أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

السيد نصر اللّه في تكريم أبناء الشهداء: حرب تمّوز 2006 = المحكمة 2011

الأربعاء 20 تموز , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,288 زائر

السيد نصر اللّه في تكريم أبناء الشهداء: حرب تمّوز 2006 = المحكمة 2011

الطريق التي تنتهي باكراً. في العام المنصرم، كانوا «جيل الشهيد أحمد جغبير» الشهيد الأول كابن لشهيد. قضى أحمد في معارك بنت جبيل ـــــ عيناتا، وقد اختير ذاك اليوم لتكريمه. صار هناك جيلان من الشهداء. وأمس، كانوا «جيل الشهيد خليل محمد ماضي»، الذي استشهد لاحقاً والده وشقيقه وابن شقيقته. لم تقصفهم الطائرات الحربية. جميع هؤلاء، قضوا في المواجهات المباشرة مع جيش العدو. هكذا، أذيعت أسماء الأبناء الثلاثية، وصعدوا إلى منبر التكريم توالياً. 107 متخرجين، ترن أسماء آبائهم في وجوههم، ولا يبدون انفعالات المتخرجين عادةً. ذلك رغم أن من بينهم، الشابة التي استشهد والدها في البقاع الغربي، أثناء تصديه لدبابات الاحتلال، وقد كبرت، وتفوقت في هندسة الاتصالات. ومن بينهم مهدي، الذي غادره والده إلى الله، حين كان في الرابعة، بعد قصف على معسكرات التدريب، وقد صار مهندساً ميكانيكياً، بتفوقٍ أيضاً.

وأيضاً وأيضاً، من بينهم نور الهدى اسماعيل، التي لم تر والدها وتفوقت، وفاطمة، وكوثر، وغيرهن. كن، باللباس الأسود، الذي يغطي الجسد كاملاً، يحتفلن بلا صخبٍ، بما حلم به آباؤهن قبل الموت الكثير.
ثم كرمت العائلات. وفي تلك الحال كان الموقف أشد تأثيراً. فماذا يمكن القول لأمٍ فقدت جميع أبنائها؟ لا إجابة. ماذا يمكن القول حين يتضح أن عدد أبنائها جميعهم هو ثلاثة، أي إنهم ماتوا جميعهم، وأن آخرهم، وقد يكون أصغرهم على الأرجح، استشهد في حرب تموز. تلك السيدة التي أكلت السنين وجهها، وتمشي حاملةً في رأسها صور أطفالها، إلى منصة التكريم، غير آبهة بكثرة التصفيق، ماذا تعني لها محكمة دوليّة لا تحاكم اسرائيل التي قتلت أبناءها في أرضهم؟ ومن سيقنعها بأن العالم هنا ليس بهذا الضيق من بعد رحيلهم. كلهن متشابهات، أولئك الأمهات اللواتي لا يُجدن الابتسام إلا عنوةً. فمهما كان الحديث عن الشهادة عقائدياً، ومهما كان الإيمان بالغيب قوياً، يدفع باتجاه اعتبار الأبناء في مكانٍ أفضل، لا يمكن تجاهل الحزن الكثير الذي يرتدي الأمهات ويرتدينه. إن كانت هذه الأم هي والدة عماد مغنيّة، أو والدة خليل ماضي، أو أي مجموعة أخرى من الشهداء، فلا فرق. هي الأم ذاتها. هي، بلا شك، تلك السيدة المسنة جداً، التي تعكزت إلى عصا، واستندت إلى أصوات أولادها، لتفادي الموسيقى القوية، التي بثت على عمق ثلاث طوابق تحت الأرض. إحداهن، أخذت الدرع التكريمية، وبذلت دمعة تفطر القلب. للحظة، بثت الشاشة العملاقة دمعة.
وخرج السيد حسن نصر الله، من على الشاشة الشهيرة. في بداية حديثه، كان متأثراً بالصور التي شاهدها، مع عائلات الشهداء، على شاشة مثبتة في مكان وجوده. هو، مثل جماهيره، يعتمد على الشاشة في علاقته معهم. لكنه «مرتاح ومكتّر». الاسرائيليون يظنونه في مخبأ وهو يسخر من ظنونهم. خرج صوته بالقوة، في بداية كلمته، على غير عادته. وبعد حديث طويل، مشبع بالوعظ الديني، والإرشاد، تطرق السيد إلى «ما يطلبه المشاهدون»، من دون أن تتغير «قاعدة» نصر الله التاريخية أبداً. موضوع المقاومة شيء والسياسة الداخليّة شيء آخر.
فجأة يختفي الرجل الهادئ الذي يتحدث عن الغيب بلطافة بالغة، ويظهر القائد الشرس، الذي يتوعد الأعداء، والأخصام أيضاً، بالويل والثبور. لم يتكلم كثيراً في السياسة. طبعاً لم يتجاهل نصر الله «حدث الساعة». لكنه كان أكثر ثقةً وحزماً من جميع المرات السابقة: «كما خرج حزب الله من حرب تموز أقوى مما كانه قبلها، سيخرج منتصراً من مؤامرة المحكمة الدولية، وأقوى عليها مما كانه قبلها». قالها بأسلوب الواثق الذي يعيد الذاكرة، إلى خطاب السادس من أيّار الحاسم. لم تكن تلك دعوةً إلى الحرب مع أخصام الداخل، كما يحلو لنصر الله تسميتهم. فهو، في الوقت عينه، رحّب بدعوة رئيس الجمهورية، ميشال سليمان، إلى الحوار الوطني، بغض النظر عن الموضوعات المطروحة. الحزب مع الحوار... مبدئياً. فمن الناحية العملية، الرجل مستاء من التجارب السابقة. ومستاء أكثر من «البخ» الاعلامي المتواصل، الذي يتهم حزب الله بعدم تقديم استراتيجيته الدفاعية، علماً أن نصر الله نفسه كان «أول من قدم هذه الاستراتيجية». لكن، البعض، برأي نصر الله، ذاكرته قصيرة. طبعاً، هو يعرف جيداً أن القصة ليست قصة ذاكرة.
اليوم، ولو صدر 100 قرار اتهامي آخر، لن يهتز الحزب. نصر الله واثق من ذلك. استعاد هدوءه، ووجه التحية لرئيس الحكومة، نجيب ميقاتي، شاكراً إياه على زيارته الجنوب. وإلى ميقاتي، حيا شيخ الأزهر أحمد الطيب، واصفاً مواقف الأخير بالعاقلة والمسؤولة. استعاد هدوءه، بعدما ابتعد عن «سيرة» المحكمة الدولية. لكن، في أية حال، وبعد الوثائق التي عرضها نصر الله نفسه، وكل التسريبات، بات الحزب يفهم جيداً أن القصة ليست قصة ذاكرة أبداً. ولذلك، سيكون التعامل مع المحكمة، منذ الآن وصاعداً، كما تعاملت المقاومة مع اسرائيل، قبل خمسة أعوام بالضبط: بشراسة بالغة.

 

Script executed in 0.16559982299805