أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

تموز 2006 ــ 2011 | هوامش حرب ..باحة الشورى الى الذاكرة

الأربعاء 13 تموز , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 4,228 زائر

تموز 2006 ــ 2011 | هوامش حرب ..باحة الشورى الى الذاكرة

يصعب على من يدخل باحة شورى «حزب الله» اليوم، أن يحزر ما كانت عليه حالها قبل خمسة أعوام. شجرة صامدة وحيدة تدلّك إلى المفرق الذي كان يؤدي إلى مبنى الأمانة العامة القديم. غير ذلك، كلّ شيء تغيّر تقريباً. صحيح أن بناياتها التي تحوّلت ركاماً في تموز 2006، ارتفعت مجدداً وعادت «أحلى مما كانت»، إلا أن الباحة تفتقد خصوصيتها، بواباتها وحرّاسها وبالتالي حكاياتها، وإن كان سكانّها القدامى لم يفقدوا حسّهم الأمني بعد. تراهم لا يجيبون عمّا يعدّونه أسئلة حسّاسة، على الرغم من أن اسرائيل دمرت كلّ شيء، بما في ذلك بيوت قادة الحزب التي نسأل عنها. نقول: «لكن الجميع بات يعرفها؟». فيجيب أحد المواطنين: «وإن يكن، لقد لاحقت اسرائيل الحاج عماد مغنية نحو 30 عاماً، وقد تكون توصلت إليه بسبب معلومة بسيطة كالتي تطلبينها مني الآن».

يبدو رد فعله مستغرباً بعض الشيء، ذلك أن «أسرار» الشورى صارت حكايات تروى بين أهاليها. بل إنها لطالما كانت تشكل مادة أحاديث بين طلاب المدارس، يخبر خلالها أحد التلاميذ المقيمين في الحي زملاءه حدثاً استثنائياً شهد عليه دون غيره «وجدت قنبلة أمس فأخبرت الحرّاس عنها». «لم ننم أمس لأنهم كانوا يعدّون للاحتفال الذي سيحكي خلاله السيّد حسن نصر الله». طبعاً هذه أحداث بسيطة لا تذكر، بالقياس إلى ما كان يتهامس به سكان البنايات التي كانت تتواجد فيها المراكز الأمنية عن تحرّكات غريبة تجعلهم يشكّون بحصول عمليات للمقاومة، وأحياناً عن شجاراتهم مع العناصر الأمنيين المكلفين بالحراسة بسبب ما كانوا يعدّونه تضييقاً عليهم. بل ربما لا تتعدى الخبرية قصة عن فتيان كانوا يلعبون الفوتبول عند منتصف الليل، هؤلاء الفتيان ليسوا إلا أولاد الشهيدين عماد وفؤاد مغنية اللذين كانت عائلتاهما تقيمان في الحيّ. وقد تكبر القصة لتكون مقلباً أعدّه ابن أحد مسؤولي الحزب بالحرّاس، وأمضى الشباب الليل يضحكون لأنهم نجحوا في تضليلهم، أو العكس.
اليوم يفتقد من كانوا أطفالاً هذه الخصوصية. يفتقدون ما هو أبسط بكثير. تقول جنان شرارة، التي غادرت وعائلتها الحيّ منذ حرب تموز، إنها لم تسمع منذ ذلك الوقت نداء: «الرجاء من أصحاب السيارات المتوقفة عند جانبَي الطريق إزالتها من مكانها فوراً»، وهي التي اعتادت ذلك لأكثر من خمسة عشر عاماً بالتزامن مع المهرجانات التي كان الحزب يحييها في «باحة الشورى». هذه الباحة الشهيرة التي احتضنت أبرز مناسبات «حزب الله» في نهاية التسعينيات من القرن الماضي، كانت تضمّ الأمانة العامة للحزب، وبيوت عدد من قادتها السياسيين والأمنيين أبرزهم السيد حسن نصر الله، الشيخ نعيم قاسم، الأمين العام السابق السيد عباس الموسوي. وغير بعيد عنهم منزل الأمين العام السابق الشيخ صبحي الطفيلي، وعلى بعد أمتار منزل العلامة الراحل السيّد محمد حسين فضل الله. هذه هي الأسماء المعروفة والمعلنة، وقليلون كانوا يعرفون أن الحيّ تسكنه أيضاً عائلتا الشهيدين عماد وفؤاد مغنية... وربما آخرون من كبار القيادات الأمنية في الحزب.
من الطبيعي إذاً أن تترافق إقامة هذه الشخصيات مع تعزيزات أمنية، الواضح منها للعيان أربعة حواجز تحدّ باحة الشورى: الحاجز الأول لجهة الشرق عند ساحة الشهيد صلاح غندور، الثاني لجهة الغرب عند ثانوية أشبال الساحل، الثالث لجهة الشمال قرب مبنى الأمانة العامة، والرابع جنوبي عند تقاطع شارع دكاش ـــــ السيّد عباس الموسوي. لكن هذه الحواجز الأربعة ليست كلّ شيء، وهي لا تختصر الترتيبات الأمنية التي كان سكان باحة الشورى يعيشون في كنفها، ولا حتى تلك التي يعرفها زوّار الحيّ.


سلّمت «وعد» 52 مبنى من أصل 59 هدمت في باحة الشورى

نقف عند نصب الاستشهادي صلاح غندور. قبالتنا غرباً، البنايات التي أعيد بناؤها بحلة جديدة. إذ يفيد مشروع وعد لإعادة إعمار الضاحية بأن عدد المباني التي هدمت في باحة الشورى وصل إلى 59، وهي مقسّمة كالآتي: 1200 شقة و300 محل. وقد تم تسليم 52 مبنى إلى أصحابه، والمباني السبع الأخيرة باتت في مراحل العمل الأخيرة.
بعض المحال عاد أصحابها إليها. من بينهم أبو حسين الذي يقيم في الشارع منذ عام 1974، وكان يعرف الشارع باسمه القديم «شارع دكاش». يقول إن الاسم تغيّر عندما انتقلت إليه «شورى حزب الله»، ويحدّد ذلك «بين عامي 1986 أو 1987 وكانت ملاصقة لبيتي». جاره أبو علي، قديم في الحيّ أيضاً منذ عام 1969، يتذكر أن الشارع «تحوّل إلى الشورى في التسعينيات وما بعد». وقد يكون كلام الأخير دقيقاً، ذلك أن العودة إلى أرشيف الصحف تدل إلى أن باحة الشورى في حارة حريك لم تشهد استقبالات حزبية أو مهرجانات حاشدة إلا ابتداء من عام 1994.
عن هذه المرحلة «في جيرة الحزب»، يؤكد أبو حسين أنه لم يكن متضايقاً من الأمر لأننا كنا نعيش «في أمان زيادة عن اللزوم». إضافة إلى أن «أكثرية مهرجانات حزب الله كانت تجري في الساحة عندنا، كنا نقف على الشرفات لنتابعها ونحن نرتدي البيجامات. حُرمنا من هذا الأمر عندما نقلوا احتفالاتهم إلى مجمع سيّد الشهداء». أما الأمر السلبي الذي كانون يشعرون به فهو «الضغوط الأمنية التي كان يتعرّض لها ضيوفنا». الأمر مختلف بالنسبة إلى أبو علي، فهو الوحيد في الحي الذي يحكي بتحفظ عن الوضع الأمني سابقاً، وإن اعترف بأن الشباب كانوا «أوادم» لكنه لا يحبّذ العودة إلى الوضع السابق.
هذا الكلام العام يتحوّل إلى ذكريات عندما ندخل إلى البيوت. تقف أم جعفر حمدان على شرفة منزلها الذي عادت إليه قبل سنة وأربعة أشهر. نحن في مبنى الأمانة العامة نفسه، وعلى بعد أمتار معدودة منه يقع منزل السيدّ نصر الله. تقف أم جعفر على شرفة منزلها وتروح تدلّنا منها إلى منزله. تقول «أوّل بناية نزلت في الشارع بعد منزل السيّد حسن كانت بنايتنا». لا تجد في حياتها في «المربّع الامني» أيّ أمر سلبي. حتى الطريق التي أقفلت عندما انتقلت الأمانة العامة إلى بنايتهم قبل عامين على اندلاع الحرب «لم تؤثر على أحد. أعطوا الأهالي ملجأ بديلاً لركن سياراتهم. صحيح أن هناك من تضايق لكن كثيرين يقولون الآن ليتهم يعودون وينظمون الحيّ». هذا الأمان كان يعكّره الرعب من اسرائيل، وخصوصاً أن المنطقة تعرّضت لقصف اسرائيلي خلال عدوان نيسان عام 1996، لكن ليس بهذا الحجم. ما يزعجها اليوم أن السيّد حسن لم يعد جارها.
الشعور نفسه يعبّر عنه الحاج علي سليمان المقيم في الحي منذ 29 عاماً. يتذكره منذ كان عبارة عن بساتين ليمون، وصار يكبر شيئاً فشيئاً. يحنّ إلى «الشورى» وإلى الشباب. لكنه لا يعتقد أنهم سيعودون. «هل تريدهم أن يعودوا؟» نسأل، فيجيب مع توضيح: «أكيد، لأنّو بتنبسطي لما تكوني حدّ السيّد». «وهل تعرف أين كان بيت السيّد؟»، يجيب «بيتو الأساسي كائن في الشارع الخلفي». «والآن هل تعرف أين بيته؟». يضحك ويجيب: «بيته في قلوبنا».
قد يكون الأطفال أكثر المتضرّرين من الوضع الأمني، علماً أن ساحتها الخالية من السيارات كانت تتيح لهم لعب كرة القدم براحة تامة، لكن ليس دائماً. أحياناً كان الحرّاس ينزعجون ويأخذون الطابة من الأطفال، وهذا ما كان يضايق جعفر ابن العاشرة آنذاك. تدافع أمه عن سلوك الحرّاس بالقول: «أنا كنت أطلب منهم ان يأخذوا الطابة». يضحك ويقول إنه في المقابل كان سعيداً بوجودهم عندما كان يشعر بأنه قدّم لهم خدمة أمنية معينة. في أحيان أخرى كان بعض الاطفال يتحرّشون بالكاميرات التي يكتشفونها فيعمدون إلى التعمية عليها. وهنا يؤكد أبو علي أنه يستغرب هذه الرواية «فأنا لم ألاحظ يوماً كاميرا في الحي، وكانوا يعملون بسرية تامة».
لا يخفي وائل، ابن الحي، أنه كان يشعر أحياناً بأنه يعيش داخل سجن «وأحياناً أشعر بأنني زائر في بيتي لا أستطيع الدخول إليه. وإن أتيت ببعض الأغراض الإلكترونية مثلاً فهنا الكارثة، لأنها ستخضع للتدقيق. لكني في المقابل كنت أقول لنفسي يجب أن أشعر بالتميّز، فهذه القوانين هي لحمايتنا». كذلك كان يتجنّب الحديث عن مكان سكنه أمامهم كي لا يعرّض نفسه لزلات اللسان «لأني كنت أعرف أن سلامة هؤلاء الأشخاص من سلامة عائلتي».
هذا ما لم يكن يتفهّمه سليم. هو ليس من سكان الشورى، بل طالب ثانوي كان يمرّ في الشارع بين عامي 1999 و2003 قاصداً مدرسته الكائنة في حارة حريك. كان يختصر الطريق بما يوفّر عليه ربع ساعة من السير على الأقدام خصوصاً أيام الشتاء. يتذكر أنه كان يتعرّض للتفتيش ثلاث مرات، وكثيراً ما كان يجد «الشورى» مقفلة حسب الأوضاع الأمنية أو إذا كانت هناك مهرجانات ستقام فيها. خلال هذه السنوات التي أمضاها عابراً لحواجز الشورى، يعترف بأنه لم يقرر يوماً النظر إلى وجوه الحراس، ولا حتى النظر خلف الستائر الزرقاء التي كانت تزنّر بعض المباني. وأتساءل اليوم «3 سنوات أمرّ و3 سنوات العملية ذاتها. لم يقرروا يوماً عدم فتح الحقيبة. ولم اقرر يوماً ان أنظر إلى وجوههم. واليوم اسأل نفسي: لماذا لم يخطر لي يوماً ان أنظر خلف البرداية الزرقاء».
لم تعد أم حسين شرارة إلى الحي بعد، وهي التي أمضت فيه 11 عاماً. «سكنّا عند حدوده عام 1995. كانت الشورى هناك لكن لم يكن للمنطقة كلّ هذ الصيت الأمني آنذاك. عندما استقررنا بدأنا نشعر بمعنى الإقامة قرب الشورى. أتذكر أنه في السنة الأولى باع بعض جيراننا لأنهم خافوا، لم يتحملوا الإقامة قرب مكان قد يعرّضهم للخطر ولو كان بعيداً. عدا الحساسية الأمنية التي عاشتها العائلة، كان هناك «الجوّ المقاوم الذي عشنا تفاصيله. أي شيء كان يعنينا. أحياناً لم نكن نستطيع أن نتابع المهرجان عبر الشرفة، فنتابعه عبر التلفزيون لكننا نعرف أننا هنا».
تضحك عندما تسرد هذه الحادثة، لأنها آنذاك كانت تنزعج من أصوات الميكروفونات المرتفعة وتجربتها قبل أيام «الأشياء قد تكون عادية في حينه، عندما تفقدينها تشعرين بجمالها».


أسرى الخيام وشهداء الجبل الرفيع

الضاحية الجنوبية. حارة حريك. 13 أيلول 1997.
أبناء الضاحية كانوا على موعد ذلك المساء مع مهرجان لـ«حزب الله» إحياءً لذكرى شهداء جسر المطار. لكن المارّة في الشوارع كانوا يسمعون في الطرقات أخباراً عن شيء آخر. إنها أنباء عن عملية جديدة للمقاومة، ويحكى عن سقوط شهداء. الخبر ليس عادياً في الضاحية، وتحديداً في مربعها الأمني. يتلقّاه الناس هنا كمن يتلقون خبر وفاة قريب لهم، فيجلسون في انتظار معرفة الاسم... بل الأسماء. بالفعل كانت عملية للمقاومة في منطقة جبل الرفيع، استشهد فيها ثلاثة شبان هم هادي حسن نصر الله ورفيقاه هيثم مغنية وعلي كوثراني.
ذلك المساء شهدت باحة الشورى واحداً من أكثر مهرجاناتها حساسية، وهو الذي أكّد كلّ من التقيناهم أنهم لم ينسوه وبقي في ذاكرتهم خصوصاً أنه ترافق مع تقبّل العزاء لمدة سبعة أيام في خيمة أقيمت للغاية.
الحدث الثاني هو عودة أسرى معتقل الخيام إثر تحريرهم مباشرة في 23 ايار عام 2000 حيث كان السيد نصر الله في انتظارهم وقد جلس مع الأهالي أكثر من ساعتين في انتظار وصولهم فجراً إلى بيروت بعدما تأخر موكبهم على الطريق.

Script executed in 0.039082050323486