنطن: أن "الهجوم يظهر أن عدم نزع سلاح حزب الله وقيامه بعمليات من الأراضي اللبنانية يشكلان تهديداً مباشراً لأمن الشعب اللبناني"!.في حين قالت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس من باريس إن العملية "تهدد استقرار المنطقة وتتعارض مع مصالح لبنان وإسرائيل معاً"...وكالعادة أيضاً دعمت لندن وباريس وطوكيو وعواصم أخرى الموقف الأميركي ـ الإسرائيلي.
مسارعة "إسرائيل" والولايات المتحدة إلى إعلان الحرب كانت تشي بيقينهما من تحقيق الانتصار خصوصاً وأن ظروف السياسية في لبنان هذه المرة كانت تختلف عن ظروف الحروب السابقة خلال عدواني نيسان/ابريل عام 1996 وتموز/ يوليو 1993، فالوحدة الوطنية مهتزة والانقسام بين اللبنانيين على أشده وسوريا قد انسحبت من لبنان جراء الضغوط الدولية عليها ... إذاً تبدو الظروف ملائمة لتحقيق انتصار سهل وثمة دور لبعض اللبنانيين كي يوفروا المزيد من ظروف هذا الانتصار! وفي هذا السياق جاء بيان حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الذي ورد فيه: إن الحكومة لم تكن على علم، وهي لا تتحمل مسؤولية، ولا تتبنى ما جرى ويجري من أحداث على الحدود الدولية..". تنصل أرفق بغطاء إقليمي عبرت عنه عواصم ما يسمى الاعتدال العربي وفق المفهوم الأميركي فكان الحديث عن المغامرة والمقامرة..
مواقف استفزت اللبنانيين وزادتهم إصراراً على الصمود والاستمرار في دعم المقاومة مهما كانت التضحيات ...
أسدل الليل ستاره في ذلك اليوم ليستفيق اللبنانيون في فجر اليوم التالي على هدير المقاتلات الحربية التي شرعت في حربها مع الغارات الأولى على مطار بيروت الدولي لتبدأ وقائع أحداث حرب عام ألفين وستة التي سجلت فيها أحد أهم الانتصارات الاستراتيجية على العدو الإسرائيلي الذي ما زال يحاول لملمة تداعياتها وتجاوز آثاراها التي يبدو أنه من الصعب إزالتها، وسلسلة مناورات التحول السنوية تؤكد هذه الحقيقة.

Script executed in 0.16398406028748