أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الحريري مُتلفَزاً: غياب المشروع السياسي

الخميس 14 تموز , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,291 زائر

الحريري مُتلفَزاً: غياب المشروع السياسي

لكن أحداً، في السلطة أو المعارضة، لم يتشبّث بكرسيه أمام الشاشة، واتّضح أنّ العصف الإعلامي قبل إطلالة الحريري أنجب مقابلة عادية وطبيعية لم يستطع الحريري من خلالها إيصال الرسائل كما يجب. فلا يكفي أن يحمل الحريري عبارة «ما حدا أكبر من بلده» ويدور بها ليكون قد هاجم خصومه. ورفع السقف في الهجوم على هؤلاء لا يعني أنه صاغ مشروعاً سياسياً لإسقاط الحكومة والعودة إلى الحكم. حديثه عن سوريا كان باهتاً، ومخاطبته للأمين العام لحزب الله حصلت بـ«الخوش بوش»، وكلامه لناس المعارضة لم يأت كالعادة إلا بالتشديد على الصف الواحد. وكل ما قاله الحريري أول من أمس هو أقلّ ما يمكن أن يعبّر عنه رئيس خرج من الحكم.
في الشق السوري، فضّل الحريري طرح الملف من الباب الإنساني (أو الأخلاقي)، ولم يوضح أنه عاد إلى شعارات 2005 ومواجهة النظام السوري. لم يقل سعد الحريري إنّ موقفه من دمشق تطوّر، وإنه عدّل مشروع اتّهامه سوريا باغتيال الرئيس رفيق الحريري إلى مشروع إسقاط النظام السوري. وحديثه عن سوريا لم يوحِ بأنه ينوي إعادة فتح هذه الجبهة بأدوات وأساليب جديدة، أوّلها الداخل السوري، ولو أنّ كثيرين من المعارضين كانوا ينتظرون هذا الأمر. فلم يلبّ تلميح الحريري إلى التدخل في الشؤون السورية طموحاتهم السياسية، واكتفوا باعتبار هذا التعبير خطوة أولى في الطريق الصحيح.
وفي ما يخص الموقف من حزب الله وأمينه العام، أراد الحريري القيام بدور الرجل القوي الذي لا يرضى العبث معه، إلا أنه وقع في فخّ «الحوار». لم يكن باستطاعته رفض الحوار في المطلق، وفي الوقت نفسه عجز عن القول إنه يأبى التحاور مع القتلة أو من يحميهم. واتّهامه للرئيس بشار الأسد والسيد حسن نصر الله بأنهما أقصياه عن الحكم بقرار شخصي، لم يحقّق الهدف منه؛ إذ زاده هذا الموقف أو هذا الاعتراف ضعفاً، وهو اعتراف بالخسارة. حتى إن هجومه على حزب الله، الذي فرح به أنصاره وحلفاؤه، لم يأت بالشكل المطلوب، وحديثه عن هاجسه الأمني بالقول إنّ «الذي اغتال رفيق الحريري يحاول اغتيال سعد الحريري»، لم يربطه الرئيس الشاب بنتائج القرار الاتهامي، ولم يوجّه أصابع الاتهام إلى هذه العناصر الواردة أسماؤها في صفحات القرار ومن يقف خلفها.
يمكن التماس ضعف الحريري من خلال مواقف عديدة سجّلها خلال الحوار مع محطة «إم تي في»، فهو هادن الرئيس نبيه بري وحيّد النائب وليد جنبلاط (لا بل تحدّث عنه بودّ) واكتفى بتمني التوفيق للرئيس ميشال سليمان، وسؤاله الوزير محمد الصفدي «ماذا فعلت لك 14 آذار؟» زاده خنوعاً.
تحييد بري وجنبلاط وسليمان واعتباره أن الحوار مع نصر الله ممكن بوجود ضمانات (أو شهود)، يقابله تقويم الحريري للرئيس نجيب ميقاتي والوزير الصفدي بكونهما يوازيان كلاً من النائبين السابقين مصطفى علوش ومصباح الأحدب، ما يعني أنّ الحريري حدّد بوصلة سياسية تدلّ أولاً على استعادة الشارع السنّي كاملاً، ما يتنافى مع كل ما تحدّث عنه حلفاؤه في الأسابيع الماضية، من رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية إلى «أصغر» عضو في الأمانة العامة لـ 14 آذار، واعتبارهم الحكومة فريقاً واحداً، ذهب هباءً.
كان بإمكان الحريري قلب الطاولة على الجميع وتسمية الأمور «بأسمائها»، لكنه لم يفعل. لماذا؟ يمكن اختصار الإجابة بما أردف به الرئيس الشاب خلال المقابلة: «أنا لا أستطيع أن أقول اليوم ماذا سيحدث بعد أسبوعين أو ثلاثة أو أكثر». وبمعنى آخر: لا يملك الحريري أي قراءة لما يجري في لبنان والمنطقة، وهو لا يستثمر ولا يعرف كيف يدير «تركة» العلاقات الدولية والسياسية التي تركها بين يديه الرئيس الشهيد. وبالمحصّلة، تكون النتيجة أنه ليس بإمكان الحريري ومن حوله صياغة مشروع سياسي واضح المعالم يمكن من خلاله تحقيق شعارات «إسقاط السلاح والحكومة وبناء الدولة».
ضياع الحريري والمشروع المعارض دفع فريق 14 آذار إلى إعلان أنها في إجازة لأسبوعين، حتى مطلع آب المقبل، لحين الوصول «إلى استحقاقات، ولن يعلن مضمون القرار الاتهامي فقط، بل أسماء بعض من اتهموا في القرار الاتهامي» كما ذكرت أمس الأمانة العامة لهذه القوى. وأول «المؤجّزين»، رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية، سمير جعجع، الذي توجه إلى مدينة نيس الفرنسية، برفقة النائبة ستريدا جعجع في «زيارة خاصة».
فمشروع إسقاط الحكومة لا أرضية داخلية له. رفع المعارضة لهذا الشعار لا يكاد يتجاوز الاتّكال، على أمل الضغوط الدولية التي طالبوا بها علناً إثر مؤتمر البريستول قبل أسبوعين. وحتى لو قال المعارضون في اجتماعاتهم الداخلية «يجب أن نلطي للسلطة عند كل كوع لإضعافها والانقضاض عليها»، فهم يصارحون أنفسهم بأنّ الحكومات لا يمكن أن تسقط إلا في الشارع (كما حصل عام 2005). وربطاً بالحديث عن الشارع، ربما على المحيطين بالحريري ـــــ الذي استخدم فزاعة وجود «شيوعيين في الحكومة» ـــــ تنبيهه إلى أنّ بناء الدولة وتقويتها يعدّ من أبسط المفاهيم الشيوعية، وأنّ الاستناد إلى الناس والشارع هو من أولى دروس العصر الشيوعي. قد يكون على الحريري تحديد مهمّة اكتساب الثقافة السياسية على رأس أولوياته، ويكون مفيداً له ولفريقه أن يجلس أمام المرآة ويردّد لنفسه: «ما حدا أكبر من بلده».

Script executed in 0.037747859954834